التقاريرتقارير الكهرباءرئيسيةكهرباء

الكهرباء في جنوب أفريقيا.. كيف تتأثر السوق بإعادة هيكلة "إسكوم"؟ (تقرير)

نوار صبح

يترقب قطاع الكهرباء في جنوب أفريقيا تطورات مهمة ونتائج إعادة هيكلة شركة إسكوم الحكومية في السوق، التي تعاني من اضطراب الإمدادات.

تشهد شركة إسكوم (Eskom)، المُزوّد ​​الرئيس لقطاع الكهرباء في جنوب أفريقيا، إعادة هيكلة جذرية في عام 2026. تُعدّ هذه العملية الأهم في تاريخها الممتد لأكثر من 100 عام، بحسب تقرير طالعته منصة الطاقة المتخصصة.

وعلى الرغم من أن التركيز ينصبّ على إضافة المزيد من الميغاواط إلى الشبكة المُرهقة، فإنّ إعادة الهيكلة تستلزم إعادة هندسة كاملة للسوق وتفكيك احتكار دام قرنًا من الزمان لبناء نظام كهرباء حديث وتنافسي.

وبعد سنوات من التخطيط لقطاع الكهرباء في جنوب أفريقيا، يُمثّل عام 2026 نقطة تحوّل من مرحلة الإعداد (والمفاوضات المُطوّلة) إلى مرحلة التنفيذ.

أولًا:  تفكيك احتكار الكهرباء في جنوب أفريقيا رسميًا

يُعدّ بدء العمل بقانون تعديل لائحة تنظيم قطاع الكهرباء في جنوب أفريقيا رقم 38 لسنة 2024 (ERAA) في 1 يناير/كانون الثاني 2025 إصلاحًا مهمًا.

ويمثّل هذا التشريع بداية رسمية لانتقال جنوب أفريقيا من احتكار شركة إسكوم المتكامل رأسيًا إلى نظام تنافسي متعدد الأسواق، يفتح المجال أمام اتفاقيات البيع والشراء بين البائعين والمشترين الراغبين من خلال التداول التنافسي.

ويُنشئ هذا التشريع هيئة تشغيل نظام النقل (TSO)، التي ستعمل بصفتها سُلطة شراء مركزية جديدة، وستكون مسؤولًة عن عمليات النظام والسوق.

وواجه هذا الفصل تحديات تفسيرية مبكرة، وغموضًا حول الموافقات على التعرفات، ما يُشير إلى أن عملية الانتقال ستكون معقّدة ومليئة بالعقبات التنظيمية.

ويُمثّل حجم هذا التغيير أهم إصلاح هيكلي منذ تأسيس شركة إسكوم في مارس 1923.

وشهدت السوق تغيرات جذرية منذ تفويض "إسكوم" الأولي لإدارة إمدادات الكهرباء لتشغيل المناجم والصناعة والسكك الحديدية، ورغم بطء استجابة" إسكوم"، فإن هذه السوق الجديدة للمستهلكين المنتجين والطاقة المتجددة هي ما يُشكّل محور تركيز الشركة حاليًا.

ويُمثّل التشريع إعادة تصميم شاملة للمبادئ الأساسية لقطاع الكهرباء الوطني.

ويهدف قانون تنظيم الطاقة المتجددة (ERAA)، من خلال فصل أدوار التوليد والنقل، إلى خلق بيئة تنافسية عادلة لمختلف منتجي الكهرباء.

أبراج نقل الكهرباء في بلدة سويتو بجنوب أفريقيا
أبراج نقل الكهرباء في بلدة سويتو بجنوب أفريقيا – الصورة من رويترز

ثانيًا: "إسكوم" تُقاوم موجة المنافسة الجديدة

مع بدء تحرير السوق، رفعت شركة "إسكوم" دعوى قضائية في عام 2025 للطعن في 5 تراخيص جديدة للتجارة والاستيراد/التصدير منحتها الهيئة الوطنية لتنظيم الطاقة في جنوب أفريقيا (NERSA).

وزعمت الشركة أن الهيئة الوطنية لتنظيم الطاقة "تعيد صياغة سياسة الطاقة الوطنية دون إجراء مشاورات كافية"، ما يخلق حالة من الغموض التنظيمي تُهدد "بتقويض" إطار التوزيع القائم.

ورغم أن الضغوط الوزارية دفعت "إسكوم "إلى تعليق دعواها القضائية، فإن هذا النزاع كشف عن ثغرة خطيرة في عملية الإصلاح.

وفي مثال واضح على الاضطراب التنظيمي، سُحبت مسودة قوانين التداول التي نشرتها الهيئة الوطنية لتنظيم الطاقة للتعليق عليها في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025 رسميًا بعد يومين فقط، وما تزال مسحوبة في انتظار مزيد من المشاورات.

ويكشف هذا التعثر في العملية توترات مؤسسية عميقة، ومن المفهوم أن تشعر "إسكوم" بالقلق حيال دورها المستقبلي، وتخشى من أن ينتقي التجّار من القطاع الخاص عملاءَ مربحين.

ومع تطور هذا الوضع، قد تُرفع دعاوى أمام المحكمة الدستورية لمعالجة الضمان الضمني في الدستور للحق في الحصول على الكهرباء، الذي يُعرقل بسبب تعرفات الطاقة الباهظة.

إزاء ذلك، تقع على عاتق جميع الأطراف المعنية مسؤولية مواجهة التحدي الهائل المتمثل في بناء إطار تنظيمي مستقر.

ثالثًا: الشبكة الوطنية تفتح أبوابها للاستثمار الخاص

حدث انفراجٌ كبيرٌ مع نشر لوائح النقل في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

وتوفر هذه اللوائح الوضوح الذي طال انتظاره للقطاع الخاص للاستثمار مباشرةً في بناء وتشغيل بنية تحتية جديدة للشبكة وفقًا لنموذج رسمي للبناء والتشغيل والتحويل.

وحددت خطة تطوير النقل حاجةً إلى 14,500 كيلومتر من خطوط الجهد العالي الجديدة على مدى السنوات الـ10 المقبلة.

وعلى الفور، أصبحت الخطة ملموسة: فقد حُدِّد 1,164 كيلومترًا من الخطوط الجديدة للتوريد، ومن المتوقع طرح طلب تقديم العروض في الربع الثالث من عام 2026.

وتُعدّ هذه خطوةً حاسمةً نحو كسر احتكار الدولة لبنية النقل التحتية ونقل الكهرباء.

ويُعدّ هذا التطور بالغ الأهمية لأن حل مشكلة توليد الكهرباء غير فعّال دون شبكة قادرة على نقل تلك الكهرباء. ومن خلال دعوة التمويل الخاص رسميًا للمساعدة في معالجة هذه المعضلة الكبيرة، تتخذ الحكومة خطوة حاسمةً نحو دمج مشروعات الطاقة الجديدة.

رابعًا: البطاريات تحوّلت من "تقنية مستقبلية" إلى "ضرورة ملحّة"

في ظلّ المشهد التنافسي المتطور لسوق الكهرباء بالجملة في جنوب أفريقيا (SAWEM)، تُعدّ أنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات (BESS) أصولًا إستراتيجية أساسية للبقاء والنجاح.

وسيفرض قانون السوق الجديد غرامات مالية كبيرة على المشاركين في حال وجود أيّ انحرافات بين توقعاتهم لإمدادات الكهرباء والتسليم الفعلي.

وتُخفف أنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات، التي كانت تُعدّ سابقًا إضافة اختيارية، من المخاطر المرتبطة بمصادر الطاقة المتجددة المتقطعة (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح).

ومن فوائدها الأقل شهرة، أنها من خلال تخزين الكهرباء وتوزيعها عند الطلب، تُحوّل أنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات التوليد المتقطع إلى مصدر طاقة أساس موثوق، ما يُمكّن المنتجين من تلبية احتياجات المستهلكين المحددة والحصول على أسعار مميزة لكهربائهم.

ويُعدّ هذا التحوّل من تخفيف المخاطر إلى خلق القيمة أمرًا جوهريًا لأيّ لاعب جادّ في السوق الجديدة.

أبراج تبريد محطة توليد كهرباء خارج الخدمة في جنوب أفريقيا
أبراج تبريد محطة توليد كهرباء خارج الخدمة في جنوب أفريقيا – الصورة من رايت بوك

خامسًا: موجة من الصفقات عالية المخاطر تلوح في الأفق

مع تحوّل سوق الكهرباء في جنوب أفريقيا نحو المنافسة، يُتوقع أن يكون عام 2026 عامًا حافلًا بالصفقات المهمة وإعادة هيكلة المحافظ الاستثمارية.

ويُجبر هيكل السوق الجديد على إعادة التفكير الإستراتيجي في جميع مراحل سلسلة قيمة الطاقة.

وتشمل أنواع الأنشطة المتوقع ازديادها: عمليات الاندماج والاستحواذ والمشروعات المشتركة الإستراتيجية، وسعي المستثمرين الدوليين والمنصات الإقليمية إلى إيجاد نقاط دخول قابلة للتوسع إلى السوق، وإعادة هيكلة الشركات القائمة لتتلاءم مع التداول التنافسي والتعرض لتقلّبات أسعار السوق.

ويرجّح محللون أن يتركز النشاط على المعاملات العابرة للحدود وتوحيد محافظ الطاقة المتجددة القائمة.

ومع تبلور هذه الصفقات، ستظل هياكل التمكين والحوكمة المتطورة عنصرًا أساسيًا في تنفيذها بنجاح، ما يعكس توجهات التحول الأوسع نطاقًا في جنوب أفريقيا.

الاستعداد لواقع سوق الكهرباء الجديدة

لسنوات، كان تحوّل قطاع الكهرباء في جنوب أفريقيا موضوعًا للسياسات العامة والنقاشات التشريعية، وتدخل البلاد الآن مرحلة تنفيذ ملموسة، وإن كانت مليئة بالتحديات.

وعلى الرغم من أن انطلاق السوق يُستهدف في أبريل/نيسان 2026، يبقى احتمال التأخير قائمًا.

وسيكون العام المقبل بمثابة الاختبار الحقيقي لمدى نجاح تطبيق هذه الإصلاحات المعقّدة والطموحة في ظل الاحتكاكات المؤسسية والغموض التنظيمي.

وعلى الرغم من أن خطط السوق التنافسية تواجه واقع التنفيذ، يواجه القطاعان العام والخاص في البلاد مهمة شاقة تتمثل في التكيف مع المشهد الحالي لبناء مستقبل كهرباء مستقر وتنافسي وآمن.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق