تطوير حقل نصر النفطي.. صفقة إستراتيجية نموذجية لأدنوك الإماراتية (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- حقل نصر النفطي يُمثّل أصلًا بحريًا ذا أهمية إستراتيجية ضمن امتياز غشا
- عقدًا تطوير حقل نصر النفطي يُؤكّد عمق التعاون الصناعي بين الولايات امتحدة والإمارات.
- شركة أدنوك تتولى تشغيل حقل نصر النفطي البحري بحصّة تبلغ 60%
- حقل نصر النفطي يستهدف إنتاج 115 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2027
أبرمت شركة أدنوك الإماراتية عقدًا مع شركة ماكديرموت إنترناشونال الأميركية لتطوير حقل نصر النفطي البحري بتقنيات هندسية متطورة.
في 22 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت شركة ماكديرموت إنترناشونال (McDermott International) فوزها بعقد رئيس للهندسة والمشتريات والإنشاء والتركيب (EPCI) من شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) البحرية لمشروع توسعة حقل نصر-115 في دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتبلغ قيمة العقد نحو 942 مليون دولار، وهو يندرج ضمن فئة العقود "الرئيسة" لشركة ماكديرموت، التي تُعرّف بأنها مشروعات تتراوح قيمتها بين 750 مليون دولار ومليار دولار.
ويُعدّ مشروع نصر-115 عنصرًا أساسيًا في المرحلة الثانية من تطوير حقل نصر التابع لشركة أدنوك الإماراتية، والمصمم لرفع القدرة الإنتاجية للحقل البحري إلى 115 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2027.
أين يقع حقل نصر؟
يقع حقل نصر النفطي على بُعد نحو 130 كيلومترًا شمال غرب أبوظبي، ويُمثّل أصلًا بحريًا ذا أهمية إستراتيجية ضمن امتياز غشا، الذي يُعدّ حجر الزاوية في إستراتيجية الإمارات العربية المتحدة طويلة الأجل لتطوير قطاع النفط والغاز.
وبعيدًا عن حجمه التجاري، يُؤكّد هذا العقد عمق التعاون الصناعي بين الولايات المتحدة والإمارات في وقتٍ تُوسّع فيه دول الخليج المنتجة قدرتها الهيدروكربونية، بالتزامن مع مواكبة التحولات العالمية في قطاع الطاقة.
بالنسبة لشركة ماكديرموت، يُمثّل هذا العقد فوزًا تنافسيًا مهمًا يُعزّز مكانتها في الشرق الأوسط، ويتماشى مع خطة أدنوك الإماراتية الاستثمارية الأوسع نطاقًا التي تبلغ 150 مليار دولار أميركي للمدة 2026-2030.
ويتناول هذا التحليل خلفية المشروع ونطاقه وآثاره الإستراتيجية في شركة أدنوك والإمارات العربية المتحدة وشركة ماكديرموت، ويضع الصفقة في سياق الاتجاهات الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع التي تشكّل أسواق الطاقة العالمية.

لمحة عن شركة ماكديرموت إنترناشونال
تُعدّ ماكديرموت إنترناشونال -مقرّها الرئيس في مدينة هيوستن بولاية تكساس- شركة عالمية رائدة في مجال الهندسة والإنشاءات، تتمتع بخبرة تزيد على قرن في قطاع الطاقة.
وتأسست الشركة عام 1923 على يد رالف توماس ماكديرموت في مدينة إيستلاند بولاية تكساس، وبدأت بتصنيع منصات حفر خشبية لقطاع النفط الأميركية في بداياتها، قبل أن تتوسع بسرعة لتشمل أبراج التقطير وغيرها من البنى التحتية النفطية خلال طفرة النفط في ثلاثينيات القرن الـ20.
على مدى العقود اللاحقة، تطورت ماكديرموت لتصبح شركة مقاولات دولية متنوعة، تقدّم حلولًا متكاملة في قطاعات التنقيب والإنتاج، والتكرير والتسويق، والمنصات البحرية، والغاز المسال.
وأدت الشركة دورًا محوريًا بتطوير المنصات البحرية في خليج المكسيك، وتوسعت عالميًا بعد الحرب العالمية الثانية.
حاليًا، تعمل ماكديرموت في أكثر من 54 دولة، وتوظّف أكثر من 30 ألف شخص، وتمتلك أسطولًا من السفن البحرية المتخصصة وأحواض بناء السفن في جميع أنحاء العالم.
في السنوات الأخيرة، واجهت الشركة ضغوطًا مالية كبيرة، بما في ذلك إعادة هيكلة بسبب الإفلاس عام 2020 عقب استحواذها على شركة شيكاغو بريدج آند آيرون (CB&I).
وبعد انطلاقها كشركة خاصة، ركّزت ماكديرموت على الانضباط التشغيلي، والتحول الرقمي، والبناء المعياري، والتنفيذ القائم على التكنولوجيا.
وقد عزّز تركيزها على الاستدامة، وخفض الانبعاثات، والإدارة المتقدمة للمشروعات، سمعتها بصفتها مقاولًا مفضلًا لمشروعات الهندسة والمشتريات والإنشاء والتركيب المعقّدة في المنصات البحرية.
وتتمتع شركة ماكديرموت بحضور راسخ في الشرق الأوسط، حيث أنجزت مشروعات كبرى لشركتي أرامكو السعودية وأدنوك.
وبإيرادات سنوية بلغت نحو 6.2 مليار دولار أميركي في السنوات الأخيرة، ومحفظة أعمال متنامية تشمل الآن مشروعات الهيدروجين ومشروعات تحول الطاقة، تظل الشركة لاعبًا أساسيًا في مجال الهندسة البحرية العالمية.
ويُضيف فوزها بمشروع نصر-115 إلى رصيدها من الطلبات، ويعزز علاقتها الإستراتيجية مع أدنوك الإماراتية، إحدى أنشط شركات النفط الوطنية في العالم.
معلومات عن حقل نصر النفطي
يُعدّ حقل نصر النفطي، المعروف باسم حقل النصر، أحد الأصول البحرية المهمة التي اكتُشفت عام 1971، وتتولى شركة أدنوك الإماراتية تشغيله بحصّة تبلغ 60%.
وتشمل قائمة الشركاء الدوليين شركات إيني (10%)، وتوتال إنرجي (20%)، والشركة الوطنية الصينية للبترول (6%)، وشركة النفط الوطنية الصينية (4%)، ما يعكس نموذج أبوظبي الراسخ في المشاركة المشتركة في تطوير قطاع الهيدروكربونات.
ويقع حقل نصر في مياه ضحلة على بُعد نحو 130 كيلومترًا شمال غرب مدينة أبوظبي، ويُشكّل جزءًا من امتياز غشا الأوسع، إلى جانب حقول أخرى مثل بو حصير، وحائل، وسطح.
وطُوِّر الحقل على مراحل لتحسين الإنتاج وإدارة المخاطر التقنية.

وبدأت المرحلة الأولى الإنتاج عام 2015 بقدرة إنتاجية تبلغ نحو 22 ألف برميل يوميًا، في حين رفعت المرحلة الثانية -التي اكتملت عام 2019- القدرة الإنتاجية إلى نحو 65 ألف برميل يوميًا، من خلال إنشاء مجمع بحري متعدد المنصات.
ويستند مشروع توسعة حقل نصر-115 الحالي إلى هذا الأساس، ويستهدف الوصول إلى إنتاج 115 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2027.
ويدمج المشروع أنظمة رقمية متطورة، بما في ذلك أدوات المراقبة والتحسين المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يتماشى مع توجُّه أدنوك الإماراتية الأوسع نحو تطوير الحقول الذكية.
وبصفته جزءًا من قاعدة موارد أبوظبي الهيدروكربونية الضخمة، التي تضم أكثر من 100 مليار برميل من احتياطيات النفط المؤكدة، يجسّد حقل نصر نهج دولة الإمارات العربية المتحدة التدريجي والقائم على التكنولوجيا في تنمية الإنتاج البحري.
نطاق العقد والتفاصيل التقنية
يغطي عقد الهندسة والمشتريات والإنشاء والتركيب الممنوح لشركة ماكديرموت نطاقًا شاملًا من الأعمال المصممة لدعم توسعة حقل نصر-115.
ويشمل ذلك هندسة وتوريد وإنشاء وتركيب هيكلين علويين، وبرج توزيع جديد، وهيكل داعم، وجسر، بالإضافة إلى خطوط الأنابيب والكابلات المرتبطة بها، وتعديلات على البنية التحتية القائمة.
من ناحية ثانية، يتضمن المشروع تركيب كابل بحري عالي السرعة لتمكين العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتكامل البيانات في الوقت الفعلي.
وتُعدّ هذه المكونات بالغة الأهمية لتعزيز القدرة الإنتاجية البحرية والكفاءة التشغيلية.
وتضم الهياكل العلوية أنظمة المعالجة والتحكم، وتدير أبراج التوزيع توزيع التدفق، وتوفر الهياكل الداعمة الدعم الهيكلي، وتربط الجسور المرافق الجديدة بالمنصات القائمة.
ويسمح الطابع العام للمشروع، الذي يركّز على تطوير البنية التحتية القائمة، لشركة أدنوك بتوسيع قدرتها الإنتاجية مع تقليل التأثير البيئي والتكاليف الرأسمالية مقارنةً بتطوير مشروعات جديدة بالكامل.
وتبلغ قيمة العقد نحو 942 مليون دولار أميركي، وسيُنَفَّذ أساسًا من مرافق ماكديرموت الإقليمية، بالاستفادة من أسطولها البحري وقدراتها التصنيعية.
ويستهدف الجدول الزمني للمشروع إنجازه بحلول عام 2027، بما يتماشى مع أهداف أدنوك الإنتاجية.
وقد أكد كبار المسؤولين التنفيذيين لدى شركة ماكديرموت تركيز الشركة على السلامة والجودة والانضباط في التنفيذ، بالاعتماد على التوائم الرقمية والتصنيع المعياري وأنظمة التحكم المتقدمة في المشروعات لإدارة التعقيد والمخاطر.
الآثار الإستراتيجية بالنسبة لأدنوك والإمارات
بالنسبة لشركة أدنوك الإماراتية، يُمثّل مشروع توسعة حقل نصر-115 عنصرًا أساسيًا في برنامجها الاستثماري الرأسمالي للمدة 2026-2030، الذي تبلغ قيمته 150 مليار دولار أميركي.
ويهدف المشروع إلى الحفاظ على القدرة الإنتاجية عند 4 ملايين برميل يوميًا، مع السعي للوصول إلى هدف 5 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2030.
وفي امتياز غشا، تُسرّع أدنوك من وتيرة تطوير الغاز لتحقيق إنتاج يبلغ 1.8 مليار قدم مكعبة قياسية يوميًا، دعمًا للطلب المحلي والنمو الصناعي وتطلعات التصدير.
من الناحية الاقتصادية، يُسهم المشروع في خلق فرص عمل، وتعزيز المشتريات المحلية، وخلق قيمة مضافة داخل الدولة، بما يتماشى مع إستراتيجية التنويع الاقتصادي الأوسع نطاقًا لدولة الإمارات العربية المتحدة، في وقت ما تزال فيه المحروقات تُشكّل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن منظور جيوسياسي، يُعزز توسيع القدرة الإنتاجية البحرية مكانة الإمارات العربية المتحدة بصفتها موردًا موثوقًا في سوق الطاقة العالمي المتقلب، ما يدعم نفوذها داخل منظمة أوبك وخارجها.
الأهم من ذلك، أن أدنوك الإماراتية تُواصل ربط مشروعات مثل حقل نصر-115 برؤية الاستدامة.
وتعكس الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحدّ من الانبعاثات واحتجاز الكربون محاولة أبوظبي لتحقيق التوازن بين التوسع في استعمال الهيدروكربونات والتزامها بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، ما يضع الإمارات العربية المتحدة منتجًا رئيسًا وفاعلًا في مجال الطاقة قادرًا على التكيف التكنولوجي.

التأثير في شركة ماكديرموت
بالنسبة لشركة ماكديرموت، يُعزز عقد نصر-115 وضوح حجم الأعمال المتراكمة واستقرار الإيرادات، مع تعميق علاقتها بأحد أهم عملائها في الشرق الأوسط.
ويُعزز هذا العقد محفظة الشركة الإقليمية، ويُحسّن من استعمال سفنها البحرية وأصولها التصنيعية.
ورغم أن ملكية ماكديرموت الخاصة تُقيّد الإفصاح المالي العلني، فإن الفوز بعقود مماثلة لطالما دعمَ النمو والتعافي التشغيلي بعد إعادة هيكلتها.
ومن الناحية الإستراتيجية، يُعزز هذا المشروع مكانة ماكديرموت مقاولًا موثوقًا به في مجال الهندسة والمشتريات والإنشاء والتركيب للمشروعات البحرية ذات المتطلبات التقنية العالية، ما قد يفتح آفاقًا لمزيد من العمل ضمن خطة استثمارات أدنوك متعددة السنوات.
الإطار الاقتصادي والجيوسياسي الأوسع
تأتي هذه الصفقة في ظل نمو متواصل للطلب العالمي على النفط، من المتوقع أن يصل إلى نحو 104 ملايين برميل يوميًا في عام 2026، حيث يسهم الشرق الأوسط بنحو ثلث الإنتاج الإجمالي.
وتسهم توسعات القدرة الإنتاجية في الإمارات العربية المتحدة في تعويض اضطرابات الإمداد المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية ونقص الاستثمار في مناطق أخرى، مع تعزيز دور الدولة بصفتها قوة استقرار في أسواق النفط العالمية.
وفي الوقت نفسه، تستمر تحولات الطاقة طويلة الأجل في إعادة تشكيل قرارات الاستثمار.
وتُظهر استثمارات أدنوك الموازية في مصادر الطاقة المتجددة وتقنيات الطاقة منخفضة الكربون إستراتيجية تحوطية، وليست تراجعًا عن النفط، ما يعكس حقيقة أن المواد الهيدروكربونية ستظل محورية لأنظمة الطاقة العالمية لعقود مقبلة.
المخاطر وتحديات التنفيذ
على الرغم من نقاط قوّته، يواجه المشروع مخاطر محتملة، تشمل قيود سلسلة التوريد، والتوترات الجيوسياسية الإقليمية، وتقلبات أسعار النفط، وتشديد اللوائح البيئية.
وتنطوي مشروعات التطوير البحرية على مخاطر بيئية كامنة، مثل التسربات النفطية أو اضطرابات العمليات، وتُسهم خبرة ماكديرموت وحوكمة مشروعات أدنوك في الحدّ من هذه المخاطر، إلّا أن التنفيذ المنضبط يبقى عاملًا أساسيًا.
والخلاصة، يمثّل مشروع توسعة حقل نصر-115 أكثر من مجرد عقد ضخم في قطاع النفط والغاز البحري، فهو يعكس قرار دولة الإمارات العربية المتحدة الإستراتيجي بترسيخ نمو القدرة الإنتاجية في مشروعات متطورة تقنيًا ومنخفضة الانبعاثات، مع الاعتماد على شركاء دوليين موثوق بهم لتوفير بنية تحتية معقّدة.
بالنسبة لشركة أدنوك الإماراتية، يدعم المشروع نمو الإنتاج، وأمن الطاقة، وأهميتها الجيوسياسية.
أمّا بالنسبة لشركة ماكديرموت، فهو يمثّل تأكيدًا مهمًا لإستراتيجيتها بعد إعادة الهيكلة، ويعزز دورها في مستقبل قطاع النفط والغاز البحري في الشرق الأوسط.
على نطاق أوسع، تُجسّد هذه الصفقة كيف تتطور علاقات الطاقة بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة من مجرد تبادل تجاري للنفط إلى ترابط صناعي وتكنولوجي أعمق.
وعلى الرغم من أن الخطابات العالمية تُركّز على خفض الانبعاثات الكربونية، يُشير الواقع الملموس إلى استمرار الاستثمار في النفط، مع رفع كفاءة التنفيذ، والتكامل الرقمي، والالتزام بضوابط الانبعاثات.
بهذا المعنى، لا تُمثّل اتفاقية نصر-115 حالةً شاذة، بل نموذجًا لنمط التوسع المُحتمل في إنتاج الهيدروكربونات في الخليج العربي: انتقائي، وغني بالتكنولوجيا، وذي تداعيات جيوسياسية.
الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- حقل نصر البحري.. اكتشاف إماراتي عمره 53 عامًا ويعمل بالذكاء الاصطناعي
- 3 صفقات طاقة ضخمة لم تكتمل في 2025.. استحواذ أدنوك الأبرز
- وكالة الطاقة الدولية تتوقع تسارع نمو الطلب العالمي على الغاز في 2026
اقرأ أيضًا..
- الطلب على النفط في 2026.. رؤى متباينة من 3 مؤسسات كبرى (تقرير)
- ثاني شحنة غاز مسال مصرية في 2026 تتجه إلى تركيا
- إنشاء مصنع لتوربينات الرياح في سلطنة عمان.. صفقة تدعم تحول الطاقة




