الغاز الروسي إلى أوروبا.. تخلّص القارة من الواردات بين الربح والخسارة (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- استمرار دخول الغاز الروسي إلى السوق الأوروبية يُعرّض أوروبا للإكراه والتقلبات
- استيراد الغاز المسال الروسي سيُحظر بالكامل بدءًا من عام 2027
- الغاز الروسي لا يزال يمثّل نحو 13% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز
- أوروبا قررت أن الغاز الروسي لا مكان له في نظام الطاقة المستقبلي لديها
يخضع تخلّص أوروبا التدريجي من واردات الغاز الروسي لحسابات الربح والخسارة، بعد أن تحوّل الأمر من حزم عقوبات إلى قانون ملزم، واتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة حاسمة من إدارة الأزمات إلى التحول الهيكلي في سياسته الطاقية.
فمع اعتماد لائحة ملزمة تقضي بالتخلّص التدريجي من جميع واردات الغاز الروسي -سواء الغاز المنقول عبر الأنابيب أو الغاز المسال- أغلق الاتحاد الأوروبي فعليًا إحدى آخر القنوات الإستراتيجية المتبقية التي تربط نظام الطاقة الأوروبي بالدولة الروسية.
وهذه ليست حزمة عقوبات أخرى قابلة للتجديد كل 6 أشهر، بل هي قاعدة سوقية دائمة ومباشرة تُعيد صياغة منطق أمن الطاقة في أوروبا وتُدمج إدارة المخاطر الجيوسياسية في آلية عمل السوق الموحّدة نفسها.
وتمثّل هذه اللائحة تحولًا نوعيًا؛ فعلى مدى عقود كان يُعامل الغاز الروسي بوصفه مصدرًا تجاريًا تحكمه عقود طويلة الأجل، وأسعار مراكز التوزيع، والترابط بين البنى التحتية.
التمييز بين تجارة الطاقة والمواجهة الأمنية
حتى بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2014، ومرة أخرى بعد عام 2022، استمرت أوروبا في التمييز بين تجارة الطاقة والمواجهة الأمنية.
وقد تمّ التخلي عن هذا التمييز رسميًا الآن، ولم يعد يُنظر إلى الغاز بوصفه سلعة محايدة؛ وإنما تبعية إستراتيجية ذات تداعيات أمنية هيكلية، وقد اختار الاتحاد الأوروبي تنظيمه وفقًا لذلك.
سياسيًا، يُصوَّر القرار على أنه علامة فارقة في تحقيق هدف مبادرة ريباور إي يو REPowerEU الذي طُرح لأول مرة في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا وما تلاه من تسليح لتدفقات الطاقة.
وحسبما صرّح وزير الطاقة والتجارة والصناعة القبرصي، مايكل داميانو، عند إقرار اللائحة، فإن أوروبا "تتخلّص من الاعتماد الضار على الغاز الروسي"، وتتجه نحو سوق طاقة أقوى وأكثر مرونة وتنوعًا.
وتكمن وراء هذا الخطاب حقيقة أكثر قسوة؛ فقد خلص الاتحاد الأوروبي إلى أنه ما دام استمر دخول الغاز الروسي إلى السوق الأوروبية فإن أوروبا ستظل عرضة للإكراه والتقلّبات والقيود الإستراتيجية، بغض النظر عن السعر أو شروط العقد.
وترتكز هذه اللائحة على حظر تدريجي، ولكنه غير قابل للتراجع، على واردات الغاز الروسي.
ويسري الحظر على كلٍّ من الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز المسال، وسيبدأ تطبيقه بعد 6 أسابيع من دخول اللائحة حيز التنفيذ، الذي يتزامن مع نشرها في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي.
وقد مُنحت العقود القائمة فترات انتقالية لتجنّب أي اضطراب مفاجئ في السوق، إلا أن الوضع النهائي ثابت وملزم قانونًا.
وسيُحظر استيراد الغاز المسال الروسي بالكامل بدءًا من بداية عام 2027، في حين سيجري التخلص التدريجي من استيراد الغاز المنقول عبر الأنابيب بحلول خريف عام 2027، مع مرونة مشروطة محدودة مرتبطة باعتبارات التخزين وأمن الإمداد.

المراقبة والتتبع.. محاولة الاتحاد الأوروبي لسدّ منافذ التحايل
من السمات المميزة للائحة أنها تتعامل مع إنفاذها بصفتها مشكلة نظامية لا بوصفها حظرًا إعلانيًا.
وينطلق النص من فرضية تشغيلية مفادها أن الغاز يُتداول على نطاق واسع، ويُعاد بيعه مرات عديدة، ويمكن نقله بصورة غير مباشرة، بما في ذلك عبر دول ثالثة.
لذا، تُرسّخ اللائحة منطقًا للترخيص/التحقق المسبق:
قبل السماح بدخول واردات الغاز، يجب على دول الاتحاد الأوروبي التحقّق من بلد إنتاج الغاز.
ويجب على المستوردين تقديم دليل على أحد الأمرَيْن:
- أولًا، يُستورد الغاز بموجب عقد قائم مشمول بمدة انتقالية.
- ثانيًا، الغاز لم يُنتَج في روسيا.
ويهدف منطق إنفاذ اللائحة صراحةً إلى منع دخول الغاز الروسي "من الباب الخلفي":
ويشمل الحظر الواردات المباشرة من روسيا والصادرات غير المباشرة عبر دول ثالثة، بما في ذلك الحالات التي يُمكن فيها نظريًا إسالة الغاز الروسي في مكان آخر وإعادة إدخاله كونه غازًا مسالًا.
ويُعامل النقل العابر بصورة مختلفة في هذا السياق؛ يستهدف الحظر الواردات إلى سوق الاتحاد الأوروبي، وليس بالضرورة النقل المادي للجزيئات عبر خطوط الأنابيب إذا لم تُستورد إلى الاتحاد الأوروبي بصفتها مواد روسية المنشأ بموجب نطاق اللائحة.
عمليًا، يُدخل هذا النظام الرقابي واقعًا جديدًا للامتثال؛ إذ تُصبح متطلبات التتبع بوابة أساسية للسوق، ومن المرجح أن يتركز العبء الإداري عند نقاط الربط البيني الحيوية ومحطات القياس الحدودية تحديدًا، فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي تاريخيًا على التدفقات التجارية بدلًا من مراقبة المنشأ.
ويعكس تسلسل الحظر حسابات سياسية مدروسة، إذ تُقلّص العقود قصيرة الأجل أولًا، بدءًا من ربيع وأوائل صيف 2026، في حين تُفسخ العقود طويلة الأجل لاحقًا، إذ تنتهي عقود الغاز المسال في بداية عام 2027 وعقود خطوط الأنابيب في النصف الثاني من ذلك العام.
ويهدف هذا التصميم إلى تحقيق التوازن بين الوضوح الإستراتيجي والواقعية الاقتصادية.
من ناحيته، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحديد موعد نهائي موثوق به، مع محاولة إدارة تقلبات الأسعار، والمخاطر القانونية، وقيود البنية التحتية خلال المدة الانتقالية.
وبذلك، يُشير إلى أن أسواق الغاز الروسي ليس لها مستقبل في أوروبا بعد هذا العقد، ما يؤثر في قرارات الاستثمار قبل الموعد النهائي بوقت طويل، وما تم الاتفاق عليه تحديدًا؛ وهو حظر تدريجي بمواعيد نهائية صارمة.
وتنص اللائحة في جوهرها على حظر تدريجي لاستيراد الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي، ويشمل ذلك الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز المسال، مع فترات انتقالية للعقود القائمة تهدف إلى الحد من أي اضطراب فوري في السوق.

بدء التطبيق
يبدأ سريان الحظر بعد 6 أسابيع من دخول النظام حيز التنفيذ، وتدخل اللائحة حيز التنفيذ بعد يوم واحد من نشرها في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي، وتُطبّق مباشرةً في جميع الدول الأعضاء.
مواعيد الإلغاء الكامل
يبدأ الحظر الكامل على واردات الغاز المسال، بدءًا من بداية عام 2027.
ويبدأ الحظر الكامل على واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب، بدءًا من خريف عام 2027.
التسلسل المراعي لشروط العقود
يُطبَّق الحظر بطريقة تُفرِّق بين الالتزامات التعاقدية قصيرة الأجل وطويلة الأجل، ما يعكس سعي الاتحاد الأوروبي للتوفيق بين فك الارتباط الإستراتيجي والواقع التجاري وأمن الإمداد.
العقود قصيرة الأجل (حتى عام واحد):
الغاز المسال: يبدأ الحظر بدءًا من 25 أبريل/نيسان 2026.
الغاز عبر خطوط الأنابيب: يبدأ الحظر بدءًا من 17 يونيو/حزيران 2026.
العقود طويلة الأجل:
الغاز المسال: يبدأ الحظر بدءًا من 1 يناير/كانون الثاني 2027.
الغاز عبر خطوط الأنابيب: يبدأ الحظر بدءًا من 30 سبتمبر/أيلول 2027 (مع إمكان التمديد المشروط حتى 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2027 وفقًا لاعتبارات التخزين/أمن الإمدادات المحددة المشار إليها في بيان التسوية).
إن هذا الترتيب ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو خيار تصميم سياسي؛ إذ يحاول الاتحاد الأوروبي تحديد تاريخ انتهاء موثوق به مع تقليل مخاطر الارتفاعات المفاجئة في الأسعار، والردود القانونية السلبية، واختناقات البنية التحتية -لا سيما في المناطق الأكثر عرضة للخطر-.
وما يميّز هذه اللائحة عن التدابير السابقة ليس الحظر بحد ذاته، إنما آلية إنفاذها.
فقد استفاد الاتحاد الأوروبي من محدودية أنظمة العقوبات خلال السنوات الـ4 الماضية، ولا سيما سهولة إعادة توجيه سلع الطاقة، أو تغيير تصنيفها، أو إعادة إدخالها بصورة غير مباشرة عبر دول ثالثة.
ويُتداول الغاز بكميات هائلة، ويُعاد بيعه مرات عدة، وغالبًا ما يُخلط ضمن سلاسل إمداد معقدة.
ولذلك، تُعدّ اللائحة التحايل الخطر الرئيس، والتتبع التحدي الأساسي للإنفاذ.
وبموجب القوانين الجديدة، يجب على مستوردي الغاز الحصول على ترخيص مسبق قبل السماح بدخول الواردات إلى الاتحاد الأوروبي.
ويتعيّن على الدول الأعضاء التحقق من بلد إنتاج الغاز، وليس فقط بلد التصدير أو العبور.
ويجب على المستوردين إثبات إما أن الغاز مشمول بعقد قائم يستفيد من فترة انتقالية، وإما أنه لم يُنتج في روسيا. والأهم من ذلك، أن الحظر لا يقتصر على الواردات المباشرة من روسيا، بل يشمل الصادرات غير المباشرة عبر دول ثالثة، بما في ذلك الحالات التي يُمكن فيها إسالة الغاز الروسي خارج روسيا وإعادة إدخاله بصفته غازًا مسالًا.
والهدف واضح؛ إيقاف "غسل الجزيئات" وسد الثغرات التي سمحت للطاقة الروسية بالاستمرار في التدفق إلى الأسواق الأوروبية تحت أسماء مختلفة.
ويُغيّر هذا النهج جذريًا مشهد الامتثال لتجارة الغاز في أوروبا.
ولم يعد التحقق من المنشأ والتوثيق والإفصاح مجرد مهام إدارية هامشية، بل أصبح بمثابة حراسة بوابة السوق.
وسيتركز عبء الإنفاذ عند نقاط الربط البيني الحيوية، ومحطات القياس الحدودية، ومحطات الغاز المسال، لا سيما في جنوب شرق ووسط أوروبا، إذ تلتقي مسارات إمداد متعددة، وحيث اختلط الغاز الروسي تاريخيًا مع تدفقات الغاز غير الروسي.
وتنقل هذه اللائحة ضمنيًا المسؤولية من المشاركين في السوق وحدهم إلى الدول الأعضاء نفسها، خصوصًا تلك الواقعة على حدود الطاقة الخارجية للاتحاد الأوروبي.
ولتعزيز الامتثال، تفرض اللائحة عقوبات مصممة خصيصًا لتكون رادعة على نطاق واسع.
ويجب على الدول الأعضاء تحديد عقوبات قصوى تصل إلى 2.5 مليون يورو (2.98 مليون دولار) على الأقل للأفراد، و40 مليون يورو على الأقل للشركات، أو 3.5% من إجمالي حجم التداول السنوي العالمي، أو 300% من حجم التداول المُقدّر.
وهذا يجعل اللائحة مُماثلة لأكثر الأطر التنظيمية صرامة في الاتحاد الأوروبي بقانون المنافسة وحماية البيانات.
والرسالة واضحة لا لبس فيها: التحايل ليس تكلفة يمكن تحملها لممارسة الأعمال، إنه خطر على الموازنة العمومية.
*(يورو = 1.19 دولارًا أميركيًا)

العقوبات: "رادعة بطبيعتها" مع تأثير رادع في مستوى حجم المبيعات
لجعل عدم الامتثال غير مجدٍ اقتصاديًا، تحدد اللائحة معيارًا للعقوبات القصوى بمستويات يمكن أن تؤثر بصورة ملموسة في الموازنات العمومية للشركات:
- الأفراد: عقوبات قصوى لا تقل عن 2.5 مليون يورو.
- الشركات: عقوبات قصوى لا تقل عن 40 مليون يورو، أو ما لا يقل عن 3.5% من إجمالي المبيعات السنوية العالمية، أو 300% من حجم المبيعات التقديري للمعاملات.
ويُعد هذا النهج في الإنفاذ أكثر شيوعًا في الأنظمة التنظيمية الرئيسة للاتحاد الأوروبي منه في سياسات تجارة الطاقة التقليدية.
والهدف الصريح هو الردع، فإذا كان التحايل مربحًا، يهدف النظام إلى جعل التكلفة المتوقعة للوقوع في المخالفة باهظة للغاية.
وأصبح التنويع، الذي لطالما عُدّ هدفًا إستراتيجيًا، التزامًا ملزمًا.
وبحلول 1 مارس/آذار 2026، يتعيّن على جميع الدول الأعضاء تقديم خطط تنويع وطنية تُفصّل طريقة استبدال كميات الغاز الروسي المتبقية، وما العوائق البنيوية أو التعاقدية القائمة، وكيف سيُتغلّب على هذه العوائق.
بالإضافة إلى ذلك، يُطلب من الشركات إخطار السلطات الوطنية والمفوضية الأوروبية بأي عقود غاز روسية متبقية، ما يزيل الغموض بشأن حجم الالتزامات المتبقية ويتيح مراقبة مركزية.
ويتعيّن على الدول التي لا تزال تستورد النفط الروسي بموجب الاستثناءات الحالية -وهي في الغالب دول غير ساحلية- تقديم خطط تنويع موازية، في الوقت الذي تعدّ فيه المفوضية تشريعًا للتخلص التدريجي من واردات النفط الروسي بالكامل بحلول نهاية عام 2027.
خطط التنويع الوطنية الإلزامية بحلول 1 مارس/آذار 2026
تحوّل هذه اللائحة التنويع من مجرد شعار سياسي إلى التزام قابل للتنفيذ:
بحلول 1 مارس/آذار 2026، يتعيّن على الدول الأعضاء تقديم خطط وطنية تُفصّل ما يلي: طريقة تنويع إمدادات الغاز والتحديات التي تواجهها في استبدال الغاز الروسي والحلول المقترحة لتجاوز العقبات، ويُطلب من الشركات إخطار السلطات والمفوضية بأي عقود غاز روسي متبقية، ما يُحسّن الشفافية بشأن المخاطر المتبقية.
من ناحية ثانية، تُوسّع اللائحة نطاق منطق تخطيط التنويع ليشمل النفط، ويتعيّن على دول الاتحاد الأوروبي التي ما تزال تستورد النفط الروسي تقديم خطط تنويع.
وتُشير المفوضية الأوروبية إلى نيتها اقتراح تشريع للتخلص التدريجي من واردات النفط الروسي بحلول نهاية عام 2027، ما يُعزّز منطق مبادرة ريباور إي يو الأوسع.
ويُعد هذا الأمر بالغ الأهمية، لأن الاعتماد المتبقي ليس بالأمر الهين.
ورغم أن عقوبات الاتحاد الأوروبي قد خفّضت واردات النفط الروسي إلى أقل من 3% من إجمالي استهلاك الاتحاد الأوروبي من النفط بحلول عام 2025، فإن الغاز الروسي ما يزال يمثّل نحو 13% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، بقيمة سنوية تتجاوز 15 مليار يورو.
ويستمر هذا التدفق في توليد إيرادات للدولة الروسية، ويُبقي على قناة انكشاف هيكلي لأوروبا، وقد صُممت اللائحة تحديدًا لإنهاء هذا التفاوت واستكمال عملية فك الارتباط.
في الوقت نفسه، أقر الاتحاد الأوروبي بحدود التشدد، وتتضمّن اللائحة إجراءً وقائيًا طارئًا محددًا بدقة، يسمح للمفوضية بتعليق حظر الاستيراد مؤقتًا لمدة تصل إلى 4 أسابيع؛ إذا ما تعرّض أمن الإمدادات لتهديد خطير وأُعلنت حالة الطوارئ.
ويعكس هذا البند الواقع السياسي المتمثل في أن أنظمة الطاقة تعمل في ظل الضبابية، وأن الحظر المطلق دون آليات أمان قد يُفضي إلى نتائج مزعزعة للاستقرار في حال حدوث ضغوط شديدة على السوق أو انهيار البنية التحتية.
بالمثل، فإن شروط تفعيل هذا الإجراء الوقائي صارمة عمدًا، ما يؤكد أنه يُقصد به أن يكون الملاذ الأخير وليس خيارًا دائمًا.
إجراء وقائي طارئ.. تعليق مؤقت لمدة تصل إلى 4 أسابيع
إدراكًا للقيود السياسية للحظر الصارم في سوق متكاملة، تتضمّن اللائحة آلية أمان محددة بدقة:
في حال إعلان حالة طوارئ، وإذا كان أمن الإمدادات مهددًا بصورة خطيرة في دولة عضو أو أكثر، يجوز للمفوضية تعليق حظر الاستيراد لمدة تصل إلى 4 أسابيع.
يكتسب هذا البند أهمية إستراتيجية بالغة، فهو بمثابة اعتراف من الاتحاد الأوروبي بأن أمن الطاقة هدف متحرك، وأن الحظر الصارم دون استثناء طارئ قد يُحدث زعزعة استقرار سياسي واقتصادي غير مقبولة، لا سيما في المناطق ذات البدائل المحدودة للبنية التحتية.
وتُظهر الانقسامات السياسية التي برزت خلال تصويت المجلس مواطن تركز مخاطر تطبيق اللائحة.
وقد صوّتت المجر وسلوفاكيا ضد اللائحة، بحجة أنها تنتهك السيادة الوطنية على مزيج الطاقة، وتخالف مبدأ التبعية، وتشكّل إجراءً عقابيًا فعليًا كان ينبغي أن يتطلّب إجماعًا بموجب معاهدات الاتحاد الأوروبي.
وأبرزت الدولتان موقعهما الجغرافي غير الساحلي، واعتمادهما على عقود خطوط الأنابيب طويلة الأجل، وتعرضهما للتحكيم والمسؤوليات القانونية، وهشاشتهما أمام تقلبات الأسعار.
وقد احتفظت المجر صراحةً بحقها في الطعن باللائحة أمام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي.
وامتنعت بلغاريا عن التصويت، ليس اعتراضًا على الهدف الإستراتيجي، بل بسبب مخاوفها من العبء الإداري والقانوني الواقع على الدول الأعضاء المسؤولة عن مراقبة منشأ الغاز في نقاط الربط المعقدة.
وبصفتها دولة عبور متصلة بالعديد من خطوط الأنابيب الرئيسة، حذّرت بلغاريا من أن اللائحة لا توفّر ضمانات كافية ضد مخاطر التحكيم والعقوبات المالية الناجمة عن إنفاذ التزامات التحقق من المنشأ.
أما فرنسا ففي حين أيدت اللائحة، شدّدت على ضرورة أن تظلّ مثل هذه التدابير شبه العقابية استثنائية، وحذّرت من تطبيع حظر الطاقة خارج إطار العقوبات الرسمية.

سياسات التبني.. شبه إجماع لكن ليس توافقًا
وُصِف تصويت المجلس بأنه شبه إجماعي، لكن المعارضة تحمل دلالات سياسية:
صوتت المجر وسلوفاكيا ضد القرار، وامتنعت بلغاريا عن التصويت، وصوّتت الدول الأعضاء المتبقية لصالح القرار.
المجر.. السيادة ومبدأ التبعية و"العقوبات الفعلية"
يمثّل بيان المجر تحديًا شاملًا على الصعيدَيْن السياسي والقانوني:
ترى أن اللائحة تتدخل في السيادة الوطنية على مزيج الطاقة وخطوط الإمداد، وتشكّك في الأساس القانوني؛ بحجة أن الإجراء يشبه العقوبات التي تتطلب عادةً إجماعًا.
وتدّعي عدم كفاية تقييم الأثر على القدرة التنافسية، وتقلب الأسعار وأمن الإمداد الإقليمي.
وتسلّط الضوء على مخاطر المسؤولية الناجمة عن التدخل في العقود طويلة الأجل، في ظل غياب آلية تعويض.
وتشير إلى احتفاظها بحقها في طلب الإلغاء أمام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي.
سلوفاكيا: اختناقات البنية التحتية، ومخاطر العقود، والمخاطر المالية.
تركز معارضة سلوفاكيا على:
- القيود المفروضة بسبب كونها دولة حبيسة وعدم وجود منفذ مباشر إلى محطات الغاز المسال/النفط.
- اختناقات مستمرة خارج الأراضي السلوفاكية تحد من القدرة على التنويع بسرعة وفعالية من حيث التكلفة.
- التعرض للتحكيم والإجراءات القانونية المرتبطة بالإنهاء المبكر للعقود طويلة الأجل.
مخاوف بشأن التناسب والتضامن والأساس القانوني.
بلغاريا.. العبء الإداري والضمانات القانونية والمالية
يرتكز امتناع بلغاريا عن التصويت على عبء التنفيذ والتبعات القانونية المترتبة عليه:
- ترى أن بعض الأحكام ستُنشئ التزامات إدارية غير متناسبة عند نقاط الربط البيني المحددة.
- تحذر من أن التسوية لا توفّر ضمانات كافية ضد إجراءات التحكيم والعقوبات المالية المرتبطة بالعقود طويلة الأجل والسعة المحجوزة.
- تدعو إلى تعزيز مبدأ المعاملة بالمثل والضمانات المالية، لا سيما للدول الأعضاء التي تعمل على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي حيث تتركز التزامات المراقبة.
فرنسا.. السلامة القانونية والتحذير من أدوات العقوبات شبه "الاستثنائية"
تدعم فرنسا الهدف الإستراتيجي، لكنها تُشدّد على مراعاة الحساسية المؤسسية:
- تُشدّد على السلامة القانونية والتصميم المُضاد للتحايل.
- تُشير إلى أنه ينبغي عادةً التعامل مع التدابير التقييدية للاتحاد الأوروبي من خلال هيكل العقوبات، مُؤطرةً هذه اللائحة بوصفها استثناء مُبررًا بظروف مُحددة.
- تُشير إلى ضرورة توخي الحذر من تطبيع حظر مماثل في المستقبل، لا سيما في قطاع الطاقة.
تُظهر هذه المواقف مجتمعةً أن اللائحة تُعدّ اختبارًا لحوكمة الاتحاد الأوروبي تحت الضغط بقدر ما هو خطوة في سياسة الطاقة.
ويُشدّد الاتحاد الأوروبي على نظام الامتثال على مستوى الاتحاد، في ظل مواجهة اختلالات هيكلية بين الدول الساحلية والدول غير الساحلية، وبين الأسواق المتنوعة والأسواق التي تعتمد على أنظمة تقليدية.
ولا تُقوّض هذه المواقف الهدف الإستراتيجي للائحة، لكنها تُنذر بالمرحلة التالية من النقاش.
ولم يعد السؤال الحاسم هو ما إذا كانت أوروبا تنوي إنهاء اعتمادها على الغاز الروسي -فهي تنوي ذلك- بل ما إذا كان بإمكان الاتحاد الأوروبي تطبيق هذه اللائحة بصورة موحدة عبر أنظمة الطاقة الوطنية شديدة التباين دون التسبب في تفتيت أو نزاعات قانونية أو تشوهات غير مقصودة في السوق.
الدافع الجيوسياسي.. مبادرة "ريباور إي يو" وعقيدة الأمن لما بعد عام 2022
تُفعّل هذه اللائحة الالتزامات التي قطعها قادة الاتحاد الأوروبي في إعلان فرساي (مارس/آذار 2022): التخلص التدريجي من الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي "في أسرع وقت ممكن" بعد غزو أوكرانيا واستعمال روسيا الممنهج للطاقة بوصفها وسيلة ضغط.
وتُحدد البيانات الأساسية مدى الضعف الإستراتيجي المتبقي:
انخفضت واردات النفط الروسي بصورة حادة في ظل نظام العقوبات إلى أقل من 3% بحلول عام 2025.
رغم ذلك، ما يزال الغاز الروسي يُمثل ما يُقدّر بنحو 13% من واردات الاتحاد الأوروبي عام 2025، بقيمة تتجاوز 15 مليار يورو سنويًا.
ويُشكّل هذا التفاوت الأساس المنطقي الإستراتيجي لهذه اللائحة؛ ففي حين انخفض الاعتماد على النفط إلى مستوى هامشي، يبقى الغاز آخر قناة رئيسة للتعرض الهيكلي، وبالتالي يُشكّل عاملًا مستمرًا للمخاطر الجيوسياسية، ووسيلة ضغط قسرية، وهشاشة في الأمن التجاري.
وبعيدًا عن روسيا، تُسرّع هذه اللائحة إعادة تشكيل أوسع لجيوسياسة الطاقة في أوروبا.
وسيصبح أمن الغاز لدى الاتحاد الأوروبي أكثر اعتمادًا على إمدادات خطوط الأنابيب النرويجية، والغاز المسال الأميركي، ومنتجي منطقة البحر الأبيض المتوسط، في حين ستزداد أهمية مرونة البنية التحتية، وإدارة التخزين، وآليات التضامن عبر الحدود من الناحية الإستراتيجية.
في الوقت نفسه، تُفاقم هذه اللائحة معضلة القدرة التنافسية لأوروبا، فاستبدال الشريحة الأخيرة من الغاز الروسي أكثر تكلفة هيكليًا من خطوات التنويع السابقة، لا سيما إذا ظل الغاز المسال هو المصدر الهامشي.
ما لم تتسارع وتيرة التوسع في الكهربة، ونشر مصادر الطاقة المتجددة، وتوسيع الشبكة والتخزين وكفاءة جانب الطلب؛ ستواجه الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة ضغوطًا مستمرة على التكاليف.
وبهذا المعنى، لا تقتصر هذه اللائحة على الغاز، بل تمثّل اختبارًا حقيقيًا لمشروع الاستقلال الإستراتيجي الأوسع للاتحاد الأوروبي، فهي تحوّل النيات الجيوسياسية إلى قوانين سوقية قابلة للتنفيذ، مدعومة بإمكان التتبع، والعقوبات والتخطيط الإلزامي.
وتكشف عن التناقضات الداخلية لهذا المشروع: التوتر بين التضامن والسيادة، وبين الأمن والقدرة التنافسية، وبين التوحيد القانوني والواقع البنيوي.

مخاطر التنفيذ
يُسلّط هذا التحليل الضوء على جوهر الغموض التشغيلي؛ طريقة عمل التحقق من المنشأ عمليًا، وما إذا كانت المتطلبات الإدارية ستُصبح عائقًا أمام السوق، وهنا تبرز 3 محاور رئيسة:
- أولًا، تعقيد التحقق عند نقاط الحدود
قد يُؤدي إلزام الشركات بإثبات أن المنشأ غير روسي على نطاق واسع إلى اختناقات في نقاط التقاء الوثائق والشهادات وسلاسل إعادة البيع، لا سيما عند نقاط القياس والربط ذات الأحجام الكبيرة.
- ثانيًا، الإفصاح للمفوضية الأوروبية مقابل الجهات التنظيمية الوطنية
يُنشئ إلزام الشركات بإخطار السلطات الوطنية والمفوضية الأوروبية معًا طبقة شفافية فوق وطنية، ما قد يُثير حساسية سياسية، ومخاوف تتعلّق بالسرية التجارية، وتكاليف امتثال.
- ثالثًا، التنويع دون دعم تمكيني مضمون
وإذا حددت خطط التنويع قيودًا على البنية التحتية (خطوط الربط، والوصول إلى الغاز المسال، وسعة التدفق العكسي، ومحدودية التخزين)، فإن مصداقية الجدول الزمني ستعتمد على ما إذا كان التنفيذ مصحوبًا بتدابير عملية -سوقية وتنظيمية، وربما مالية- لإزالة الاختناقات.
الخلاصة..
تمثّل هذه اللائحة أداة هيكلية لفك الارتباط، فهي تحوّل عقيدة أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي لما بعد عام 2022 إلى مجموعة قوانين سوقية ملزمة وقابلة للتنفيذ، تتضمّن تواريخ انتهاء واضحة، وردعًا عقابيًا، وتخطيطًا إلزاميًا للتنويع.
وتكشف اللائحة عن القيود الداخلية للاتحاد؛ انكشافه على الدول غير الساحلية، واختناقات البنية التحتية، ومسؤوليات قانون العقود، والنزاعات حول الأساس القانوني ومبدأ التبعية.
ولن يكون الاختبار الحقيقي هو الإعلان، وإنما التنفيذ، هل يستطيع الاتحاد الأوروبي فرض التتبع على نطاق واسع دون شلّ التدفقات التجارية.
وهل يمكن احتواء قنوات التحايل، وهل تستطيع الدول الأعضاء الأكثر عرضة للخطر تنويع مصادرها في الوقت المناسب دون التسبّب في صدمات سعرية وأمن إمدادات مزعزعة للاستقرار؟
في حال تنفيذ اللائحة بفاعلية، فإنها تعزّز الاستقلال الإستراتيجي لأوروبا وتقلّل النفوذ الروسي.
أما إذا تشتت التنفيذ أو نجحت الطعون القانونية، فإنها تُخاطر بخلق فترة طويلة من الضبابية بشأن الامتثال، والتعرض للتقاضي، ونشوب صراع توزيعي داخل الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد إلى توطيد اتحاد الطاقة في ظل ظروف شبيهة بظروف الحرب الباردة.
في كلتا الحالتين تُمثل اللائحة نقطة اللاعودة.. لقد قررت أوروبا أن الغاز الروسي لا مكان له في نظام الطاقة المستقبلي لديها، وقد رسّخت هذا القرار في القانون.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- تراجع الغاز الروسي إلى أوروبا للنصف في 2025.. ماذا يعني للأسواق؟ (تحليل)
- تركيا تمدد عقود استيراد الغاز الروسي.. وتدرس زيادة التعاون مع أميركا وإيران
- أوروبا توقف واردات الغاز الروسي بحلول 2027.. ودولتان تهددان باللجوء القضائي
اقرأ أيضًا..
- المباني الخضراء في الشرق الأوسط تتصدر عالميًا.. السعودية والإمارات نموذجًا
- تقنية حيوية تحول غاز الميثان إلى بلاستيك ووقود نظيف
- لماذا تقطع إيران الغاز عن العراق وتستثني تركيا؟ (مقال)





