تحول الطاقة في ألمانيا.. طموحات مناخية تصطدم بالقدرة الشرائية للمستهلكين
نوار صبح

يفرض مسار تحول الطاقة في ألمانيا تكاليف باهظة تفوق قدرة المواطنين الشرائية، إلى جانب معضلة موثوقية الكهرباء المولّدة من المصادر المتجددة، الناتجة عن الطبيعة المتقطعة لتلك التقنيات النظيفة.
وتظهِر نتائج دراسة حديثة، أعدّتها مؤسسة بروغنوس (Prognos)، أن ألمانيا ستحتاج إلى ما يتراوح بين 5.7 و6.4 تريليون يورو (6.38 و7.17 تريليون دولار) خلال المدة بين عامَي 2025 و2045 لإعادة هيكلة قطاعي الطاقة والاقتصاد المحليين؛ أي ما يتراوح بين نحو 270 و300 مليار يورو (بين 302 و335 مليار دولار أميركي) سنويًا.
*(اليورو = 1.12 دولارًا اميركيًا).
وبحسب تقرير اطَّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، تغطّي هذه التكاليف عملية التحول في قطاعات النقل والتدفئة وإمدادات الكهرباء نحو مزيج يعتمد كليًا على الطاقة المتجددة.
ويُخصَّص جزء كبير من هذه المبالغ لبناء وتشغيل شبكات نقل الكهرباء الممتدة لمسافات طويلة، بهدف نقل طاقة الرياح من الشمال إلى الجنوب، والطاقة الشمسية من الجنوب إلى الشمال.
الاستثمار في الشبكات
نظرًا لكون طاقة الشمس والرياح تتوفر بكامل قدرتها في أوقات محدودة من العام (نحو 30% للرياح، و10% للشمس)؛ فإن الاستثمار المكثف في شبكات غير مستغلَّة بصورة كاملة لا يُعدّ خيارًا اقتصاديًا مجديًا، وفقًا لتقرير نشرته مدوّنة "نو تريك زون".
في المقابل، فإن استثمار ما بين 600 و700 مليار يورو (بين 674 و784 مليار دولار أميركي في شبكات الجهد العالي، بالإضافة إلى ما بين 200 و300 مليار يورو (بين 224 و335 مليار دولار أميركي) أخرى لشبكات الجهد المنخفض في المناطق الحضرية، سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشبكات بشكل كبير.
وستصل قيمة الفوائد السنوية وأقساط سداد أصل القروض المخصَّصة لهذا التحول في الشبكات -أي التحول من محطات توليد الكهرباء المركزية إلى أنظمة طاقة الرياح والطاقة الشمسية اللامركزية- إلى 40 مليار يورو (45 مليار دولار أميركي).
وسيسهم هذا برفع رسوم استعمال الشبكة من مستوياتها الحالية لتصل إلى 13.5 سنتًا/كيلوواط/ساعة للقطاع الصناعي، و27 سنتًا/كيلوواط/ساعة للأسر، وفق نتائج دراسة أعدّها معهد اقتصادات الطاقة "إي دبليو آي (EWI) لعام 2024.
ولا يقتصر الأمر على كون تلك التكاليف باهظة تفوق قدرة المواطنين على تحمُّلها، بل إنها تشكِّل تهديدًا وجوديًا للصناعة الألمانية.
دعم الموازنة الفيدرالية
حتى الآن، ما يزال بعض القطاعات الصناعية قادرًا على الاستمرار داخل البلاد بفضل دعم الموازنة الفيدرالية لرسوم استعمال الشبكة، إذ تخفض من 6.5 سنتًا/كيلوواط/ساعة إلى 2.86 سنتًا /كيلوواط/ساعة.
وتخصِّص الحكومة الفيدرالية 6.5 مليار يورو (7.29 مليار دولار أميركي) لهذا الغرض في عام 2026، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
ونظرًا لضغوط الموازنة؛ خفَض وزير المالية الألماني، لارس كلينغبيل، قيمة الدعم المخصص لعام 2027 بمقدار مليار يورو (1.11 مليار دولار أميركي)، ما سيؤدي إلى ارتفاع رسوم الشبكة المترتبة على القطاع الصناعي بنسبة 24% لتصل إلى 3.54 سنتًا/كيلوواط/ساعة في العام المقبل.
ومن الواضح أن الموازنة الفيدرالية لن تكون قادرة على تحمُّل تكاليف الشبكة الباهظة التي قد تخنق القطاع الصناعي في المستقبل.

تكاليف شبكة الكهرباء
يلوح في الأفق ضغط إضافي من الاتحاد الأوروبي، الذي يعكف حاليًا على مراجعة "لائحة سوق الكهرباء الداخلية"، وفق متابعات منصة الطاقة المتخصصة.
وينتقد معظم دول الاتحاد الأوروبي تكاليف شبكة الكهرباء الباهظة في ألمانيا، الناجمة عن قرار التخلي عن الطاقة النووية والاعتماد الكلي على طاقة الشمس والرياح، وما يتبع ذلك من تقديم دعم مالي حكومي للقطاع الصناعي.
وتكاد ألمانيا تكون الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمنح إعفاءات من رسوم الشبكة، ومن المتوقع أن يسعى أعضاء آخرون في الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على هذا النهج الألماني المنفرد خلال عملية المراجعة المرتقبة.
وقد تجبر تلك العقوبات المحتملة القطاع الصناعي على تحمُّل كامل رسوم الشبكة؛ ما يعني نهاية العديد من الشركات.

تداعيات التحول الأخضر
يظل السؤال الذي يراود خيال المحللين هو: إلى أيّ مدى كانت ألمانيا ستصبح أفضل حالًا لو لم تخض غمار التحول الأخضر؟
فلو ظلّت البلاد تمتلك 17 محطة نووية موزعة بين الشمال والجنوب وجاهزة للعمل في الأوقات التي تغيب فيها موارد الشمس أو الرياح، لما كانت هناك حاجة لإعادة هيكلة شبكة الكهرباء.
ويرى المحللون أنه حتى لو أُعيد تشغيل جميع المحطات النووية في مواقعها الحالية، فلن تتجاوز التكلفة في أسوأ السيناريوهات 80 مليار يورو (89 مليار دولار أميركي).
ويعادل هذا المبلغ فقط تكاليف الشبكة المرتبطة بتحول الطاقة في ألمانيا لمدة عامين -وهي تكاليف ستثقل كاهل الأجيال المقبلة-.
وفي الوقت نفسه، فإن إعادة تشغيل تلك المحطات كانت ستوفر كهرباء رخيصة لمدة تتراوح بين 60 و80 عامًا، بتكلفة إنتاج تبلغ نحو 5 سنتات/ كيلوواط/ساعة، فضلًا عن توفير ما بين 600 و700 مليار يورو (بين 674 و784 مليار دولار أميركي) كانت ستُنفَق على شبكة الجهد العالي.
موضوعات متعلقة..
- تحول الطاقة في ألمانيا يتلقّى ضربة موجعة.. عقارب الساعة تعود إلى الوراء
- تحول الطاقة في ألمانيا يتلقّى ضربة موجعة.. عقارب الساعة تعود إلى الوراء
- تحول الطاقة في ألمانيا أمام مفترق طرق.. و3 محاور لتسريع المسار
اقرأ أيضًا..
- ملف قطاع الطاقة في العراق
- أكبر مستوردي الأمونيا الصينية في 2026.. دولتان عربيتان بالقائمة
- وحدة أبحاث الطاقة تكشف مستجدات أسواق الغاز المسال (ملف خاص)
المصدر:
1.تحول الطاقة في ألمانيا - مدوّنة "نو تريك زون"





