
يواجه قطاع مصافي النفط العالمية تحولات جذرية، مع تراجع القدرة التكريرية المحلية في الولايات المتحدة الأميركية، مقابل تزايد توجُّه دول أخرى في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا نحو بناء منشآت التكرير الخاصة بها وتوسيعها.
وتُعدّ مصافي التكرير العالمية مصدرًا رئيسًا لتزويد قطاعات الكهرباء والشحن والتصنيع بالوقود، ولذلك قد يؤدي تعطُّلها أو خفض إنتاجها إلى اضطرابات اقتصادية كبيرة.
وعندما أغلقت إيران مضيق هرمز في نهاية فبراير/شباط (2026)، استحضر العالم درسًا ينساه باستمرار: النفط الخام، بحد ذاته، لا يحرّك شيئًا، بحسب تقرير اطَّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
وكانت آسيا أول من شعر بالصدمة؛ فمع تقلُّص إمدادات النفط الخام خفّضت المصافي الآسيوية معدلات الإنتاج، وقيّد بعضها صادرات وقود النقل لحماية أسواقها المحلية.
ناقلات النفط عبر "هرمز"
حتى بعد وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان (2026)، ظلّت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وفقًا لتقرير نشرته منصة "أميركا آوت لاود نيوز".
وبعد مرور 7 أشهر، بدأت صادرات النفط الخام من منطقة الخليج العربي التعافي، رغم أن العديد من الشحنات أصبحت تسلك الآن طرقًا أطول وأكثر تكلفة.
أما بالنسبة إلى الديزل فالوضع مختلف، ففي أغسطس/آب (2026)، لم تتجاوز صادرات الخليج من الديزل رُبْع مستويات ما قبل الحرب، بسبب توقف المصافي التي تضرّرت جراء الحرب.
وفي روسيا، أجبرت هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية نصف أكبر 6 مصافٍ للديزل في البلاد على خفض إنتاجها أو وقفه تمامًا، وفرضت موسكو حظرًا على صادرات الديزل.
وفي فبراير/شباط (2026)، كانت منطقة الخليج وروسيا معًا توفّران قرابة نصف إمدادات الديزل المنقولة بحرًا عالميًا.

التعويض السريع؟
لا يمكن تعويض وحدات تكرير الديزل المتضررة بسرعة؛ إذ قد يستغرق تعويض قدرة إنتاج الديزل المفقودة جراء الحرب وإغلاق المصافي سنوات طويلة.
وامتدت هذه التداعيات لتصل إلى كاليفورنيا الأميركية؛ إذ أمضت الولاية سنوات في فرض قيود جعلت عمليات التكرير أكثر صعوبة.
وأُغلقت مصفاتان مؤخرًا، ومن المتوقع أن تحذو المزيد من المصافي الـ7 المتبقية حذوهما، فيما يجري سَد الفجوة الناجمة عن ذلك عبر الواردات، التي يأتي جزء كبير منها من آسيا، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
ولم تؤدِّ سياسات كاليفورنيا إلى خفض الطلب على المنتجات النفطية المكررة داخل الولاية، بل اكتفت بنقل مصدر هذه المنتجات إلى الجانب الآخر من المحيط الهادئ، لتصبح بذلك عرضة للأزمات التي تندلع في ذلك الجزء من العالم.
مصافٍ خاصة
تسعى دول في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط لامتلاك مصافٍ خاصة بها، فارتفاع الدخل يعني زيادة الطلب على وقود النقل، كما أن أزمة مضيق هرمز أوضحت لكل دولة مستوردة حجم التكلفة المترتبة على الاعتماد على مصافٍ تابعة لجهات خارجية.
وتشير قواعد بيانات القطاع المتاحة لدى منصة الطاقة المتخصصة إلى وجود نحو 180 مشروعًا جديدًا للمصافي أُعلنت أو خُطِّطت لها عالميًا خلال العقد الحالي، منها نحو 70 مشروعًا في أفريقيا.
وتتوقع منظمة "أوبك" إضافة نحو 5.8 مليون برميل يوميًا إلى القدرة التكريرية بحلول عام 2030، يتركز أكثر من 90% منها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا والشرق الأوسط.

إعلان مشروع لا يعني تنفيذه
يدرك المهندسون أن إعلان مشروع ما ليس سوى البداية؛ إذ يجب أن يمر أي مشروع مصفاة بمراحل التخطيط، والتقييم البيئي، واستخراج التراخيص، والتمويل، والهندسة الأولية، والإنشاء، وصولًا إلى التشغيل الفعلي.
وشهد قطاع تغويز الفحم في الصين فترة ازدهار قبل عقد من الزمن، حين أُعلنت عشرات المشروعات في هذا المجال؛ لكن بعد مرور سنوات، لم يتبقَ منها سوى 4 مشروعات قيد التشغيل.
وبالنظر إلى أن تقنيات التكرير راسخة ومجرَّبة، فإن معدل التخلي عن المشروعات سيكون أقل بكثير، ورغم ذلك، ينبغي النظر إلى ما يجري بناؤه فعليًا، وليس إلى ما يُعلَن.
في المقابل، فإن نحو نصف الزيادة المتوقعة في القدرة التكريرية قد دخلت حاليًا حيز التشغيل أو ما تزال قيد الإنشاء، وهو ما يمثّل ملايين البراميل يوميًا.
ويُعزى ذلك إلى أن الطلب على المنتجات النفطية حقيقي ومتنامٍ في جميع أنحاء العالم.
تراخيص البناء
تُمنح تراخيص تقنيات المعالجة الرئيسة -التكسير الهيدروجيني، والتكسير التحفيزي، والإصلاح- لعدد محدود من الشركات.
وربما يستطيع ما بين 20 و30 شركة من شركات الهندسة والمشتريات والإنشاءات (EPC) حول العالم إنشاء مصفاة نفط كبيرة من الصفر.
أما المفاعلات ذات الجدران السميكة والضواغط الكبيرة فتأتي من عدد محدود من المصنّعين، مع فترات تسليم طويلة.
ويُطلب، حاليًا، من المقاولين ومصنّعي الضواغط وفرق التشغيل إصلاح مصافي النفط المتضررة من الحرب في الخليج، ما يُدخلها في منافسة مباشرة مع المشروعات الجديدة في الدول النامية.
وفي الوقت نفسه، تحتاج المصفاة إلى مشغلين مدرَّبين، وفرق صيانة، ونظام رقابي قادر على الإشراف عليها بأمان؛ إذ لا يمكن استقدام الكفاءات التقنية اللازمة للمصافي بين عشية وضحاها.
ويُشار إلى أنه من الممكن إغلاق مصفاة نفط في غضون أشهر، في حين يستغرق بناؤها من 5 إلى 7 سنوات أو أكثر.
تكلفة مصفاة النفط الكبيرة

تبلغ تكلفة مصفاة النفط الكبيرة مليارات الدولارات، ولامست تكلفة مصفاة دانغوتي في نيجيريا، على سبيل المثال، نحو 20 مليار دولار؛ بقدرة إنتاجية تصل إلى 650 ألف برميل يوميًا.
وفي وقت تحتاج فيه الدول النامية إلى هذا التمويل، تراجعت جهات الإقراض متعددة الأطراف والعديد من البنوك الغربية عن تمويل مشروعات الوقود الأحفوري بحجة سياسات المناخ.
في المقابل، يحصل المقاولون الصينيون على تمويل مدعوم من الدولة وفريق بناء متكامل.
أنواع الوقود المستورد
يجب أن تستوفي أنواع الوقود المستوردة مواصفات المنتجات المعمول بها في الولايات المتحدة؛ وتخضع السفن لقيود دولية بشأن نسبة الكبريت في الوقود، مع تطبيق قوانين أكثر صرامة بالقرب من سواحل أميركا الشمالية.
وتُحدد معايير الانبعاثات والسلامة في المصفاة ذاتها وفقًا للموقع الذي توجد فيه؛ وهي غالبًا ما تكون أقل صرامة بكثير مما هي عليه في كاليفورنيا.
ويخضع إغلاق مصفاة في كاليفورنيا واستيراد المنتجات من مصفاة أخرى ذات معايير أضعف للوائح صارمة.
ولا يؤدي شحن هذه المنتجات لمسافات تصل لآلاف الأميال إلى تنقية الهواء، بل يعني تصدير الانبعاثات إلى الخارج، ويُضاف إليها التلوث الناتج عن عملية النقل.
أسعار الوقود في آسيا
بالنسبة إلى آسيا، لا تُعدّ الحرب في منطقة الخليج حدثًا بعيدًا؛ إذ تظهر تداعياتها في أسعار الوقود في طوكيو وسول ومومباي ومانيلا، وفي أسعار كل منتَج يعتمد على النفط المكرر.
وعندما أُغلِق مضيق هرمز، بدأت المصافي الآسيوية تواجه نقصًا في الإمدادات، وينتقل هذا النقص بدوره ليصل إلى كاليفورنيا.
وما يحتاج إليه العالم ليس جولة أخرى من التصعيد، بل استعادة حرية الملاحة واستقرارها.
لذا، ينبغي على أميركا أن تدرك أن نحو 95% من سكان العالم -البالغ عددهم 8 مليارات نسمة- يعيشون خارج حدودها، وبإمكانها إنهاء السياسات التي تدفع مصافيها المحلية نحو الإغلاق، والمساعدة بدلًا من ذلك على دعم الدول النامية لبناء مصافٍ أكثر كفاءة، من خلال توفير التقنيات والتدريب والتمويل اللازم.
موضوعات متعلقة..
- مصافي النفط الهندية ستكون أصغر في المستقبل.. هل تتضرر أرامكو وأدنوك؟
- ثاني أكبر مصافي النفط في إيران تخطط لريادة إنتاج البروبيلين خلال 3 سنوات
- مصافي النفط العالمية.. 3 منشآت عربية في قائمة الـ8 الكبار (فيديو وصور)
اقرأ أيضًا..
- لماذا تحتاج السعودية إلى الطاقة النووية رغم توافر النفط والغاز؟ أنس الحجي يجيب
- حقول النفط والغاز في سوريا تحت أعين 3 شركات كويتية
- أمين عام أوبك: مصطلح الوقود الأحفوري إهانة.. وهذه 3 أسباب
المصدر..
أميركا تغلق مصافي النفط في حين يسارع بقية العالم لبنائها، من منصة "أميركا آوت لاود نيوز"





