التقاريرتقارير النفطتقارير دوريةرئيسيةنفطوحدة أبحاث الطاقة

رحلة النفط والغاز في النرويج بدأت قبل 60 عامًا.. وهذه قصة أول منصة حفر

وحدة أبحاث الطاقة - رجب عز الدين

يستعد قطاع النفط والغاز في النرويج، الأحد 19 يوليو/تموز، للاحتفال بالذكرى رقم 60 على مرور أولى عمليات التنقيب في الجرف القاري للبلاد.

وبدأ حفر أول بئر استكشافية في الجرف القاري النرويجي في 19 يوليو/تموز عام 1966، بحسب المعلومات التاريخية المتاحة لدى وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن).

وعلى الرغم من أن الحفر لم يسفر عن اكتشاف تجاري، فإنها وفرت معلومات قيمة حول جيولوجيا بحر الشمال، ما أحيا آمال العثور على النفط والغاز في النرويج بعد سنوات من التشاؤم.

فقبل هذا التاريخ بـ8 سنوات، كانت هيئة المسح الجيولوجي النرويجية قد خلصت إلى نتائج صادمة عام 1958، تستبعد وجود موارد نفط أو كبريت أو فحم في الجرف القاري النرويجي.

قصة التنقيب عن النفط والغاز في النرويج

بدأت أولى عمليات التنقيب عن النفط والغاز في النرويج عام 1966، ففي 22 يونيو/حزيران رسَت منصة الحفر "أوشن ترافيلر" على ساحل مدينة دوسافيك الواقعة في منطقة ستافانغر، وهي منصة استأجرتها شركة النفط الأميركية إيسو (Esso) من شركة أوديكو (Odeco) المتخصصة في تصنيع منصات الحفر بالولايات المتحدة.

وأثار وصول منصة الحفر ضجة كبيرة لدى السكان المحليين ممن لم يشاهدوا منصات حفر من قبل حتى تدافع الناس لرؤيتها بأنفسهم.

وكان الدافع وراء محاولة تحدي استنتاج هيئة المسح الجيولوجي النرويجية عام 1958، هو اكتشاف الغاز الطبيعي في هولندا بعد عام واحد (1959) تحت حقول الحبوب والبطاطس بمدينة غرونينغن.

وأثار هذا الاكتشاف انتباه شركات النفط الكبرى لإعادة استكشاف موارد الجرف القاري النرويجي، خاصة أن حقل غرونينغن الهولندي لم تكن خصائصه تختلف كثيرًا عن جيولوجيا بحر الشمال، بحسب التقرير المنشور على موقع المديرية البحرية النرويجية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن التوقعات المقارنة وحدها لم تكن كافية، ففي أكتوبر/تشرين الأول 1962 تقدمت شركة فيليبس بتروليوم (Phillips Petroleum) الأميركية بالفعل بطلب الحصول على تصريح للتنقيب عن النفط والغاز في النرويج.

وكان مضمون الطلب أن الشركة تريد ترخيصًا حصريًا للتنقيب في أجزاء من بحر الشمال تقع ضمن المياه الإقليمية النرويجية مقابل دفع مبلغ يقدر بنحو 160 ألف دولار شهريًا، لكن الحكومة النرويجية رفضته، بسبب رغبتها في إشراك المزيد من الشركات لفتح المنطقة أمام فرص التنقيب وليس حصرها في قبضة شركة واحدة من البداية.

طرح أول جولة تراخيص في النرويج

في مايو/أيار 1963، أعلن رئيس الوزراء النرويجي غير هاردسن (Gerhardsen) السيادة على الجرف القاري مع إصدار قانون جديد ينص على أن الدولة هي المالكة للأرض، وأن الحكومة وحدها هي المخولة بمنح تصاريح الاستكشاف والإنتاج.

كما دعت الحكومة الشركات لإجراء المسوح التي أصبحت تعرف فيما بعد بالمسوح الزلزالية، لكن مناطق الجرف القاري لم تكن خالصة للنرويج، وكانت تنتظر التقسيم مع الدنمارك وبريطانيا العظمي آنذاك.

وبعد عامين تقريبًا من إعلان السيادة على الجرف القاري، أُبرمت اتفاقيتان للتقسيم، كانت الأولى مع بريطانيا العظمى في مارس/آذار 1965، والثانية مع الدنمارك في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

ولم تنتظر الحكومة كثيرًا، ففي 13 أبريل/نيسان 1965 أعلنت أول جولة تراخيص التنقيب عن النفط والغاز في النرويج وطرحت خلالها 278 مربعًا، تبلغ مساحتها الكلية 500 كيلومتر مربع.

وأسفرت جولة التراخيص بالفعل عن منح 22 رخصة إنتاج تغطي 78 مربعًا في الجرف القاري، وقد كانت التراخيص تمنح حقوقًا حصرية للشركات في كل مربع.

نتائج أولى عمليات الحفر لم تكن مبشرة

كانت شركة إيسو التابعة لإكسون موبيل الأميركية من أوائل الشركات الحاصلة على تراخيص التنقيب عن النفط والغاز في النرويج في تلك الجولة من التراخيص.

وما إن حصلت الشركة على الترخيص حتى سارعت إلى توقيع عقد مع شركة أوديكو الأميركية، إذ لم تكن هناك منصات حفر في النرويج آنذاك.

وبناء على التعاقد، نقلت منصة الحفر أوشن ترافيلر (Ocean Traveler) من خليج المكسيك إلى النرويج، لكن المنصة احتاجت إلى الإصلاح بعد حدوث تسرب بإحدى العوامات العائمة فور وصولها إلى مدينة ستافانغر.

واتضح من عملية الإصلاح أن تصميم المنصة كان مناسبًا لظروف خليج المكسيك الأقل قسوة من بيئة بحر الشمال، سواء من حيث الأمواج أو الرياح، ما لفت الأنظار إلى ضرورة بناء منصات أكثر متانة لتحمل الظروف البحرية الصعبة في الجرف القاري النرويجي.

صورة أرشيفية لمنصة الحفر أوشن ترافيلر المنقولة إلى النرويج
صورة أرشيفية لمنصة الحفر أوشن ترافيلر المنقولة إلى النرويج - الصورة من Norwegian Offshore Directorate

وعلى كل حال، فقد سمحت الجهات الرقابية النرويجية لمنصة التنقيب بالإبحار بعد التأكد من سلامة الإصلاحات، لتنقل المنصة بالفعل إلى المربع البحري (8/3) على بعد 160 كيلومترًا جنوب غرب ستافانغر.

وفي حدود الساعة 8:20 صباحًا من يوم 19 يوليو/تموز، بدأت عمليات الحفر في المربع البحري على أعماق وصلت إلى 94 مترًا، وقد كان الحفر في هذه الأعماق إنجازًا تاريخيًا وتقنيًا وقتها.

واكتملت عمليات الحفر في أكتوبر/تشرين الأول 1966، بعد 80 يومًا، حتى وصلت الأعماق إلى أكثر من 3 آلاف متر، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال من حيث الإنتاج، بعد ثبوت أن البئر رقم واحد بالمربع كانت جافة.

ورغم ذلك، فلم يذهب عمل الشركة أدراج الرياح، خاصة بعد تأكيد النتائج تشابه التركيب الجيولوجي في أعمال بحر الشمال مع تركيب اكتشاف الغاز في هولندا، ما أعطى أملًا جديدًا بأن مزيدًا من المحاولات قد تسفر عن نتائج إيجابية.

نتائج ثاني عمليات الحفر

على الفور، انتقلت منصة أوشن ترافيلر في الشهر التالي (نوفمبر/تشرين الثاني 1966) إلى المربع البحري (25/11) شمال غرب النرويج، ولم تكن عملية النقل سهلة هذه المرة أيضًا.

فقد اصطدمت المنصة بسفينة إمداد أثناء عملية التفريغ، ما أدى إلى ميلها بشدة بعد تسرب المياه إلى داخل المنصة عبر ثقب في إحدى العوامات.

ودفعت هذه الحادثة أفراد الطاقم إلى القفز في البحر، لكن لحسن الحظ نجحت أعمال تثبيت المنصة عبر تصريف المياه إلى العوامات الأخرى في الجانب المقابل.

وكادت هذه الحادثة أن تقضي على آمال أول منصة تنقيب عن النفط والغاز في النرويج، لكنها ظلت صامدة وأعيد إصلاحها قبل أن تستأنف أعمالها في المربع (25/11) وتكمل حفر أول بئر في يوليو/تموز 1967.

وفي هذه المرة كانت النتائج مبشرة بعد العثور على آثار للموارد الهيدروكربونية في الطبقة الثالثة السفلى، وقد أخذت أولى العينات على متن المنصة لفحصها في المختبر.

ورغم ذلك، لم تقم شركة إيسو باحتفالات صاخبة لاعتقادها بأن الاكتشاف كان صغيرًا جدًا ولا يصلح للتطوير التجاري، رغم نتائجه البحثية القيمة، لكن الأحداث اللاحقة أثبتت عكس ذلك.

فقد كانت المنطقة تضم حقل بالدر (Balder field) الذي بدأ الإنتاج بعد 3 عقود من هذه الرحلة المثيرة بموارد تقدر بنحو 110 ملايين متر مكعب من النفط (700 مليون برميل).

أحدث بيانات النفط والغاز في النرويج

بفضل هذه الاكتشافات المبكرة وما تلاها، أصبحت النرويج أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي في غرب أوروبا، فضلًا عن كونها تاسع أكبر منتج للغاز عالميًا، بينما تصنف في المرتبة الـ12 عالميًا بين أكبر منتجي النفط.

وتقدر احتياطيات النفط المؤكدة في النرويج بنحو 6 مليارات برميل، وتصل احتياطيات الغاز إلى 44 تريليون قدم مكعبة، بحسب أحدث تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

ويصنف قطاع النفط والغاز بوصفه أكبر قطاع صناعي في النرويج، إذ يشكل 17% من الناتج المحلي الإجمالي، و25% من الإيرادات، و42% من إجمالي الصادرات (باستثناء قطاع الخدمات والتوريد)، بحسب بيانات وزارة التجارة الأميركية.

وبلغ إنتاج النرويج من النفط الخام والسوائل والمكثفات الغازية ذروته في 2001 عند 3.4 مليون برميل يوميًا، قبل أن ينخفض تدريجيًا ليصل إلى مستواه الحالي عند مليوني برميل يوميًا.

في حين بلغ إنتاجها من الغاز الطبيعي قرابة 120.6 مليار متر مكعب في عام 2025، لتحتل المركز التاسع عالميًا بعد السعودية، بحسب أحدث بيانات صادرة عن معهد الطاقة البريطاني.

ويوضح الرسم الآتي -أعدته وحدة أبحاث الطاقة- تطور إنتاج الغاز الطبيعي في النرويج منذ عام 2015 وحتى عام 2025:

إنتاج الغاز الطبيعي في النرويج

في المقابل، بلغ استهلاك النرويج من الغاز الطبيعي 3.4 مليار متر مكعب فقط، في حين وصلت صادراتها إلى 119 مليارًا في 2025.

وتشير هذه البيانات إلى أن الصادرات تستحوذ على 97% من إنتاج النرويج، ما يفسر تصنيفها بالمركز الرابع بقائمة أكبر مصدري الغاز عالميًا بعد الولايات المتحدة وروسيا وقطر (بمجموع صادرات خطوط الأنابيب والمسال).

وأصبحت النرويج أكبر مصدر للغاز إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2022، مع وصول حصتها إلى 31% من إجمالي وارداته البالغة 313.5 مليار متر مكعب في 2025 (شاملة واردات الأنابيب والمسال).

وارتفعت صادرات النرويج إلى الاتحاد -وغالبيتها العظمى عبر الأنابيب- من 86.5 مليار متر مكعب في 2021 -أي قبل الحرب الروسية الأوكرانية- إلى 97.1 مليارًا في 2025، بحسب بيانات مجلس الاتحاد الأوروبي.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصادر..

  1. قصة التنقيب عن النفط والغاز في النرويج من تقرير المديرية البحرية النرويجية.
  2. بيانات صادرات الغاز النرويجي إلى أوروبا من مجلس الاتحاد الأوروبي.
  3. بيانات حصة النفط والغاز في الناتج المحلي النرويجي من وزارة التجارة الأميركية.
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق