تقنية محمولة لاستخلاص الكربون.. ابتكار سعودي
حلول صغيرة الحجم كبيرة التأثير
أحمد معوض

توصَّل باحثون من السعودية إلى ابتكار تقنية محمولة لاستخلاص الكربون تُعدّ نقلة كبيرة في هذا المجال؛ بما يدعم الجهود العالمية لخفض الانبعاثات.
تُعرَف أنظمة التقاط الكربون التقليدية بضخامتها وكلفتها العالية، لذلك انتقلت الفكرة من محطات عملاقة إلى وحدات صغيرة يمكن نقلها وتشغيلها بالقرب من مصدر الانبعاث مباشرة.
وكشف العدد الـ 14 من نشرة وزارة الطاقة السعودية الذي حصلت منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن) على نسخة منه، أن التحول لا يمثّل مجرد تصغير للحجم، بل تغييرًا جذريًا في فلسفة إدارة الانبعاثات؛ فبدل معالجة المشكلة بعد انتشار الغازات، بات بالإمكان احتجازها عند نقطة الانبعاث نفسها، ما يقلل الفاقد ويرفع كفاءة المعالجة.
وتستهدف التقنية السعودية لاستخلاص الكربون القطاعات الأكثر إنتاجًا للكربون مثل الحقول النفطية، والمصانع، ومرافق المعالجة، حيث يصعب أحيانًا ربطها بشبكات التقاط مركزية أو إنشاء بنية تحتية دائمة لها.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى حلول مرنة يمكن نشرها سريعًا في مواقع متعددة، خصوصًا في البيئات التشغيلية البعيدة أو المؤقتة.
ابتكار سعودي
تواصل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) بالمملكة العربية السعودية ريادتها في تطوير حلول مبتكرة للحدّ من الانبعاثات الكربونية، حيث نجح باحثوها في ابتكار تقنية محمولة لاستخلاص الكربون تعتمد على التبريد، ما يفتح آفاقًا جديدة للاستدامة في القطاعات الصناعية والبحرية.
وتعتمد التقنية على تبريد غازات العوادم الناتجة عن عمليات الاحتراق الصناعي إلى درجات حرارة شديدة الانخفاض، مما يؤدي إلى تجميد ثاني أكسيد الكربون وفصله عن الغازات الأخرى بكفاءة عالية.
وتنتج العملية ثاني أكسيد الكربون في حالة سائلة وعالية النقاء، ما يسهّل استعماله في صناعات البتروكيماويات، أو الحقن الجيولوجي، أو إعادة الاستعمال ضمن عملية "الاقتصاد الدائري للكربون".
وخضعت التقنية لاختبارات مكثّفة لمدة 6 أشهر في محطة رابغ التابعة للشركة السعودية للكهرباء، إذ نجحت المنظومة في استخلاص أكثر من 95% من ثاني أكسيد الكربون بشكل موثوق وفعّال خلال عمليات صناعية متواصلة.
وبلغت الطاقة الأولية للنظام المحمول نحو ربع طن يوميًا، مع خطط مستقبلية لتسليم نظام ريادي قادر على احتجاز 30 طنًا يوميًا.

كيف تعمل التقنية المحمولة؟
تعتمد التقنية المحمولة لاستخلاص الكربون على مبدأ الامتصاص الكيميائي أو الفيزيائي باستعمال مواد متخصصة قادرة على التقاط ثاني أكسيد الكربون من الغازات الصناعية قبل إطلاقها إلى الغلاف الجوي.
وتتكون الوحدة عادة من نظام سحب للغاز، وغرفة معالجة تحتوي على مادة ماصة، ثم مرحلة فصل يجري فيها تركيز الكربون وفصله عن بقية الغازات، قبل ضغطه أو تخزينه أو إعادة استعماله.
وصُممت هذه الأنظمة لتعمل بشكل شبه مستقل، مع احتياج محدود للطاقة، ما يسمح بتشغيلها في مواقع نائية دون الحاجة إلى بنية كهربائية معقّدة.
كما تتيح أجهزة الاستشعار الرقمية المدمجة مراقبة الأداء لحظيًا، وقياس نسب الاستخلاص، وتنبيه المشغّلين عند الحاجة إلى الصيانة أو استبدال المواد الماصة.
ويُعدّ هذا الدمج بين الهندسة الكيميائية والتحول الرقمي أحد أبرز عوامل نجاح التقنية، إذ يضمن استقرار الأداء رغم اختلاف ظروف التشغيل.
من المعالجة إلى إعادة الاستعمال
لا تقتصر أهمية استخلاص الكربون باستعمال تقنية محمولة على تقليل الانبعاثات فقط، بل تمتد إلى تحويله من نفاية إلى مورد صناعي يمكن الاستفادة منه اقتصاديًا.
فالكربون الملتقَط يمكن استعماله في تحسين استخلاص النفط، أو في الصناعات الكيميائية، أو في تصنيع الوقود الاصطناعي والمواد البتروكيميائية، ما يفتح بابًا لاقتصاد دائري للكربون.
وتسمح التقنيات المحمولة بجمع الكميات من مصادر صغيرة ومتفرقة، ثم نقلها إلى مواقع الاستفادة، وهو ما لم يكن ممكنًا بسهولة في الأنظمة التقليدية.
كما تقلل هذه المرونة من الحاجة إلى خطوط أنابيب طويلة أو استثمارات ضخمة، ما يجعل التطبيق التجاري أسرع وأكثر جدوى.
وبذلك تتحول إدارة الانبعاثات من عبء تنظيمي إلى فرصة تشغيلية ذات قيمة مضافة.

تطبيقات ميدانية متعددة
يمكن نشر تقنية محمولة لاستخلاص الكربون في مواقع حرق الغاز المصاحب، ومحطات المعالجة المؤقتة، والمرافق الصناعية الصغيرة، وحتى في أثناء أعمال الصيانة الدورية التي ترتفع خلالها الانبعاثات.
وتساعد قابلية النقل في مشاركة الوحدة بين عدّة مواقع وفق الحاجة التشغيلية، الأمر الذي يخفض التكاليف الرأسمالية ويزيد الاستفادة من المعدات.
وفي البيئات الصحراوية أو البحرية، حيث تمثّل المسافة تحديًا لوجستيًا، تصبح هذه التقنية خيارًا عمليًا مقارنة بالحلول الثابتة.
وتؤكد التجارب التشغيلية أن الانتشار الواسع لوحدات صغيرة قد يحقق أثرًا إجماليًا يعادل المحطات الكبيرة أو يتجاوزها.
حلول فورية ذات تأثير تراكمي
يعكس ظهور تقنية محمولة لاستخلاص الكربون تحولًا في طريقة تعامل قطاع الطاقة مع الاستدامة؛ فبدل انتظار الحلول الضخمة طويلة المدى، أصبح بالإمكان تطبيق حلول فورية تدريجية ذات تأثير تراكمي.
فالمرونة والسرعة في التطبيق تمنح الشركات القدرة على خفض الانبعاثات بالتوازي مع استمرار الإنتاج، دون تعطيل العمليات أو زيادة التعقيد التشغيلي.
كما تدعم التقنية المحمولة التوجّه نحو الحياد الكربوني عبر تمكين المواقع الصغيرة والمتوسطة من المشاركة في جهود خفض الانبعاثات، بعد أن كانت الحلول محصورة في المشروعات الكبرى.
وقد لا تكون هذه الوحدات الصغيرة بديلًا عن الأنظمة العملاقة، لكنها تشكّل عنصرًا مكملًا يعزز منظومة إدارة الكربون الشاملة.
تؤكد الخطوة أن مستقبل الطاقة لن يعتمد على حل واحد كبير، بل على مجموعة حلول ذكية مترابطة.. تبدأ أحيانًا بجهاز يمكن حمله على شاحنة.
موضوعات متعلقة..
- أرامكو السعودية تطلق أول وحدة لاستخلاص الكربون في المملكة
- السعودية تطور أحد أكبر مراكز استخلاص الكربون وتخزينه في العالم
- احتجاز الكربون وتخزينه في السعودية.. خريطة طريق التوسع والتوطين
اقرأ أيضًا..
- 3 منصات حفر بحرية في سلطنة عمان تستكشف موارد النفط والغاز
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في 2025 (ملف خاص)
- تعاون الطاقة بين تركيا والدول العربية.. صفقات متنوعة لدعم الإمدادات (مسح)





