خبير: الطاقة الشمسية في العراق تواجه 4 تحديات رئيسة
رغم جدواها الاقتصادية
داليا الهمشري

تمثل الطاقة الشمسية في العراق أحد أبرز الحلول المطروحة لمعالجة أزمة الكهرباء المزمنة وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، ولا سيما في ظل ما تتمتع به البلاد من معدلات إشعاع شمسي مرتفعة على مدار العام.
ومع تصاعد الطلب على الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، تزداد أهمية التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية في العراق، بوصفها خيارًا إستراتيجيًا لتحقيق أمن الطاقة.
وتحظى الطاقة الشمسية في العراق باهتمام متزايد من المواطنين والقطاع الخاص والحكومة، إلا أن انتشارها ما يزال دون المستوى المأمول نتيجة عدد من التحديات التمويلية والفنية والتنظيمية التي تؤثر في سرعة تبني هذه التقنية.
وفي هذا السياق، أبرز خبير الطاقة المتجددة والأستاذ في قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة ذي قار العراقية الدكتور مشتاق إسماعيل الإبراهيمي -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)- أبرز العقبات التي تواجه القطاع والحلول اللازمة لتجاوزها.
الطاقة الشمسية في العراق
أشار الإبراهيمي إلى أن التوجه نحو الطاقة الشمسية في العراق أصبح ضرورة ملحة في ظل أزمة الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة، إلا أن هذا القطاع ما يزال يواجه عددًا من التحديات التي تعيق انتشاره على نطاق واسع، وربما في عدد من الدول المجاورة التي تتشابه في ظروفها المناخية والاقتصادية.
وأوضح أن التحدي الأول يتمثل في ارتفاع التكلفة الابتدائية للمنظومات الشمسية مقارنة بالقدرة الشرائية للمواطن، مبرزًا أنه رغم ما تحققه هذه المنظومات من وفورات مالية كبيرة على المدى الطويل، فإن تكلفة شرائها وتركيبها ما تزال مرتفعة بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين.

وأضاف أن الحصول على منظومة شمسية متوسطة القدرة قد يتطلب دفع مبالغ تتراوح بين 5 و10 ملايين دينار عراقي دفعة واحدة، وهو ما يدفع كثيرًا من المواطنين إلى مقارنة هذه التكلفة المرتفعة بالبدائل التقليدية ذات التكاليف الشهرية المحدودة، مثل الاشتراك بالمولدات الأهلية، الأمر الذي يجعلهم يترددون في الاستثمار بالطاقة الشمسية رغم فوائدها الاقتصادية المستقبلية.
*(الدولار = 1.310 دينارًا عراقيًا)
وأكد الإبراهيمي -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن معالجة هذه المشكلة يتطلب تدخلًا من الدولة والقطاع الخاص عبر توفير قروض ميسرة ومنخفضة الفائدة، أو حتى دون فوائد، لتمكين المواطنين من شراء المنظومات الشمسية وسداد قيمتها على أقساط شهرية مناسبة.
توفير الكهرباء بأسعار تنافسية
أشار خبير الطاقة المتجددة الدكتور مشتاق الإبراهيمي إلى إمكان تعزيز انتشار الطاقة الشمسية في العراق من خلال التوسع في إنشاء المحطات الشمسية المركزية وتوفير الكهرباء للمستهلكين بأسعار تنافسية، إلى جانب تشجيع المستثمرين على تنفيذ مشروعات كبيرة لإنتاج الكهرباء وبيعها بأسعار مناسبة.
وما يتعلق بالتحدي الثاني، أوضح الإبراهيمي أن الظروف المناخية القاسية، وعلى رأسها الغبار وارتفاع درجات الحرارة، تعد من أكثر العوامل المؤثرة في كفاءة وإنتاجية الألواح الشمسية.
ولفت إلى أن تراكم الغبار على أسطح الألواح يحجب جزءًا من الإشعاع الشمسي الساقط على الخلايا الكهروضوئية، ما يؤدي إلى انخفاض إنتاجيتها بصورة ملحوظة، وتراوحت نسبة الخسائر في بعض الحالات بين 40% و45% من القدرة الإنتاجية عند إهمال عمليات التنظيف والصيانة الدورية.
وأضاف أن العواصف الترابية والغبار العالق في الهواء يسهمان كذلك في تقليل كمية الإشعاع الشمسي الواصلة إلى الخلايا، ما ينعكس بصورة مباشرة على كمية الكهرباء المنتجة.
وأوضح أن هناك اعتقادًا شائعًا بأن ارتفاع درجات الحرارة يعزز إنتاجية الألواح الشمسية، إلا أن الواقع الفني يشير إلى عكس ذلك، إذ ترتبط كفاءة الخلايا الشمسية بعلاقة عكسية مع درجة الحرارة، فتنخفض قدرتها على تحويل الإشعاع الشمسي إلى طاقة كهربائية كلما ارتفعت درجة حرارتها.
وأشار الإبراهيمي إلى أن هذه المشكلة تتفاقم خلال فصل الصيف في العراق، عندما تتجاوز درجات حرارة الهواء 50 درجة مئوية، في حين قد ترتفع حرارة سطح الخلايا الشمسية إلى أكثر من 65 درجة مئوية، ما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في إنتاج الكهرباء.
وأكد الإبراهيمي أن الحد من تأثير هذه التحديات يتطلب اعتماد تصميم هندسي سليم للمنظومات الشمسية يؤخذ في الحسبان الظروف المناخية المحلية، بما يشمل درجات الحرارة القصوى ومعدلات الغبار على مدار العام.
وأضاف أن المصممين والشركات المنفذة مطالبون بدراسة الظروف البيئية للمناطق المستهدفة بدقة عند تحديد حجم المنظومة ومكوناتها، بما يضمن تحقيق القدرة المطلوبة حتى في ظل الظروف التشغيلية الصعبة.
وأوضح أن بعض مشروعات الطاقة الشمسية في العراق قد تحتاج إلى زيادة عدد الألواح، أو رفع القدرة التصميمية للمنظومة لضمان تحقيق الأداء المطلوب فعليًا، لافتًا إلى أن هذا الإجراء قد يرفع الكلفة الأولية للمشروع، لكنه يضمن استقرار الأداء وعدم تأثره بصورة كبيرة بالعوامل البيئية.
السيطرة على المعدات المستوردة
حول التحدي الثالث، أشار الإبراهيمي إلى أن ضعف تطبيق معايير السيطرة النوعية على المعدات المستوردة ما يزال يمثل عقبة أمام تطور قطاع الطاقة الشمسية في العراق.
وأوضح الإبراهيمي -في تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن الأسواق تشهد دخول بعض المكونات منخفضة الجودة، ولا سيما المحولات الكهربائية (Inverters) والبطاريات، التي تُعد من أهم عناصر المنظومة الشمسية وأكثرها تأثيرًا في كفاءتها وعمرها التشغيلي.
وأضاف أن استعمال معدات رديئة يؤدي إلى تكوين انطباعات سلبية لدى بعض المستهلكين، إذ يلجأ عدد من المواطنين إلى شراء منظومات منخفضة السعر دون التحقق من جودة مكوناتها أو موثوقية مصادرها، ليفاجؤوا بعد مدة قصيرة بأعطال متكررة تستدعي الصيانة أو الاستبدال.
وأكد أن المشكلة في كثير من الأحيان لا تعود إلى تقنية الطاقة الشمسية نفسها، وإنما إلى رداءة المعدات المستعملة أو عدم مطابقتها للمواصفات الفنية المطلوبة، وهو ما أسهم في انتشار بعض التجارب السلبية التي أثرت في ثقة المواطنين بهذه التقنية.
وشدد على أهمية تشديد الرقابة الحكومية على المنافذ الحدودية وتنظيم عمليات الاستيراد، بما يضمن دخول معدات ومنظومات من مناشئ موثوقة، مع إلزام الموردين بتقديم ضمانات حقيقية تغطي أوقات تشغيل مناسبة.
وأوضح أن الضمانات الموثوقة تمنح المستهلك الثقة الكافية للاستثمار في المنظومة الشمسية، وتساعده على احتساب العوائد الاقتصادية المتوقعة خلال أعوام التشغيل الأولى دون القلق من الأعطال أو تكاليف الصيانة غير المتوقعة.

وأشار إلى أن بعض المستهلكين ينجذبون إلى المنظومات الأقل سعرًا، إلا أن الفارق السعري غالبًا ما يكون نتيجة اختلاف جودة المكونات، لافتًا إلى أن تكاليف إصلاح واستبدال البطاريات أو المحولات الكهربائية في المنظومات منخفضة الجودة قد تتجاوز خلال أعوام قليلة قيمة المنظومات الأعلى جودة والأكثر موثوقية.
وأضاف أن المنظومات المعتمدة على مكونات موثوقة لا تحتاج خلال سنوات الضمان سوى إلى أعمال الصيانة الدورية البسيطة، وفي مقدمتها تنظيف الألواح الشمسية من الغبار والأتربة، ما يعزز جدواها الاقتصادية ويرفع مستوى رضا المستهلكين.
محدودية الخبرة الفنية
كشف الإبراهيمي عن تحدٍّ إضافي يواجهه قطاع الطاقة الشمسية في العراق، يتمثل في محدودية الخبرة الفنية لدى بعض الشركات والعاملين في السوق، موضحًا أن الأخطاء في التصميم أو التركيب أو اختيار المكونات قد تؤدي إلى انخفاض كفاءة المنظومة أو تعرضها لأعطال مبكرة، وهو ما ينعكس سلبًا على تجربة المستهلك وسمعة القطاع.
وأكد أن نجاح قطاع الطاقة الشمسية في العراق لا يعتمد فقط على توفير المعدات، بل يتطلب أيضًا تطوير الكوادر الفنية ورفع مستوى الخبرات لدى المصممين والمنفذين لضمان تنفيذ المشروعات وفق المعايير الهندسية الصحيحة وتحقيق الأداء المتوقع.
وأشار إلى أن معالجة هذه التحديات من خلال دعم التمويل، وتحسين جودة المعدات، وتعزيز الرقابة، وتطوير الخبرات الفنية، من شأنها تسريع انتشار الطاقة الشمسية وتحقيق نجاح أكبر لهذا القطاع، بما يسهم في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وتعزيز أمن الطاقة.
كما أوضح الإبراهيمي أن العديد من الدول الأوروبية حققت تقدمًا كبيرًا في استغلال الطاقة الشمسية رغم محدودية الإشعاع الشمسي لديها مقارنًة بدول المنطقة العربية.
وأكد أن نجاح قطاع الطاقة الشمسية في العراق لا يرتبط فقط بتوافر الشمس، بل يعتمد بالدرجة الأولى على وجود سياسات داعمة وتخطيط سليم وبنية تنظيمية قادرة على تحقيق الاستفادة المثلى من هذا المورد المتجدد.
موضوعات متعلقة..
- الطاقة الشمسية في العراق.. انطلاق القرى المستدامة وخطط توسع حكومية
- العراق يواصل دعم مباني الوزارات بالطاقة الشمسية.. تطور جديد
- تجهيز 120 موقعًا لمشروعات الطاقة الشمسية في العراق
اقرأ أيضًا..
- شحنة نادرة من الغاز المسال الجزائري تعزز حضورها في أوروبا
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة





