التقاريرتقارير الطاقة المتجددةرئيسيةطاقة متجددة

88% من الكهرباء في النرويج مولدة بالطاقة الكهرومائية (تحليل)

نوار صبح

يعتمد توليد الكهرباء في النرويج بنسبة 88% على الطاقة الكهرومائية، ما جعل البلاد تحتل مكانة متميزة في مشهد الطاقة الأوروبي، على مدى عقود.

وبفضل مواردها الوفيرة من الطاقة الكهرومائية، واقتصادها المعتمد بصورة مكثفة على الكهرباء، وتقاليدها الراسخة في الملكية العامة، طورت النرويج واحدًا من أنظف أنظمة الكهرباء في العالم، بحسب مقال اطلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن).

وجعلت خزاناتها المائية الضخمة منها شريكًا أساسيًا للاقتصادات الأوروبية المجاورة، التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على الطاقة المتجددة.

ويتساءل محللون عن ماذا يحدث عندما تبدأ البنية التحتية المصممة لربط أسواق الكهرباء الأوروبية في توليد توترات سياسية داخل الدول ذاتها التي توفر هذه الكهرباء.

مفارقة وفرة الكهرباء في النرويج

تولد النرويج نحو 88% من احتياجاتها من الكهرباء عبر الطاقة الكهرومائية، في حين تمتلك السلطات العامة قرابة 80% من القدرة الإنتاجية للكهرباء في البلاد، بحسب مقال للأستاذ المساعد في الجغرافيا السياسية للطاقة بجامعة أوسلو الدكتور فرانشيسكو ساسي، نشره عبر مدونة "إنرجي جيوبوليتكس آند ستيتكرافت".

ويعكس هذا الترتيب المؤسسي تسوية سياسية استمرت قرنًا من الزمان، ارتبطت فيها السيطرة على الموارد الطبيعية ارتباطًا وثيقًا بالسيادة الوطنية، والتنمية الاقتصادية، والرفاه الاجتماعي.

لطالما كانت الكهرباء ذات التكلفة الميسورة ركيزة أساسية للصناعات النرويجية كثيفة استهلاك الطاقة، وعنصرًا مهمًا في العلاقة بين المواطنين والدولة.

رغم ذلك، لم تعد النرويج تمتلك نظامًا كهربائيًا منعزلًا، فمن خلال تطوير كابلات الكهرباء الدولية ازدادت سوق الكهرباء في النرويج اندماجًا مع أسواق الدول الأوروبية المجاورة.

الأستاذ المساعد في الجغرافيا السياسية للطاقة بجامعة أوسلو الدكتور فرانشيسكو ساسي
فرانشيسكو ساسي – الصورة من الموقع الرسمي لجامعة أوسلو

وفي عام 2025 وحده، بلغ حجم صادرات النرويج من الكهرباء نحو 34 تيراواط/ساعة، بحسب فرانشيسكو ساسي.

ويوفر هذا الاندماج مزايا اقتصادية كبيرة، إذ تُحسّن التبادلات العابرة للحدود تخصيص الموارد، وتزيد من مرونة السوق، وتتيح للدول تبادل الكهرباء فيما بينها عندما تتقلب معدلات الإنتاج المحلي.

في المقابل، فإن تكامل الأسواق يؤدي إلى انتقال الصدمات الاقتصادية الخارجية، وقد كشفت أزمة الطاقة الأوروبية، التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 عن نقاط الضعف هذه.

وقد أدت القفزة في أسعار الغاز الطبيعي والتقلبات الحادة في أسعار الكهرباء في جميع أنحاء أوروبا إلى تداعيات سياسية ملموسة داخل النرويج.

ولم تكن هذه التداعيات متساوية من الناحية الجغرافية، ففي عام 2025 بلغ متوسط أسعار الكهرباء في المناطق الأكثر ارتباطًا بالشبكات الدولية -أي في جنوب النرويج- أكثر من 4 أضعاف مثيلاتها في بعض مناطق الشمال.

وبالنسبة للعديد من الأسر والقطاعات الصناعية في النرويج أصبحت الكهرباء أكثر تكلفة بكثير وأقل قابلية للتنبؤ بأسعارها، ما زعزع التوقعات التي ترسخت على مدى عقود بفضل وفرة الطاقة الكهرومائية المحلية.

الكهرباء بصفتها "قوة بنيوية"

تشير القوة البنيوية إلى قدرة الدولة على تنظيم المجتمع واختراقه وإدارته من خلال مؤسساتها وشبكاتها.

وتُعد الكهرباء مثالًا واضحًا في هذا الإطار، نظرًا لأن بنيتها التحتية ذات طبيعة مادية واجتماعية في آنٍ واحد، حسب ما يرى الأستاذ المساعد في الجغرافيا السياسية للطاقة بجامعة أوسلو الدكتور فرانشيسكو ساسي.

فمحطات توليد الكهرباء، وشبكات النقل، والكابلات الدولية تشكل البنية التحتية المادية، في حين أن توفر الكهرباء بأسعار مناسبة، وخدمات الطاقة الموثوقة، والقدرة التنافسية الصناعية، وتوقعات المواطنين، تشكل جميعها جزءًا من الأسس الاجتماعية التي تستمد الدولة من خلالها شرعيتها.

ويجمع "ساسي" هذا المنظور مع مفهوم الترابط المُدار ومدرسة العلاقات الدولية الإنجليزية لدراسة طريقة ربط البنية التحتية للكهرباء المؤسسات السياسية المحلية بالعلاقات الاقتصادية الدولية.

ويُعطي التكامل الأوروبي في مجال الكهرباء الأولوية للأسواق الفعّالة، والربط البيني، وخفض الانبعاثات الكربونية.

وتُركز السياسة الداخلية النرويجية بصورة متزايدة على السيطرة الوطنية على الموارد، والأسعار المعقولة، وحماية المستهلكين المحليين.

بدورها، تُساعد التوترات الناتجة في تفسير سبب تحول التكامل في مجال الكهرباء إلى قضية سياسية مثيرة للجدل حتى عندما يظل مُفيدًا اقتصاديًا.

ولعلّ أهم النتائج تتعلق بآثار المواقف السياسية الناتجة عن الترابط في مجال الكهرباء.

خطوط نقل الكهرباء في النرويج
خطوط نقل الكهرباء في النرويج – الصورة من رويترز

ويصف الدكتور فرانشيسكو ساسي، هذه العملية من خلال مفهوم استجابة الدولة البيروقراطية، أي طريقة تفاعل الحكومات والمؤسسات العامة مع الضغوطات التي تواجهها الأسر والشركات والأحزاب السياسية والنقابات العمالية وغيرها من الجهات الفاعلة الاجتماعية.

في النرويج، تحوّل استياء الرأي العام من أسعار الكهرباء تدريجيًا من مسألة سوقية إلى جدل سياسي كبير.

وبرزت التداعيات بصورة خاصة في يناير/كانون الثاني 2025، عندما أسهمت الخلافات حول سياسات الطاقة الأوروبية في انهيار الائتلاف الحاكم في النرويج.

وأعلنت الحكومة النرويجية لاحقًا فرض قيود على المزيد من التكامل في قطاع الكهرباء، بما في ذلك معارضة تجديد خطوط الربط الكهربائي القديمة مع الدنمارك وتأجيل التخطيط لإنشاء وصلات بحرية جديدة حتى عام 2029.

وطرحت الحكومة برنامج نورجبريس (Norgepris)، الذي يحدد سعر الكهرباء للمنازل عند 0.40 كرونة نرويجية (0.042 دولارًا أميركيًا) لكل كيلوواط/ساعة.

وتُظهر هذه التدابير تحولًا لافتًا، فبدلًا من ترك مستقبل سياسة الكهرباء رهنًا لمزيد من التكامل في السوق، دفعت الضغوط السياسية الداخلية الدولة النرويجية إلى استعادة سيطرتها على البنية التحتية التي تربطها بأوروبا.

الحدود السياسية لتحول الطاقة في أوروبا

يفرض هذا التطور معضلةً مهمةً أمام صنّاع السياسات في أوروبا، فمن وجهة نظر الاتحاد الأوروبي يُعد توسيع شبكات الربط الكهربائي أمرًا جوهريًا لدمج الطاقة المتجددة، وتعزيز أمن الإمدادات، وخفض التكاليف.

وفي المقابل، تواجه النرويج ضغوطًا داخلية متزايدة لحماية مواردها الوطنية وحماية المستهلكين من تقلبات الأسعار في السوق الأوروبية.

ولا يمكن استبعاد أي من وجهتي النظر هاتين بسهولة.

وتتمثل الخلاصة الأوسع في أن الاعتماد المتبادل في قطاع الكهرباء لا يمكن استدامته من خلال الاستثمار في البنية التحتية وتنظيم السوق، بل يتطلب شرعية سياسية داخلية ومؤسسات قادرة على الموازنة بين الأولويات الاقتصادية والاجتماعية المتعارضة.

وقد تستبق تجربة النرويج توتراتٍ في أماكن أخرى من أوروبا، في ظل تسارع وتيرة الكهربة، وتزايد ترابط أنظمة الكهرباء، ومواجهة الحكومات لمطالب متنامية بحماية الأسر والصناعات الوطنية.

وسيتطلب الانتقال نحو كهرباء منخفضة الكربون مزيدًا من التعاون الدولي، ويتطلب فهمًا أعمق للظروف السياسية والمؤسسية التي تضمن استدامة هذا التعاون، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.

ولا يكمن التحدي الجوهري في طريقة ربط أسواق الكهرباء، بل في طريقة إدارة التبعات السياسية المترتبة على هذا الربط.

وحسب ما تُظهر تجربة النرويج، فإن مستقبل أمن الطاقة الأوروبي قد يعتمد -بقدر اعتماده على الكابلات التي تربط الدول ببعضها- على طبيعة العلاقة بين الدول ومواطنيها.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق