الحقول المشتركة بين تونس وليبيا.. محطات تاريخية للنزاع (تقرير)
وحدة أبحاث الطاقة - واشنطن

عادت الحقول المشتركة بين تونس وليبيا إلى واجهة النقاش الإقليمي مجددًا، بعدما فجّر الرئيس التونسي قيس سعيد، الجدل في مارس/آذار 2023 بتصريحات حادّة حول ما وصفه بـ"الفتات" الذي تحصل عليه بلاده من ثروات البحر المتوسط، وفي مقدمتها حقل البوري.
ويأتي ذلك بعد عقود من النزاع البحري الذي خضع للتحكيم الدولي في ثمانينيات القرن الماضي، مانحًا ليبيا السيادة الكاملة على الجرف القاري، دون نصيب لتونس.
وفقًا لقاعدة بيانات منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، يمثل حقل البوري (أكبر حقول النفط والغاز البحرية في شمال أفريقيا) قرابة 2% من إنتاج ليبيا اليومي من النفط، إلا أن ملف الحقول المشتركة بين تونس وليبيا لا يقتصر عليه فقط، بل يشمل مناطق استكشاف أخرى، مثل حقل بحر السلام وحقل الجرف وحقل الزارات، بالإضافة إلى منطقة الامتياز المشترك التي أُنشئت بموجب شركة "جوينت أويل" سنة 1988.
وأعادت تصريحات الرئيس التونسي التذكير بمحطات تاريخية بدأت من إعلان الوحدة بين البلدين في 12 يناير/كانون الثاني 1974، ثم انسحاب تونس من اتفاق تقاسم الثروات، مرورًا بإرسال طرابلس منصة حفر أميركية سنة 1977 قرب المنطقة المتنازع عليها، وصولًا إلى حكم محكمة العدل الدولية في 24 فبراير/شباط 1982، الذي منح ليبيا السيادة الكاملة على الجرف.
ووفقًا لتطورات الملف، يشكّل حقل البوري اليوم محورًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا حساسًا؛ إذ تطور من مجرد حقل بحري إلى مشروع إستراتيجي للنفط والغاز مع امتداد عمره الإنتاجي حتى عام 2041، واستعداد ليبيا لإطلاق توسعة غازية جديدة عام 2026.
حقل البوري
يُعَد حقل البوري، الواقع على بُعد 120 كيلومترًا من الساحل الليبي على عمق يصل إلى 2700 متر، أحد أكبر الحقول البحرية في ليبيا.
يقع الحقل ضمن المربع "إن سي 41"؛ إذ اكتُشف عام 1976، وبدأ الإنتاج رسميًا في أغسطس/آب 1988 من منصتي "دي بي 3" و"دي بي 4"، قبل أن تنطلق مرحلة تطوير ثانية شملت 55 بئرًا ومنصة عائمة للتخزين والتفريغ، وفق موسوعة حقول النفط والغاز لدى منصة الطاقة.
وتبلغ احتياطيات الحقل نحو ملياري برميل من النفط، وأكثر من 2.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز المصاحب، كما يدور إنتاجه الحالي حول 23.5 ألف برميل يوميًا، مع تسجيل ذروة إنتاج في عام 1995.
وفي 1974، وقّعت ليبيا اتفاقًا مع "إيني" الإيطالية لتطوير الحقل وفق صيغة تقاسم الإنتاج، وهو ما مهّد لعقود من التوسع، شملت توقيع شراكات مع "سايبم" و"هيونداي" عام 2004 لإضافة وحدات معالجة وتخزين متقدمة تحت سطح البحر.

محطات تاريخية للنزاع
شهد الخلاف على الحقول المشتركة بين تونس وليبيا عدة محطات تاريخية، كما يلي:
- 12 يناير/كانون الثاني 1974: إعلان وحدة سياسية بين تونس وليبيا، مع طرح فكرة تقاسم الثروات البحرية.
- مايو/أيار 1977: ليبيا تستعين بشركة أميركية لبدء الاستخراج قرب الجرف القاري؛ ما فجّر توترًا بحريًا.
- 1978 - 1982: معركة قضائية في محكمة العدل الدولية بلاهاي للفصل في السيادة البحرية.
- 24 فبراير/شباط 1982: صدور حكم المحكمة بمنح ليبيا السيادة الكاملة على الجرف القاري.
- 10 ديسمبر/كانون الأول 1985: تونس تطعن مجددًا في الحكم، ليُرفض نهائيًا.
- 1988: تأسيس شركة "جوينت أويل" لإدارة الامتياز المشترك، دون استغلال فعلي حتى اليوم.
- مارس/آذار 2023: تصريحات الرئيس قيس سعيد تعيد ملف الحقول المشتركة بين تونس وليبيا إلى الواجهة.
الجرف القاري بين تونس وليبيا
لا يقتصر ملف الحقول المشتركة بين تونس وليبيا على حقل البوري؛ إذ تشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن المنطقة البحرية المشتركة تضم حقولًا أخرى، مثل:
- حقل بحر السلام: يقع على بُعد 110 كيلومترات من السواحل الليبية، ويحتوي على إمكانات غازية ضخمة.
- حقل الجرف: منطقة استكشاف نفطي على حدود الامتياز البحري، شهدت محاولات حفر محدودة دون إنتاج تجاري.
- حقل الزارات: حقل غير مطوّر حتى الآن، يُعتقد أنه يحتوي على مزيج من النفط الخفيف والغاز.

وفي سياق متصل، فإن طرابلس عرضت على تونس عام 1974 المشاركة في تطوير الحقول المشتركة بين تونس وليبيا، لكن رفض تقسيم الثروة أدى لاحقًا إلى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
مستقبل الحقول المشتركة بين تونس وليبيا
تسعى طرابلس حاليًا إلى توسيع قدرات إنتاج الغاز في البحر المتوسط، عبر مشروع توسعة في حقل البوري سيُطلَق عام 2026، بطاقة إنتاجية جديدة لدعم السوق المحلية وتصدير الفائض.
في المقابل، ترى تونس أن استغلال المنطقة المشتركة عبر "جوينت أويل" قد يؤمّن نحو 20 ألف برميل يوميًا، لكن تطور ذلك يتطلب استثمارات تُقدَّر بين مليار وملياري دولار.
ومع ارتفاع الطلب على الغاز والكهرباء في البلدين، تتجه الأنظار مجددًا نحو الحقول المشتركة بين تونس وليبيا، في ظل احتمالات تعاون قد يُعيد صياغة مشهد الطاقة في غرب المتوسط خلال العقد المقبل.
موضوعات متعلقة..
- حقول النفط والغاز في ليبيا.. أبرز معلومات الاحتياطيات والإنتاج (ملف خاص)
- حقل نوارة.. قصة أكبر اكتشاف غاز في تونس
- حقل بحر السلام.. عملاق غاز ليبي احتياطياته 55 تريليون قدم مكعبة
نرشّح لكم..
المصادر:
- بيانات حقل البوري للنفط والغاز، من منصة "أوفشور تكنولوجي".
- تجدد الخلاف بشأن الحقول المشتركة بين تونس وليبيا، من منصة الطاقة.





