إدارة البيئة في السودان.. خطوة مهمة رغم التحديات (مقال)
د. منال سخري

حين ينظر المراقبون إلى البيئة في السودان، فإن ما يلفت النظر ليس فقط الضغط المناخي أو تدهور الموارد الطبيعية، بل نقص الأطر المؤسسية القادرة على إدارة هذه الموارد بفعالية في ظل أوضاع سياسية معقّدة تستمر منذ عقود.
السودان بلدٌ غني بالموارد الطبيعية وبمساحات زراعية شاسعة ونُظم بيئية متنوعة، لكنه أيضًا من أكثر الدول تعرّضًا لتأثيرات تغير المناخ والنزاعات المسلحة، مما جعل الإدارة البيئية جزءًا لا يتجزأ من مسار السلام والتنمية المستدامة.
وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن البيئة في السودان تواجه طيفًا واسعًا من التحديات، تشمل إزالة الغابات وتدهور الأراضي وفقدان التنوع الحيوي وتلوث المياه والهواء ونزاعات على الموارد الطبيعية، وكل ذلك يتفاقم بسبب تغير المناخ وعدم الاستقرار السياسي.
ويمثّل تقرير الحالة البيئية وتوقعات البيئة في السودان، الذي أطلقته الحكومة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة في عام 2020، أول تقييم شامل لهذه القضايا، ويظهر بوضوح مدى الترابط بين البيئة، والسلام، والتنمية، وهو ما دفع القائمين على التقرير لوضع إستراتيجية بيئية تمتد حتى عام 2030.
ومع ذلك، فإن تنفيذ هذه التوصيات التصورية ظلّ محدودًا بسبب الأزمات السياسية المتعاقبة، مما جعل السياسات البيئية في كثير من الأحيان مجرد نصوص على الورق لا تُنفَّذ على الأرض.
الحوكمة البيئية: بين الخطط المؤطّرة والواقع المؤلم
في الأدبيات الدولية عن حوكمة البيئة (Environmental Governance)، تُعَرَّف بأنها التنظيم المؤسسي الذي يحدد كيف تُتخَذ القرارات البيئية، وكيف تُطبَّق القوانين، وكيف يُمكن للجمهور المشاركة في اتخاذ القرار، وهي عملية تحتاج إلى مؤسسات قوية، ومعلومات علمية قابلة للاستعمال، وشفافية في الأداء.
في السودان، رغم الدعم الدولي لمحاولة بناء هذه الهياكل، مثل المساعدة المقدمة من برنامج الأمم المتحدة للبيئة للدفع بالتكامل البيئي ضمن السياسات الفيدرالية والإستراتيجية الوطنية، تبقى القدرات المؤسسية ضعيفة، والبنية القانونية متكسرة، والتطبيق غير منتظم بسبب تغيّر الأولويات في ظل عدم الاستقرار الحاصل منذ سنوات.
وتشير تقارير متعددة إلى أن ضعف الحوكمة البيئية يُعدّ أحد عوامل الفقر والنزاع، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعتمد على الموارد الطبيعية مباشرةً في سبل عيشها.

الأزمة السياسية وتأثيرها بالبيئة في السودان
من أكبر التحديات التي تهدد أيّ إستراتيجية تخصّ البيئة في السودان هو غياب الاستقرار السياسي المؤسسي.
فالتغييرات المتكررة في الحكومات، النزاعات المسلحة، والانقسامات الداخلية جعلت السياسات طويلة الأمد تعاني من انقطاع في التنفيذ، بينما ترتفع الحاجة إلى خطط واضحة لإدارة المخاطر البيئية والمناخية على المدى الطويل
هذا النقص في الاستقرار يؤدي إلى مشكلات متعددة، مثل:
- تشتت الموارد القانونية والتنظيمية عبر مستويات الحكم الفيدرالية والمحلية.
- نزاعات على الأراضي والمياه في المناطق الريفية، وتتداخل مع نزاعات عرقية وإقليمية.
- ضعف التنفيذ القانوني والرقابي على أنشطة تؤثّر بالبيئة، مثل التعدين، والرعي الجائر، وإزالة الغابات.
في هذا المناخ، تصبح السياسات البيئية مجرد ورقة إضافية في مستندات إستراتيجية طويلة لا تُترجم إلى ممارسات مؤثّرة على الأرض.
مبادرات ودعم دولي… ولكن إلى أين؟
رغم كل هذه التحديات، هناك جهود دولية ومحلية تحاول استعادة مسار البيئة في السودان.
من بين هذه الجهود، دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) للمشروعات المتعلقة بالطاقة النظيفة، والمياه، والتكيّف مع تغير المناخ، وتشمل أيضًا تعزيز القدرات المؤسسية على صُنع السياسات البيئية واستيعاب التمويل المناخي.
كما أُطلقت خريطة طريق لمستقبل الطاقة المتجددة في السودان بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، التي تُبرِز إمكانات البلاد من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتدعو إلى إنشاء صندوق وطني للطاقة الشمسية وتمكين استعمال البيانات الطاقية لاتخاذ قرارات أفضل بشأن الموارد.
إضافة إلى ذلك، أعلن البنك الدولي مشروعات تهدف إلى تعزيز الوصول إلى الطاقة والخدمات الرقمية الأساسية في عدد من الولايات، مما يُمثّل خطوة في اتجاه دمج التنمية البيئية مع الخدمات الأساسية.

التنمية المستدامة ليست رفاهية… بل ضرورة وطنية
مع استمرار النزاعات وتأثيراتها السلبية في الزراعة والأمن الغذائي، يتضح أكثر من أيّ وقت أن البيئة ليست قضية متفرعة، بل أساسية لبقاء المجتمع نفسه.
ففي ظل الاعتماد الكبير على الزراعة التقليدية التي توظّف نسبة كبيرة من السكان، فإن التدهور البيئي يعني تراجع الدخل، وانعدام الأمن الغذائي، وهجرة السكان من الريف إلى المدن، وهو ما يزيد الضغوط الاجتماعية والسياسية ويُعرّض الأمن القومي لأخطار أكبر.
ومن ثم، فإن أيّ نقاش حول السلام والتنمية في السودان لا يمكن أن يصمد دون معالجة بيئية حقيقية تُستند إلى مؤسسات قوية، قوانين قابلة للتنفيذ، وشفافية في إدارة الموارد.
ختامًا، فإن السودان يقف اليوم عند مفترق طرق بين الاقتصاد المرتبط بالأراضي والموارد الطبيعية من جهة، والضغوط المناخية والسياسية المتداخلة من جهة أخرى.
البيئة في السودان ليست قضية هامشية، بل أساس لتحقيق الاستقرار، وحماية سبل العيش، وتحقيق التنمية المستدامة، والحماية من تبعات تغير المناخ.

وفي غياب حوكمة بيئية قوية، ستظل السياسات مجرد نصوص على الورق لا تُغيّر واقع المواطن السوداني الذي يعيش تبعات التدهور البيئي من نقص في المياه إلى تراجع الإنتاج الزراعي.
ولا يبقى التحدي الحقيقي في صياغة السياسات، بل في بناء مؤسسات قادرة على تنفيذها وإشراك المجتمع المدني في مراقبتها وتحقيقها، وهو ما يجب أن يُصبح أساسًا لأيّ مسار مستقبلي في السودان.
* د. منال سخري - خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- الهيدروجين الأخضر في أفريقيا.. 4 دول عربية تتصدر المشهد (مقال)
- بعد كوب 30.. هل تتحول مؤتمرات الأطراف لمناسبات بيئية رمزية؟ (مقال)
- قمة المناخ كوب 30.. اختبار التحول من التعهدات إلى التنفيذ (مقال)
اقرأ أيضًا..
- 3 دول خليجية تبرم صفقات طاقة ضخمة خلال 48 ساعة
- تحريك أسعار البنزين في 5 دول عربية خلال فبراير 2026
- التنقيب عن الغاز في البحر الأسود يصدم شركة إسرائيلية





