أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطسلايدر الرئيسية

ما أهمية المضايق المائية لواشنطن.. وسر هوس الأميركيين بـ"غرينلاند"؟ أنس الحجي يجيب

أحمد بدر

في قلب الصراع الجيوسياسي العالمي، برزت المضايق المائية بوصفها أوراق ضغط إستراتيجية تحدّد مسار التجارة والطاقة. وأصبحت السيطرة عليها أداة حاسمة لإعادة رسم موازين القوى، بعيدًا عن المواجهات العسكرية المباشرة، وأقرب إلى إدارة النفوذ عبر الاقتصاد والبيانات.

من جانبه، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن التنافس الدولي، خصوصًا مع الصين وروسيا، أعاد إحياء مفاهيم قديمة تقوم على التحكم بخطوط الملاحة بدل الاكتفاء بالعقوبات التقليدية.

وأضاف أن غرينلاند والممر الشمالي ليسا ملفًا مرتبطًا بشخص أو إدارة بعينها، بل يعكسان هاجسًا أميركيًا طويل الأمد بشأن فقدان القدرة على التحكم في المضايق المائية التي تمر عبرها شحنات الطاقة والموارد الحيوية.

وأوضح أن العام الماضي شهد مرور 22 شحنة غاز مسال روسية محظورة إلى الصين عبر الممر الشمالي، دون قدرة واشنطن على التدخل، ما كشف عن حدود النفوذ الأميركي خارج نطاق سيطرته البحرية التقليدية.

وجاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة "إكس" بعنوان: "‏من غرينلاند إلى قناتي السويس وبنما: كيف يعيد الممر الشمالي وترمب رسم أسواق الطاقة؟".

سيطرة بحرية تعني نفوذًا اقتصاديًا

قال أنس الحجي إن اختبار روسيا للولايات المتحدة في البحر الأحمر شكّل نقطة تحول مهمة، بعدما أرسلت ناقلة غاز مسال محظورة عبر الممرات الخاضعة لرقابة أميركية دون اعتراض يُذكر.

وأضاف أن السفينة مرت عبر مضيق باب المندب وقناة السويس أمام أعين السفن العسكرية الأميركية، في رسالة مباشرة لاختبار رد الفعل، مؤكدًا أن تجاهل واشنطن لم يكن صدفة بل كان حسابًا دقيقًا للمخاطر.

وأوضح أن اعتراض ناقلة الغاز المسال من شأنه أن يؤدي إلى انفجار كارثي، ما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها مغامرة عالية التكلفة سياسيًا وأمنيًا، خاصة في ممرات حساسة تعج بحركة الملاحة الدولية.

إيرادات قناة السويس
ناقلة تمر في قناة السويس - الصورة من رئاسة مجلس الوزراء

وأشار أنس الحجي إلى أن السيطرة على المضايق المائية لا تعني بالضرورة إغلاقها أمام حركة الملاحة، بل تعني القدرة على رفع تكاليف التأمين، وزيادة المخاطر على المنافسين، وإبطاء حركة السفن عند الحاجة.

وأكد أن مجرد الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يرفع أقساط التأمين على السفن المتجهة إلى كل من آسيا وأوروبا، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتجارة العالمية دون إطلاق رصاصة واحدة.

وشدد على أن التحكم بحركة السفن يمنح واشنطن قدرة على الضغط الاقتصادي، إذ يمكن تقليص عدد السفن العابرة يوميًا، أو تعقيد إجراءات المرور، وهو شكل غير مباشر من أشكال النفوذ عبر المضايق المائية.

البيانات مكسب خفي من المضايق المائية

قال أنس الحجي إن المكسب الأكبر من السيطرة على المضايق المائية -بالنسبة إلى الولايات المتحدة- يتمثّل في جمع البيانات، موضحًا أن العالم اليوم يقوم على المعلومات أكثر من أي وقت مضى، خصوصًا في عصر الذكاء الاصطناعي.

وأشار إلى تجربة سابقة لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، كشفت عن أهمية المراقبة البحرية، بعدما اكتُشف خلل في بيانات العرض والطلب نتيجة عدم دقة تتبع السفن التجارية التي مرت عبر مضيق هرمز.

وأوضح أن مسؤولًا من وزارة الطاقة الأميركية أُرسل إلى العمل ميدانيًا مع البحرية في الخليج لمراقبة السفن على مدار الساعة، وتسجيل كميات النفط وأنواعه، وهو ما ساعد لاحقًا في تصحيح البيانات الرسمية.

مضيق هرمز
مضيق هرمز - الصورة من منصة "بي بي سي"

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن هذه الواقعة تؤكد أن السيطرة على المضايق المائية تعني امتلاك معلومات دقيقة عن الشحنات، وهو ما يمنح أفضلية إستراتيجية في الأسواق العالمية للطاقة والمعادن.

وأكد أن البيانات باتت أحد أهم الأصول الإستراتيجية المكلفة، تمامًا كما هي تكاليف التخلص من النفايات، لافتًا إلى أن تخزين المعلومات وتحليلها سيشكل جزءًا ضخمًا من اقتصاد المستقبل.

وشدد أنس الحجي على أن مراقبة السفن تتيح أيضًا تتبع أنشطة تهريب الأسلحة والمخدرات، وهو بُعد أمني إضافي يعزّز أهمية المضايق المائية في الحسابات الأميركية طويلة المدى.

الممر الشمالي وهاجس غرينلاند

قال الدكتور أنس الحجي إن المشكلة الجوهرية بالنسبة إلى واشنطن تكمن في أن الممر الشمالي خارج نطاق سيطرتها، بخلاف قناة بنما أو قناة السويس أو باب المندب، وهو ما ولّد "هوسًا" إستراتيجيًا مرتبطًا بغرينلاند.

وأضاف أن امتلاك موطئ قدم في غرينلاند يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التأثير في حركة الشحن والملاحة عبر الممر الشمالي، ومن ثم يمكنها من تقليص فجوة النفوذ في المضايق المائية الجديدة.

ناقلات غاز مسال تعبر طريق بحر الشمال
ناقلات غاز مسال تعبر طريق بحر الشمال

وأوضح أنس الحجي أن الولايات المتحدة يمكنها -قانونيًا- توقيع عقد طويل الأمد مع الدنمارك لاستئجار جزيرة غرينلاند، كما حدث تاريخيًا في حالات مشابهة، وهو ما يمنحها مزايا إستراتيجية دون صدام مباشر.

وأشار إلى أن ارتفاع واردات الصين من الغاز المسال الروسي عبر الممر الشمالي، بالتزامن مع توقفها عن استيراد الغاز المسال الأميركي، يبرز خطورة فقدان السيطرة على هذه المسارات البديلة.

وأكد أن المنافسة مع الصين وأوروبا وروسيا تعيد إحياء منطق القوى الاستعمارية القديمة؛ إذ كانت الهيمنة العالمية تبدأ من السيطرة على المضايق المائية وخطوط التجارة العالمية ومسار الملاحة البحرية.

واختتم الحجي بالقول إن التحكم بهذه الممرات يمنح الولايات المتحدة قدرة على التأثير في تجارة المعادن النادرة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل معركة النفوذ البحري امتدادًا مباشرًا لمعركة الاقتصاد العالمي.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق