الحقول المشتركة بين العراق وإيران.. ماذا تعرف عنها؟
وحدة أبحاث الطاقة - تغطية خاصة

تُعدّ الحقول المشتركة بين العراق وإيران واحدة من أبرز مظاهر التداخل الجيولوجي والسياسي في الشرق الأوسط، إذ تمتد مكامن النفط والغاز على جانبي الحدود في مناطق تشهد تنافسًا حذرًا وتعاونًا محدودًا بين البلدين.
ووفقًا لموسوعة حقول النفط لدى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، تبرز من هذه الحقول 4 رئيسة هي: مجنون/آزادكان، وبدرة/آزار، ونفط خانة/نفط شهر، والسندباد/يادافاران، فضلًا عن أبوغراب/دهلران، وحقل الفكة/بيدر غرب، وجنوب أبو غراب/أروند، إذ تمثّل جميعها خزانًا ضخمًا للطاقة غير المستثمرة بالكامل.
ورغم اختلاف النهج السياسي والاقتصادي في إدارة الحقول المشتركة بين العراق وإيران، فإن الواقع الجيولوجي يفرض معادلة مشتركة، فالمكمن واحد، والحدود السياسية لا تغيّر من مسار النفط في أعماق الأرض.
ومن هنا، تتجدد الأسئلة حول كيفية استثمار تلك الثروة بطريقة متوازنة تحافظ على الحقوق وتمنع النزف من طرف على حساب آخر.
ويعمل الجانبان في الوقت الراهن على تطوير عدد من الحقول الحدودية، كلٌّ بأسلوبه وأدواته، في سباق يعكس تباين السياسات النفطية بين بغداد وطهران، وحرص كلٍّ منهما على تعظيم حصّته من المكامن المشتركة.
مجنون وآزادكان
يُعدّ حقل مجنون ونظيره آزادكان من أكبر الحقول المشتركة بين العراق وإيران، إذ تشير التقديرات إلى أن المكمن الجيولوجي الذي يربطهما يضم أكثر من 90 مليار برميل من النفط الخام، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز المصاحب.
في الجانب العراقي، يقع حقل مجنون في محافظة البصرة، ويحتوي على 58 مليار برميل من النفط الخام، و38 تريليون قدم مكعبة من الغاز، بطاقة إنتاجية تتجاوز 260 ألف برميل يوميًا، مع خطط حكومية لرفعها إلى نحو مليون برميل يوميًا من النفط خلال الأعوام المقبلة.
أمّا في إيران، فيقع حقل آزادكان في محافظة خوزستان، ويُقدَّر احتياطيه بأكثر من 33 مليار برميل من الخام عالي الجودة.
ويبلغ إنتاجه حاليًا نحو 215 ألف برميل يوميًا، مع خطة للوصول إلى 750 ألف برميل بحلول عام 2030، وتعمل طهران على تطويره بتمويل داخلي يُقدّر بـ7 مليارات دولار، بعد انسحاب الشركات الأجنبية بسبب العقوبات الأميركية.
ورغم التفاوت في الإمكانات والتقنيات، فإن الحقلين يعبّران عن سباق متوازن، إذ يعتمد العراق الانفتاح على الشركات الدولية، بينما تراهن إيران على التمويل المحلي لتعويض عزلتها التقنية.

بدرة وآزار
يشكّل حقل بدرة في محافظة واسط العراقية ونظيره آزار في محافظة إيلام الإيرانية أحد أبرز أمثلة التعاون غير المعلَن بين البلدين، إذ يتقاسم الحقلان المكمن ذاته ويمتدّان عبر الحدود الشرقية بطول نحو 13 كيلومترًا، ضمن الحقول المشتركة بين العراق وإيران.
بدأ الإنتاج في حقل بدرة عام 2014 بقدرة تراوحت بين 15 و17 ألف برميل يوميًا ضمن عقد مع ائتلاف تقوده "غازبروم" الروسية. وبعد عقد من التشغيل، بلغ الإنتاج نحو 20 ألف برميل يوميًا، مع تشغيل منشآت لاستثمار الغاز المصاحب بتقنية "تيربو إكسباندر"، التي تنتج 600 برميل من المكثفات يوميًا وتمنع حرق الغاز، لتكون أول تجربة بيئية متقدمة في الحقول العراقية.
على الجانب الإيراني، بدأ الإنتاج في حقل آزار عام 2017 بطاقة 30 ألف برميل يوميًا، مع خطة لزيادتها إلى 56 ألف برميل، وفق بيانات موسوعة حقول النفط والغاز لدى منصة الطاقة.

وتُعدّ جيولوجيته معقّدة بسبب تداخل طبقاته، ما جعل التطوير أكثر تحديًا، وفي مارس/آذار 2025 اكتملت المرحلة الأولى من مشروع الغاز المصاحب، إذ أُنشئ خط أنابيب بطول 130 كيلومترًا لضخّ 15 مليون قدم مكعبة يوميًا، تمهيدًا لحفر آبار إضافية وبناء وحدة معالجة بطاقة 71 ألف برميل مكافئ يوميًا.
وتشير هذه التطورات إلى رغبة كل طرف في تعزيز حصته من الإنتاج دون الإضرار بالتوازن المكمني، ما يجعل التنسيق الفني بين البلدين ضرورة لتجنّب تداخل الإنتاج أو فقدان الضغط بالحقول المشتركة بين العراق وإيران.
نفط خانة ونفط شهر
من بين الحقول المشتركة بين العراق وإيران، يتميّز حقل نفط خانة العراقي ونظيره نفط شهر الإيراني بتاريخ طويل يعود إلى بدايات الصناعة النفطية في المنطقة.
يقع حقل نفط خانة في محافظة ديالى، واكتُشِف في عشرينيات القرن الماضي. وتُخطط بغداد لإعادة إحيائه ضمن جولة التراخيص الخامسة، بطاقة أولية تبلغ 9.5 آلاف برميل يوميًا و40 مليون قدم مكعبة من الغاز بحلول أواخر 2026، مع إمكان رفع الإنتاج لاحقًا إلى 50 مليون قدم مكعبة يوميًا عبر منشآت جديدة لاستثمار الغاز الحر والمصاحب.
أمّا حقل نفط شهر، فيقع غرب كرمانشاه الإيرانية، ويُقدَّر احتياطيه بنحو 692 مليون برميل من النفط، وتعمل طهران على تحديث بُنيته التحتية ورفع إنتاجه تدريجيًا، ضمن خطة متكاملة تشمل الحقول المجاورة.

السندباد ويادافاران
يمثّل حقل السندباد ونظيره يادافاران أحد أهم الحقول المشتركة بين العراق وإيران، وأحد أكبر المكامن الحدودية في الجنوب.
ويقع حقل السندباد في قضاء شط العرب بمحافظة البصرة باحتياطي يُقدّر بنحو 2.15 مليار برميل من النفط الخام، بينما يمتلك يادافاران نحو 17 مليار برميل، منها 3 مليارات برميل قابلة للاستخراج.
بدأت بغداد في فبراير/شباط 2025 خطوات عملية لتطوير الحقل عبر اتفاقية مع شركة هاليبرتون الأميركية، في محاولة لاستغلال إمكاناته غير المستثمرة منذ اكتشافه عام 1974.
في المقابل، تُنفّذ إيران حاليًا المرحلتين الثانية والثالثة من خطة تطوير يادافاران، تمتد حتى عام 2029، لرفع إنتاجه إلى 300 ألف برميل يوميًا.
ويتميّز الحقل بتعدُّد طبقاته بين النفط الخفيف والثقيل، ما يجعله من أكثر الحقول تعقيدًا فنيًا في خوزستان.
ويمثّل الحقلان نموذجًا للتشابك بين التعاون والتنافس؛ فبينما يسعى العراق لاستقطاب الشركات العالمية لتعزيز استثماراته الحدودية، تواصل إيران توسيع مشروعاتها بالاعتماد على القدرات الوطنية في ظل استمرار العقوبات.

إدارة الحقول المشتركة بين العراق وإيران
تكشف قراءة مشهد الحقول المشتركة بين العراق وإيران أن المسألة تتجاوز الجغرافيا النفطية إلى عمق السياسة والاقتصاد.
إذ يدرك الطرفان أن سوء التنسيق في استغلال المكامن المشتركة قد يؤدي إلى استنزاف الموارد وتراجع الضغط المكمني، وهو ما يهّدد استدامة الإنتاج في الجانبين.
لكن التحدي الأكبر يبقى في إدارة الحقول المشتركة بين العراق وإيران بآليات مشتركة توازن بين حقول تُدار بانفتاح دولي في العراق، وأخرى تُطوَّر بجهود داخلية في إيران.
فكل بئر تُحفَر على أحد الجانبين تترك أثرها في الجانب الآخر، وكل زيادة في الإنتاج تعني بالضرورة ضغطًا على الطرف المقابل.
وتبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى اتفاق فني شامل حول الحقول المشتركة بين العراق وإيران يحدد نسب الإنتاج وآليات المراقبة المشتركة، بما يضمن استدامة هذه الثروة التي تتجاوز قيمتها النفطية إلى بعدها الإستراتيجي في رسم ملامح الطاقة الإقليمية لعقود مقبلة.
موضوعات متعلقة..
- حقل آزادكان النفطي الإيراني.. قصة 33 مليار برميل تقاوم "العقوبات"
- حقل مجنون النفطي في العراق.. قصة اكتشاف وتطوير 38 مليار برميل
- حقول النفط والغاز في إيران.. أهم بيانات الاحتياطيات والإنتاج (ملف خاص)
نرشّح لكم..
المصادر:
- تقرير عن حجم احتياطيات حقل آزادكان، من "غلوبال إنرجي مونيتور"
- تقرير عن حجم احتياطيات حقل يادافاران، من "غلوبال إنرجي مونيتور"





