مصافي النفط في الدول العربيةالتقاريررئيسيةسلايدر الرئيسيةملفات خاصة

قصة أول مصفاة نفط في المغرب.. من الاكتفاء الذاتي إلى الإغلاق

الطاقة - خاص

على مسافة صغيرة من الساحل الأطلسي، تقف أول مصفاة نفط في المغرب كانت يومًا رمزًا للاكتفاء الطاقي الوطني، قبل أن تتحول إلى ملف اقتصادي وقضائي معقّد.

في صباح رمادي على شاطئ المحمدية، يقف أحد العمال القدامى أمام بوابة حديدية ضخمة يتآكلها الصدأ، يُحدّق في اللافتة التي كُتب عليها بخطٍّ باهت: الشركة المغربية لصناعة التكرير.

إنها مصفاة سامير، المشروع الذي وُلد من طموح الدولة الحديثة بعد الاستقلال، وانهار تحت ثقل الخصخصة والديون والتقاضي الدولي، تاركًا وراءه سؤالًا كبيرًا عن مصير صناعة التكرير في المملكة.

خلف السور تمتد أبراج معدنية صامتة، وخزّانات كانت يومًا تضجّ بالحياة، يقول الرجل بنبرة أقرب إلى الحنين: "كنا ننتج وقود البلد كله تقريبًا، اليوم كل شيء يُستورد من الخارج".

تلك الجملة تلخّص حال مصفاة سامير -مصفاة النفط الوحيدة في المغرب- التي تحولت من رمز للسيادة الطاقية إلى ملف معقّد من النزاعات القضائية.

مصفاة سامير

وُلدت فكرة بناء مصفاة سامير في أواخر الخمسينيات، في سياق سياسي يبحث فيه البلد الفتيّ عن أدوات استقلاله الاقتصادي.

كانت المصفاة تمثل حينها حلمًا إستراتيجيًا، وهو تحويل المغرب من مستورد كامل للمشتقات النفطية إلى دولة قادرة على تأمين احتياجاتها.

في عام 1959 تأسّست شركة سامير بمبادرة من الدولة المغربية وبمشاركة رأسمال أجنبي، إذ مُثّل فيها مكتب الدراسات والممتلكات الصناعية والمكتب الإيطالي للهيدروكربونات بشراكة مع شركة النفط الإيطالية "إيني".

وعام 1961 بدأ تشغيل أول وحدة لتصفية النفط الخام بطاقة إنتاجية تجاوزت 1.25 مليون طن سنويًا (25 ألف برميل يوميًا)، لتصبح أول مصفاة نفط في المغرب، بحسب بيانات قطاع النفط المغربي لدى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن).

مصفاة سامير أول مصفاة نفط في المغرب
مصفاة سامير المعربية - أرشيفية

توسّعت المصفاة خلال العقود اللاحقة عدة مرات، لتصل طاقتها التكريرية إلى نحو 10 ملايين طن سنويًا (نحو 195 ألف برميل يوميًا) قبل توقفها، ما يعادل نحو 64% من الاستهلاك المحلي، بالإضافة إلى طاقة تخزين تصل سعتها إلى مليوني متر مكعب.

وقبل توقفها، كانت المصفاة تنتج 5 منتجات نفطية أساسية، وهي البنزين والغازوال (الديزل) وزيت الوقود والكيروسين والبيتومين.

والمحمدية -جنوب العاصمة الرباط- التي كانت مدينة ساحلية هادئة، كما تغيّر اسمها من "الفضالة"، تحوّلت بفضل المصفاة إلى مركز صناعي، نمت حولها شبكة من العمال والفنيين والموردين، وشهدت المدينة والميناء النفطي الواقع بها طفرة اقتصادية واضحة.

الخصخصة.. لحظة التحوّل

في عام 1973 قرّر المغرب شراء حصص الإيطاليين في شركة "سامير"، وفي عام 1996 أُدرجت الشركة في بورصة الدار البيضاء.

ومع موجة تحرير الأسواق التي اجتاحت العالم في تسعينيات القرن الماضي، اتجه المغرب نحو خصخصة عدد من مؤسساته العامة، إذ كانت سامير ضمن القائمة، لتُفتح أمام الاستثمارات الأجنبية عام 1997.

في عام 1999، استحوذت شركة "كورال بتروليوم هولدينغ" السويدية (Corral Petroleum Holdings) التابعة لرجل الأعمال السعودي الإثيوبي محمد العمودي، على حصة الأغلبية في المصفاة (67.27%).

وفي عام 2004، وقّعت الحكومة المغربية اتفاقية مع المستثمر لتحديث مصفاة سامير وتطويرها، إذ تعهّدت الشركة السعودية باستثمار 300 مليون دولار لهذا الغرض، لكن الاتفاقية لم تُفعّل.

كان يُنتظر من الصفقة أن تُحدث نقلة نوعية في التقنيات والإدارة، وأن تُخفّف الأعباء المالية عن الدولة، لكنّ السنوات التالية كشفت عن وجه آخر للخصخصة، إذ راكمت مصفاة سامير ديونًا ضخمة تجاوزت 40 مليار درهم (4.3 مليار دولار) لصالح الجمارك وبنوك محلية، نتيجة مزيج من سوء الإدارة وتذبذب أسعار النفط عالميًا.

وبحسب تقرير برلماني صدر لاحقًا، فإن الشركة كانت تشتري الخام بأسعار مرتفعة، وتبيع المشتقات محليًا بهوامش ربح ضئيلة، ما خلق عجزًا هيكليًا مستمرًا.

(الدرهم المغربي = 0.11 دولارًا أميركيًا)

الأزمة.. حين توقف قلب التكرير

في صيف عام 2015، تلقّى عمال مصفاة سامير (أول مصفاة نفط في المغرب) خبرًا أشبه بالزلزال: توقف مفاجئ للإنتاج بسبب أزمة مالية خانقة.

وتوقفت وحدات التقطير، وأُطفئت الأفران، وعمّ الصمت في المنشأة التي كانت تضخ مئات آلاف الأطنان من المشتقات شهريًا.

وفي مارس/آذار 2016، أعلنت المحكمة التجارية في الدار البيضاء تصفية الشركة، وتعيين مُصفٍّ قضائي لإدارة أصولها، مع بقاء المصفاة في وضع "التوقف القسري" دون تفكيكها.

ومنذ ذلك التاريخ، تحولت سامير من منشأة تشغيلية إلى "موقع معلق" بين الحياة والموت، بانتظار مستثمر جديد أو قرار سياسي يعيد تشغيلها.

وعلى خلفية عدم استقرار أسعار النفط العالمية ومناقشات حول عجز الموازنة بسبب دعم المحروقات، أصدر المغرب عام 2019 مرسومًا بالإغلاق الدائم للمصفاة.

وبحسب بيانات آخر عام مالي مُصرح به (2014)، بلغت إيرادات شركة سامير نحو 4.4 مليار دولار، مسجلة خسائر بـ250 مليون دولار، وفي آخر تداول لسهم الشركة عام 2015، سجل هبوطًا إلى 127 درهمًا مقابل ذروة تقارب 1100 درهم في عام 2007.

وإلى اليوم، يحضر الموظفون بالمصفاة إلى المنشأة يوميًا، ويقضون ساعات العمل القانونية في مقرات أعمالهم، ويتلقون رواتبهم شهريًا، إذ تُصدر المحكمة التجارية في الدار البيضاء، بصورة ربع سنوية، إذنًا قضائيًا باستمرار عقود العاملين.

ونتيجة لذلك، نُظّمت على مدى سنوات العديد من المسيرات والوقفات الاحتجاجية، للمطالبة بإنقاذ مصفاة سامير وإعادة تشغيلها.

مصفاة سامير أول مصفاة نفط في المغرب
عامل يتابع أوضاع مصفاة سامير- أرشيفية

معركة التحكيم الدولي

لم يكن توقف مصفاة سامير نهاية القصة، بل بدايتها القانونية؛ ففي عام 2018، رفعت شركة "كورال" قضية ضد الدولة المغربية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار التابع للبنك الدولي (ICSID)، مطالبة بتعويض قدره 2.7 مليار دولار عما عدّته "خرقًا لاتفاقية حماية الاستثمار مع السويد".

وفي يوليو/تموز 2024، صدر القرار الذي ألزم المغرب بدفع 150 مليون دولار لصالح العمودي، وهو حكم نهائي أكّده المركز، في نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته، برفض طلب مراجعة القرار، الذي قدمه الطرفان.

من وجهة نظر الحكومة المغربية، كانت القضية تعبيرًا عن فشل استثماري خاص لا تتحمّله الدولة، في حين رأى المستثمر أنّ القرارات التنظيمية أسهمت في انهيار المشروع.

عروض شراء للمصفاة

منذ إعلان التصفية، تهاطلت عروض لشراء المصفاة والاستحواذ عليها من أطراف دولية مختلفة.

ففي عام 2017، عرض القضاء التجاري في مدينة الدار البيضاء أصول شركة سامير جميعها للبيع بقيمة افتتاحية نحو 2.1 مليار دولار، إذ تلقت أكثر من 35 عرضًا محليًا ودوليًا، لكن لم يُقبل أي منها.

وفي فبراير/ شباط 2023، فتح القضاء التجاري باب تلقّي العروض لشراء الشركة، إذ قُدّم 15 عرضًا تراوحت قيمتها ما بين 1.8 و2.8 مليار دولار ، بعضها من شركات من أميركا والهند وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والسعودية والإمارات.

ورغم تجاوز قيمة العروض السعر الافتتاحي المحدد لعرض الشراء، عطّلت العقبات التقنية والمالية والقضائية إتمام أي صفقة نهائية.

أثر غياب مصفاة سامير

منذ توقف سامير، يعيش المغرب وضعًا فريدًا في المنطقة؛ إذ أصبح دولة تستهلك المشتقات النفطية، لكنها بلا تكرير محلي.

وخلّف غياب مصفاة سامير فراغًا في منظومة الإمداد الوطني، واضطر المغرب إلى الاعتماد كليًا على الاستيراد لتأمين حاجته من الوقود، ما يجعل الأسعار أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الدولية.

ونتيجة لذلك، ارتفعت فاتورة واردات المغرب من المشتقات النفطية بمليارات الدراهم سنويًا، ما أثّر في ميزان المدفوعات وفي احتياطي العملة الصعبة.

ويرصد الرسم البياني الآتي -الّذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- واردات المغرب من المشتقات النفطية المنقولة بحرًا حتى مارس/آذار 2026:

واردات المغرب من المشتقات النفطية حتى مارس/آذار 2026

وتشير التقديرات إلى أن المغرب يخسر سنويًا ما بين 3 و4 مليارات دولار نتيجة توقف مصفاة سامير، في صورة تكلفة إضافية على الاستيراد وفقدان فرص العمل والقيمة المضافة.

وفي مقابل المطالبات بإعادة تشغيل المصفاة، برزت أصوات تدعو إلى التحوّل نحو نموذج طاقي جديد قائم على الطاقات المتجددة والغاز المسال، وترى أن إحياء المصفاة قد يكون خطوة إلى الوراء في زمن التحول الأخضر.

لكنّ يرى خبراء أن التكرير المحلي لا يتعارض مع الانتقال الطاقي، بل يوفّر "شبكة أمان" للأمن الطاقي خلال العقود الانتقالية.

تعليق حكومي

قالت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، في تصريحات لها قبل 3 أعوام، إن المملكة ليست بحاجة إلى إعادة تشغيل مصفاة سامير، مشيرة إلى أن الملف يتجاوز البعد الطاقي ليحمل طابعًا استثماريًا معقّدًا.

وأوضحت بنعلي، أن قضية المصفاة تراكمت على مدى أكثر من 20 عامًا، ما أدى إلى أزمات مالية وديون ثقيلة، مشيرة إلى أن أوضاع صناعة التكرير تغيرت جذريًا منذ إنشاء المصفاة في ستينيات القرن الماضي، إذ تتطلب المنافسة الحالية قدرات إنتاجية وتقنية تفوق ما تمتلكه "سامير" بـ4 مرات، لا سيما في مجالات معالجة البتروكيماويات وتحسين الكفاءة التشغيلية.

وزيرة الطاقة المغربية ليلى بنعلي
وزيرة الطاقة المغربية ليلى بنعلي

وأضافت الوزيرة، أن الحكومة تضع في أولوياتها الحفاظ على مصالح 3 فئات رئيسة، هي عمال المصفاة، والدولة، وسكان مدينة المحمدية الذين يعانون من التلوث الصناعي، مؤكدة أن الوزارة تعمل على حلول تراعي التوازن بين هذه المصالح.

وترى بنعلي أن أي استثمار حكومي فعّال يتطلب موارد ضخمة وضمانات للجدوى.

الخلاصة

قصة مصفاة سامير ليست عن النفط فحسب، بل عن السياسة والاقتصاد والسيادة.

وتبرهن القصة على أن الخصخصة دون حوكمة تُنتج هشاشة، وأن الاستقلال الطاقي ليس شعارًا بل منظومة متكاملة من الإنتاج، والتخزين، والإدارة.

وبينما تُناقَش مقترحات لإعادة تشغيل المصفاة، تذهب تقديرات إلى أن إحياء "سامير" لن يكون مجرّد استثمار صناعي، بل سيمثّل استعادة لجزء من الذاكرة الوطنية.

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق