دراسة مصرية تكشف فرصًا لخفض الانبعاثات الكربونية في صناعة النفط والغاز
داليا الهمشري

يمثّل خفض الانبعاثات الكربونية أحد أكبر التحديات التي تواجه قطاع الطاقة عالميًا، في ظل تسارع تداعيات التغيرات المناخية وارتفاع مستويات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 152 مليون طن من الملوثات المُسببة للاحتباس الحراري تُطلق يوميًا نتيجة الأنشطة البشرية، ويأتي قطاع النفط والغاز في مقدّمة القطاعات كثيفة الانبعاثات.
وفي هذا السياق، تسلّط دراسة مصرية -أعدّتها استشارية حماية البيئة والتنمية المستدامة الدكتورة رانيا أبو نعمة- الضوء على فرص خفض الانبعاثات الكربونية في صناعة النفط والغاز من خلال دراسة حالة لإدارة المياه المصاحبة للإنتاج من مواقع الإنتاج إلى مراحل النقل والمعالجة، وما يصاحبها من انبعاثات مباشرة وغير مباشرة.
وتشير الدراسة -التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- إلى أن إدارة المياه المصاحبة لإنتاج النفط والغاز تمثّل فرصة حقيقية لخفض الانبعاثات، وتحقيق مكاسب مناخية واقتصادية، في إطار التحول نحو صناعة طاقة أكثر استدامة.
مصادر الانبعاثات الكربونية
أرجعت الدراسة الانبعاثات الرئيسة لغازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري إلى عدّة مصادر، أبرزها:
- حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات؛ ما يرفع تركيزات ثاني أكسيد الكربون.
- تغيير استعمالات الأراضي، الذي يمثّل قرابة ربع الانبعاثات البشرية عالميًا.
- غاز الميثان الناتج عن التخمير المعوي للماشية، وزراعة الأرز، ومدافن النفايات، وأنظمة الصرف الصحي.
- أكسيد النيتروز الناتج عن الأنشطة الزراعية واستعمال الأسمدة.
- الغازات المفلورة المُستعملة في أنظمة التبريد وإطفاء الحرائق.
ولفتت الدراسة إلى أن ثاني أكسيد الكربون يُعدّ المكون الأكبر لغازات الاحتباس الحراري عالميًا، يليه الميثان، ثم أكسيد النيتروز.

وأبرزت الدراسة تعدُّد مصادر الانبعاثات داخل أنشطة النفط والغاز، وتشمل: الشعلة الناتجة عن حرق الغاز المصاحب، والغازات الشاردة من خطوط الأنابيب والصمامات، والمولدات والتوربينات والمداخن، وخزانات المتكثفات والمياه المصاحبة للإنتاج، ووسائل النقل والمعدّات، واستهلاك الكهرباء بالمواقع.
وتبرز المياه المصاحبة للإنتاج (Produced Water) أحد التحديات البيئية الرئيسة؛ نظرًا لكمياتها الضخمة وتأثيراتها المحتملة بالبيئة والصحة العامة.
التأثير البيئي
عرّفت الدراسة "المياه المصاحبة" بكونها السوائل التي تُستخرج مع النفط والغاز من الطبقات الحاملة للهيدروكربونات، وتشمل مياه التكوين، ومياه الحقن، والمواد الكيميائية المستعملة في أثناء عمليات الإنتاج والفصل.
وتشير الإحصاءات إلى أن معدل إنتاج المياه المصاحبة عالميًا يبلغ نحو 250 مليون برميل يوميًا، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 605 ملايين برميل يوميًا، موضحةً أن كل برميل نفط يقابله في المتوسط 100 برميل مياه مصاحبة، وكل 20 مليار برميل من المياه المصاحبة يمكن أن تُطلق نحو 271 ألف طن متري من غاز الميثان.
وحذّرت الدراسة من أن إدخال هذه المياه إلى البيئة دون إدارة فاعلة يمثّل مسارًا إضافيًا للتلوث البيئي، بما يحمله من مخاطر محتملة.
وتشمل إدارة المياه المصاحبة عدّة بدائل، من بينها: المعالجة في الموقع (فيزيائية، وكيميائية، وميكانيكية، أو باستعمال برك التبخير)، والمعالجة خارج الموقع، والحقن في الخزانات الجيولوجية.
وتنتج عن المعالجة مخلّفات صلبة (حمأة) يُتخلَّص منها بالحرق أو الدفن، إلى جانب مياه معالجة يمكن تصريفها في المسطحات المائية أو إعادة استعمالها وفق الضوابط البيئية.
كما يسهم نقل المياه المصاحبة في زيادة البصمة الكربونية للقطاع، ويتأثر معدل الانبعاثات بعدّة عوامل، منها: حالة المركبات وكفاءة المحركات والصيانة الدورية، وحالة الطرق وحركة المرور، وسلوك السائقين، خاصة السرعات الزائدة أو التوقف المتكرر، ونوع الوقود المستعمل ومسافة النقل.
ولفتت الدراسة إلى أن الشاحنات الثقيلة تنتج في المتوسط نحو 0.37 كيلوغرامًا من الانبعاثات الكربونية لكل كيلومتر عند القيادة بسرعة معتدلة (60–80 كيلومتر/ساعة)، وترتفع هذه الانبعاثات إلى نحو 0.51 كيلوغرام لكل كيلومتر عند القيادة بسرعات غير مناسبة أو على طرق غير ممهدة.
دراسة حالة لنقل المياه المصاحبة في مصر
تفترض الدراسة استعمال 50 شاحنة لنقل المياه المصاحبة من محطة غاز رشيد (شمال غرب الإسكندرية) إلى محطة معالجة جمصة، مرورًا بمنطقة بلطيم، لمسافة إجمالية تبلغ 156 كيلومترًا، باستعمال وقود الديزل.
نتائج السيناريوهات:
السيناريو المثالي (الالتزام بالسرعة الآمنة): قُدِّر إجمالي الانبعاثات الكربونية بنحو 2.9 طن للرحلة الواحدة.
سيناريو عدم الالتزام بقواعد السلامة: ارتفعت الانبعاثات الكربونية إلى نحو 4 أطنان للرحلة الواحدة.
ويُظهر ذلك أن سلوك القيادة وحده قد يؤدي إلى زيادة الانبعاثات بأكثر من طن من ثاني أكسيد الكربون في الرحلة الواحدة.
وفي هذا الإطار، تتناول الدراسة سيناريوهين رئيسين لخفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بإدارة المياه المصاحبة للإنتاج، وهما:
1- استبدال خطوط أنابيب بالشاحنات:
يُعدّ إنشاء خطوط أنابيب لنقل المياه المصاحبة بديلًا فاعلًا يقلل بصورة كبيرة من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن احتراق وقود الديزل، ويحدّ من المخاطر المرتبطة بالنقل البري.
2- تحسين كفاءة النقل:
في حال استمرار الاعتماد على الشاحنات، توصي الدراسة بضرورة الالتزام الصارم بالسرعات الآمنة (60–80 كيلومتر/ساعة)، وتطبيق برامج الصيانة الوقائية للمركبات، واستعمال أنظمة مراقبة المركبات (IVMS) لمتابعة السلوك التشغيلي للسائقين.
إعادة الاستعمال
تشير الدراسة إلى إمكان إعادة استعمال المياه المعالجة في مشروعات ريّ الأحزمة الشجرية والمحاصيل غير الغذائية، بما يسهم في: خفض الانبعاثات عبر امتصاص الأشجار لثاني أكسيد الكربون بصفتها "مصارف كربون"، وتقليل الضغط على مصادر المياه العذبة، ومكافحة التصحر، وتحسين جودة الهواء.
وتوصي الدراسة بتوسيع تطبيق تقنيات: استرجاع غاز الشعلة (FGR) لاستعماله في توليد الطاقة بدلًا من حرقه، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، مثل الألواح الشمسية، لتقليل الاعتماد على مولدات الديزل في مواقع الإنتاج.

وتؤكد الدراسة أن خفض الانبعاثات الكربونية في صناعة النفط والغاز لا يقتصر على العمليات الأساسية للإنتاج، بل يمتدّ إلى إدارة المياه المصاحبة والنقل والمعالجة.
كما توصي بتسريع التحول الرقمي لمراقبة الانبعاثات لحظيًا، والاستفادة من شهادات الكربون المرتبطة بمشروعات خفض الانبعاثات، ورفع وعي وتدريب العاملين في القطاع على ممارسات الاستدامة وتقليل البصمة الكربونية.
وتخلص الدراسة إلى أن الإدارة المتكاملة للمياه المصاحبة تُمثّل فرصة حقيقية لخفض الانبعاثات، وتحقيق مكاسب بيئية واقتصادية في آن واحد.
موضوعات متعلقة..
- استثمارات شركات النفط والغاز في الطاقة منخفضة الانبعاثات تهبط 25%
- غشاء مبتكر لفصل النفط الخام يخفض الانبعاثات بنسبة 90%
- استكشاف آبار النفط والغاز عالية التأثير قد يخفض الانبعاثات 6% (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- أغلى دولة بأسعار الوقود في أفريقيا تسجل زيادة 40%
- توربينات غاز مجهزة لاستعمال الهيدروجين في قطر
- واردات مصر من الغاز المسال في 2025 تقفز 220%.. وموريتانيا تظهر بالقائمة
- الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبدأ 2026 بتوقعات قوية





