لماذا تقطع إيران الغاز عن العراق وتستثني تركيا؟ (مقال)

"إيران تقطع الغاز عن العراق.. وتواصل الضخ إلى تركيا".. عنوان قد يبدو صادمًا للقارئ من الوهلة الأولى، لكنه لن يكون أقل صدمة عندما تستكمل تفاصيل هذا المقال.
فحتى الآن، نقترب من 40 يومًا، وما زالت إمدادات الغاز الإيراني مقطوعة تمامًا عن العراق، في وقت يتواصل فيه ضخ الغاز نفسه إلى الجارة تركيا!!.. عبر خط آخر، لكنه في النهاية "استمرار للضخ".
إيران قطعت الغاز عن العراق بداعي الحاجة المحلية ونقص إمدادات الوقود في طهران، لكنها لم تتخذ الإجراء نفسه مع تركيا، نظرًا إلى بعض التفاصيل المهمة.
بداية القصة كانت منذ صباح يوم 23 ديسمبر/كانون الأول الماضي، عندما أصدرت وزارة الكهرباء العراقية بيانًا عاجلًا أعلنت فيه نبأ القطع المفاجئ، وأن المنظومة فقدت نحو 5 آلاف ميغاواط (تفاصيل هنا).
لكن الحقيقة من واقع سجلات الوزارة نفسها، أن إيران قطعت الغاز يوم 21 ديسمبر/كانون الأول، وربما قبل ذلك بأيام قليلة، لكن الوزارة لم تعلن -حينها- على أمل استئناف الضخ مرة أخرى خلال ساعات.. لكن هذا لم يحدث.
ويوضح الجدول أدناه -كما هو صادر من الوزارة- أن معدل الإنتاج اليومي (المستورد- الوزارة- الاستثمار) انخفض يوم 21 ديسمبر/كانون الأول إلى 17 ألف ميغاواط بعد توقف الغاز الإيراني.
حاولت التواصل مع الوزارة لمعرفة سبب الإجراء الإيراني المفاجئ، فكانت المفاجأة الأكبر أنهم لا يعلمون أي سبب، بل حتى لم يعلموا موعد استئناف الضخ من جديد، بل ذكر متحدث الوزارة أحمد موسى جملة تدل على عدم احترام إيران العراق، عندما قال خلال لقاء تلفزيوني إن الجانب الإيراني رد على مخاطبتنا بجملة واحدة: "سنُعلمكم لاحقًا" (تجدون هنا تفاصيل التصريحات).
سنُعلمكم لاحقًا؟!!.. في أي عقد أو اتفاق تجاري يمكنك أن تجد هذه الجملة؟ بل في أي علاقة تعاون بين الدول يمكنك أن تجد ذلك؟!.. أليس قطع الغاز دون تنسيق أو إعلان أسباب يُعدّ تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة في العراق؟
أنا لا أنفي هنا أن هناك حالات طوارئ أو ما يُعرف بـ"القوة القاهرة" أيضًا، يحق فيها للشركات أو الدول التوقف لفترة عن الالتزام بتعهداتها.. لكن هذا يكون بإعلان واضح وصريح، وباحترام كامل للطرف الآخر، وهذا لم يحدث في حالة العراق، لكنه حدث مع تركيا.
لماذا لم تقطع إيران الغاز عن تركيا؟
في يوم إعلان العراق نفسه نبأ قطع الغاز، تحصّلتُ على معلومات مؤكدة أن إيران تواصل ضخ الغاز إلى جارتها تركيا بانتظام كامل.
المفارقة هنا، أن إيران لديها أزمة في إمدادات الغاز ومختلف أنواع الوقود إلى محطات الكهرباء، ورفعت الإنتاج المحلي إلى أقصى طاقتها المتاحة، لكنها فعلت كل ما يمكن فعله إلا المساس بضخ الغاز إلى تركيا.
هل هذا فقط؟.. بل إن إمدادات الغاز الإيراني إلى تركيا ارتفعت مؤخرًا بنسبة تتراوح بين 4 و5% خلال شهرَي نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول الماضيَيْن، مقارنة بالمدة نفسها من عام 2024.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، سجلت واردات تركيا من الغاز الإيراني نحو 888 مليون متر مكعب، وتشير معلوماتنا إلى أنها في أقل تقدير خلال ديسمبر/كانون الأول 2025 تتراوح بين 800 و890 مليون متر مكعب.
ورغم أن العقد بين إيران وتركيا ينصّ على غرامات ضخمة حال عدم توريد كمية معينة متفق عليها (حد أدنى)، فإن الوضع مختلف مع العراق الذي يعاني أصلًا سداد مستحقات الغاز إلى طهران.
كما أن عقد الغاز الإيراني مع العراق لا يتضمّن أي غرامات على طهران في حال وقف الضخ، وهذه نقطة أخرى وضعت مزيدًا من العبء على الجانب العراقي الذي لم يتمكّن من إجبار إيران على الوفاء بالتزاماتها تجاهه.
ماذا فعل العراق في هذه الأزمة؟
لم يكن تعامل العراق مع أزمة قطع إمدادات الغاز بقدر أهمية الحدث، خاصةً في ظل انشغال وزير الكهرباء زياد علي فاضل، ووزير النفط حيان عبدالغني، بالمنافسة في الانتخابات البرلمانية.
"هناك اتصال بين مدير دائرة الوقود والجانب الإيراني على شكل اتصال هاتفي بين فترة وفترة".. هكذا كان الرد حينما حاولت معرفة موقف وزارة الكهرباء.. لكن هل الوزارة هي الأهم في هذه المعادلة؟
مهما كانت أهمية موقف الوزارة ودورها، لكنها في كل الحالات لن تكون بأهمية مجلس الوزراء الذي التزم الصمت تمامًا، ولم يصدر عنه أي تعليق في أزمة كبرى مثل هذه.

الخلاصة..
- انقطاع الغاز الإيراني على مدار 40 يومًا -حتى كتابة هذا المقال- أجبر العراق على حرق المزيد من النفط في محطات الكهرباء، ومن ثم خفض صادراته، وبالتالي سيؤثر ذلك في إيرادات الحكومة.
- ستبقى أزمة العراق كما هي ما دام الحل دائمًا لديهم هو الغاز الإيراني، دون اللجوء إلى حلول مستدامة، أبرزها الاستفادة من موارد العراق واحتياطياته الوفيرة غير المستغلة من الغاز الطبيعي.
- لا بد من التسريع بتجهيز المنصة العائمة لاستيراد الغاز المسال قبل حلول صيف 2026، والأهم هنا هو وجود خطة واضحة لإدارة ملف التوريد، وألا يقل المعدل يوميًا عن 500 مليون قدم مكعبة (المعدل نفسه تقريبًا الذي يحصل عليه العراق من إيران، حال انتظام الضخ).
- على المدى القصير قدر الإمكان، فالعراق مُطالب بضرورة بناء محطات كهرباء جديدة، وزيادة القدرة المركبة للتوليد إلى نحو 50 ألف ميغاواط على الأقل خلال 5 سنوات من الآن.
*عبدالرحمن صلاح، مدير تحرير منصة الطاقة.
*هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي "الطاقة".
نرشح لكم..






