التقاريرتقارير الطاقة النوويةرئيسيةطاقة نووية

النفايات النووية عقبة كبيرة تواجه مشغلي المفاعلات في أنحاء العالم (تقرير)

نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • خطة تعزيز الطاقة النووية باتت مقترنة الآن بشرط إيجاد موقع دائم للتخلص من النفايات
  • الرئيس دونالد ترمب يسعى إلى مضاعفة قدرة الطاقة النووية الأميركية 4 مرات
  • قبول الجمهور للطاقة النووية يعتمد جزئيًا على وعد دفن النفايات النووية في أعماق الأرض
  • وزارة الطاقة الأميركية بدأت البحث عن منشأة دائمة للتخلّص من النفايات النووية عام 1983

يبحث مشغلو محطات الطاقة عن مواقع مناسبة لدفن النفايات النووية، بما يُسهم في نهضة المفاعلات الصغيرة، التي يُرتقب أن تُسهم في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء في أنحاء العالم.

وتعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإطلاق موجة من المفاعلات النووية الصغيرة المتطورة لتشغيل عصر الذكاء الاصطناعي على إستراتيجية قديمة للتخلص من النفايات النووية شديدة السمية: دفنها في قاع حفرة عميقة جدًا.

وهنا تكمن المشكلة؛ إذ لا توجد حفرة عميقة جدًا، ومخزون نحو 100 ألف طن من النفايات المشعة المخزّنة مؤقتًا في محطات نووية ومواقع أخرى في جميع أنحاء الولايات المتحدة يتزايد باستمرار، وفقًا لما اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.

ولحل هذه المعضلة، تُلوّح الإدارة الأميركية الآن بحافز جديد من خلال الطلب من الولايات استضافة مواقع دائمة للنفايات النووية في البلاد.

استضافة مستودع جيولوجي دائم للوقود النووي المستهلك

تُطالب وزارة الطاقة الأميركية، في مقترح نشرته الأسبوع الماضي، الولايات بالتطوع لاستضافة مستودع جيولوجي دائم للوقود النووي المستهلك، وذلك ضمن مجمع يضم مرافق تشمل مفاعلات نووية جديدة، ومراكز لإعادة معالجة النفايات النووية، ووحدات تخصيب اليورانيوم، ومراكز بيانات.

ويمثّل طلب المعلومات هذا تحولًا كبيرًا في السياسة؛ إذ باتت خطة تعزيز الطاقة النووية مقترنة الآن بشرط إيجاد موقع دائم للتخلص من النفايات النووية.

وهذا يضع القرارات في أيدي المجتمعات المحلية، وهي قرارات تُقدّر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات من الاستثمارات، وتوفّر آلاف الوظائف، وفقًا لما صرّح به متحدث باسم مكتب الطاقة النووية التابع لوزارة الطاقة.

وقال المسؤول السابق في هيئة التنظيم النووي الأميركية ووزارة الطاقة الأميركية، ليك باريت: "إنّ الجمع بين كل هذه العناصر في حزمة واحدة يُشبه وضع حوافز كبيرة بجانب منشأة لمعالجة النفايات، وهو أمر أقل جاذبية"، وأضاف أن ولايات مثل يوتا وتينيسي قد أبدت اهتمامًا بالاستثمار في الطاقة النووية.

وأفاد مكتب الطاقة النووية بأن الطلب قد أثار اهتمامًا، لكنه امتنع عن التعليق على الولايات الفردية، التي أمامها 60 يومًا للرد.

من ناحيته، يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مضاعفة قدرة الطاقة النووية الأميركية 4 مرات، وافتتاح مشروع جديد بقدرة 400 غيغاواط بحلول عام 2050، مع ارتفاع الطلب على الكهرباء للمرة الأولى منذ عقود، بفضل ازدهار مراكز البيانات التي تدعم الذكاء الاصطناعي وكهربة قطاع النقل.

وفي عام 2025، اختارت وزارة الطاقة 11 تصميمًا جديدًا لمفاعلات اختبار نووية متطورة لتسريع إجراءات الترخيص، وتهدف إلى بناء 3 مفاعلات تجريبية بحلول 4 يوليو/تموز من هذا العام.

أحد مكاتب وزارة الطاقة الأميركية في واشنطن العاصمة
أحد مكاتب وزارة الطاقة الأميركية في واشنطن العاصمة - الصورة من رويترز

في المقابل، فإن قبول الجمهور للطاقة النووية يعتمد جزئيًا على وعد دفن النفايات النووية في أعماق الأرض، وفقًا لدراسات أجرتها حكومات الولايات المتحدة وبريطانيا وكذلك المفوضية الأوروبية.

وقال المتحدث باسم مكتب الطاقة النووية: "يجب أن تتضمّن أي إستراتيجية نووية متكاملة مسارات آمنة ومستدامة للتخلّص النهائي من النفايات النووية، وهذا ما يزال عنصرًا أساسيًا في طلب المعلومات".

وواجهت الجهود السابقة لإيجاد حل معارضة محلية شديدة، حسبما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.

وبدأت وزارة الطاقة الأميركية البحث عن منشأة دائمة للتخلص من النفايات النووية عام 1983، واستقرت على جبل يوكا في ولاية نيفادا عام 1987.

وأوقف الرئيس السابق باراك أوباما التمويل عام 2010 بسبب معارضة مشرعين في نيفادا قلقين بشأن السلامة، وتأثير ذلك في الكازينوهات والفنادق، بعد إنفاق ما يقرب من 15 مليار دولار بالفعل.

تصاميم جديدة للمفاعلات النووية

لتسريع نشر الطاقة النووية، تدعم دولٌ من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والصين والسويد ما يُسمّى المفاعلات المعيارية الصغيرة.

وتكمن جاذبية هذه المفاعلات في إمكان تصنيعها مسبقًا في المصانع، ما يجعل تجميعها أسرع وأقل تكلفة من المفاعلات الأكبر حجمًا المستعملة حاليًا.

ولا يُتوقع أن يحل أيٌ من تصاميم المفاعلات المعيارية الصغيرة الجديدة مشكلة النفايات.

ويقول الخبراء إن المصممين غير مُلزمين بدراسة مسألة النفايات النووية منذ البداية، باستثناء وضع خطة لطريقة إدارتها.

وقال الأستاذ المشارك بمعهد ورسستر للفنون التطبيقية، العضو السابق في المجلس التقني الأميركي لمراجعة النفايات النووية، سيث تولر: "إن هذا التسرع في ابتكار تصاميم جديدة دون التفكير في النظام بأكمله يُنذر بنتائج سيئة فيما يتعلق بالرقابة التنظيمية، وبوجود برنامج إدارة نفايات آمن وموثوق به على المدى الطويل".

ومن المتوقع أن تُنتج معظم المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية الجديدة كميات مماثلة من النفايات النووية، أو حتى أكبر، لكل وحدة كهرباء مقارنةً بالمفاعلات الكبيرة الحالية، وذلك وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم عام 2022.

ويُمكن إنشاء هذه المفاعلات في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة للمحطات الكبيرة، ما يزيد من احتمالية تحويل العديد من المواقع النووية إلى مكبات مؤقتة للنفايات النووية.

وفي الولايات المتحدة، قد تعني كلمة "مؤقتة" أكثر من قرن بعد إغلاق المفاعل، وفقًا لهيئة تنظيم الطاقة النووية الأميركية.

وتواصلت وكالة رويترز مع الشركات الـ9 التي تقف وراء تصاميم المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية الـ11 المدعومة من برنامج المسار السريع التابع لوزارة الطاقة الأميركية.

وأشار بعضها إلى أن النفايات النووية تُمثّل مشكلة لمشغلي المفاعلات وللحكومة على حد سواء، في حين أعرب آخرون عن أملهم في أن تُحسّن التطورات التكنولوجية في العقود المقبلة من فرص إعادة معالجة الوقود، مع إقرارهم بضرورة وجود مستودع دائم.

وأدى احتمال ظهور موجة جديدة من المفاعلات النووية إلى إحياء الاهتمام بإعادة معالجة الوقود المستهلك، حيث يُفصل اليورانيوم والبلوتونيوم، وفي بعض الحالات يُعاد استعمالهما.

وقال المتحدث باسم مكتب الطاقة النووية: "يمكن للتقنيات الحديثة، ولا سيما إعادة التدوير والمعالجة المتقدمة، أن تُقلّص بصورة كبيرة حجم المواد النووية التي تتطلّب التخلص منها، وفي الوقت نفسه، لا تُغني إعادة المعالجة عن الحاجة إلى التخلص الدائم".

من جهتهم، تساءل خبراء الأمن النووي عما إذا كانت إعادة المعالجة ستُدرج في أي من المجمعات الجديدة.

وقال المسؤول السابق لدى وزارة الطاقة الأميركية، روس ماتزكين-بريدجر: "في كل مرة جُرّبت فيها إعادة المعالجة، باءت بالفشل، فهي تُشكّل مخاطر أمنية وانتشارية، وتكاليفها باهظة، وتُعقّد إدارة النفايات النووية". وأضاف أن الدول القليلة التي تُعيد معالجة الوقود تُعيد تدوير ما بين صفر و2%، وهو أقل بكثير من نسبة الـ90% الموعودة.

تخزين النفايات النووية

في الوقت الراهن، تُخزَّن معظم النفايات النووية في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وبريطانيا في مواقعها لأجل غير مسمى، أولًا في أحواض الوقود المستهلك لتبريدها، ثم في حاويات خرسانية وفولاذية.

وترسل فرنسا الوقود المستهلك إلى منطقة لاهاي في مقاطعة نورماندي لإعادة معالجته.

وتضيف المفاعلات النووية التي يزيد عددها على 90 مفاعلًا في الولايات المتحدة -أكبر منتج للطاقة النووية في العالم متفوقًا على الصين وفرنسا- نحو 2000 طن من النفايات النووية سنويًا إلى المخزونات الحالية، وفقًا لوزارة الطاقة الأميركية.

وتُظهر بيانات مكتب الطاقة النووية أنه حتى نهاية عام 2024، دفع دافعو الضرائب الأميركيون 11.1 مليار دولار لشركات المرافق العامة تعويضًا لها عن تخزين الوقود المستهلك، الذي قد يبقى بعضه ضارًا بالبشر لمئات الآلاف من السنين.

شاحنة تُسلّم حاوية إلى خزانات النفايات منخفضة الإشعاع في موقع دونري النووي
شاحنة تُسلّم حاوية إلى خزانات النفايات منخفضة الإشعاع في موقع دونري النووي - الصورة من رويترز

صعوبات في التعامل مع النفايات النووية

أفادت الحكومة البريطانية بأن موقع دونري في إسكتلندا، حيث أُغلق آخر مفاعل نووي عام 1994، قد مدد مرارًا وتكرارًا فترة إيقاف تشغيله وموازنته بسبب صعوبات في التعامل مع النفايات النووية، في مؤشر مبكر على المشكلات التي يواجهها القطاع مع إغلاق المحطات القديمة.

وتُملأ مخازن ضخمة بالنفايات المشعة منخفضة الإشعاع في حاويات معدنية كبيرة مع تفكيك محطة دونري، التي كانت في يوم من الأيام في طليعة الصناعة النووية البريطانية.

ومنذ أن بدأ تشغيل أول محطة نووية تجارية في إنجلترا قبل 70 عامًا، ساد الاعتقاد أن دفن النفايات النووية الأكثر سمية في أعماق الأرض هو الخيار الأكثر أمانًا، إلا أنه لا يوجد حتى الآن أي مستودع نفايات نووية عامل في أي مكان في العالم.

ويُعد إنشاء مستودع نفايات نووية وتشغيله عملية بطيئة؛ إذ تحتاج الحكومات إلى دعم المجتمع المحلي، وتتطلّب دراسات جيولوجية لتحديد تدفق المياه الجوفية واستقرار الصخور حتى عمق 1000 متر تحت الأرض.

وأحرزت فنلندا أكبر تقدم في هذا المجال، وهي على وشك افتتاح أول مستودع نفايات نووية دائم في العالم بمنطقة أولكيلوتو، بعد أن بدأت هي الأخرى هذه العملية في عام 1983.

بدأت شركة بوسيفا (Posiva) الفنلندية، القائمة على المشروع، نقل حاويات الاختبار إلى عمق يزيد على 400 متر تحت الأرض في عام 2024.

وأبلغت الشركة وكالة "رويترز" أن هدفها هو بدء العمليات التجارية هذا العام، رغم أنها تنتظر موافقة هيئة الإشعاع والسلامة النووية الفنلندية على رخصة التشغيل، التي ستتبعها فحوصات تقنية.

عند بدء التشغيل، ستُملأ أنفاق تحت الأرض منفصلة بحاويات مصنوعة من النحاس والحديد لحفظ النفايات النووية، ثم تُغلق نهائيًا.

وبدأت السويد بناء مستودعها الدائم في يناير/كانون الثاني 2025، بهدف تشغيله بحلول أواخر ثلاثينيات القرن الحالي.

ووافقت كندا على موقع في أونتاريو، تهدف إلى تشغيله بحلول أواخر أربعينيات القرن الحالي.

من جهتها، اختارت سويسرا وفرنسا مواقع لهما، وتأملان في افتتاح مستودعاتهما بحلول عام 2050 تقريبًا. أما بريطانيا فتطمح إلى افتتاحه بحلول أواخر خمسينيات القرن الحالي، لكنها لم تستقر بعد على موقع محدد.

ريثما يُنشأ مستودع دائم في مكان ما بالبلاد، تُرسل النفايات عالية الإشعاع من المواقع النووية، مثل موقع دونري، إلى سيلافيلد في إنجلترا للتخزين.

ويجري الترويج لبعض المواقع النووية المتوقفة عن العمل، بما فيها دونري، بوصفها مواقع لمراكز البيانات، نظرًا إلى ارتباطها بشبكة الكهرباء مسبقًا، ما يغني عن انتظار التوصيل.

وما تزال عملية التنظيف هناك في بدايتها، فقد أُلقي الوقود النووي المشع في البحر منذ عقود، وعُثر على شظية مشعة "بسيطة" على شاطئ محلي في يناير/كانون الثاني الماضي.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

مطلوب متطوعون لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد، من رويترز.

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق