المقالاترئيسيةكهرباءمقالات الكهرباء

نقل الكهرباء من أذربيجان.. مشروع مقترح يعزز تجارة الطاقة الإقليمية عبر تركيا (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • تركيا وأذربيجان وجورجيا وبلغاريا تمضي قدمًا في خطط إنشاء ممر إقليمي للكهرباء
  • الممر يتطلب خطوط كهرباء عابرة للحدود أكثر متانة وتحديثات جوهرية لشبكة الكهرباء التركية
  • يُمكن لممرّ نقل الكهرباء من أذربيجان أن يجذب استثمارات جديدة في مجال الطاقة المتجددة
  • ممر الكهرباء المقترح يمثّل مرحلة جديدة في التعاون الطاقي بين تركيا وأذربيجان

من شأن المشروع المقترح لنقل الكهرباء من أذربيجان أن يعزز تجارة الطاقة الإقليمية عبر تركيا، كونه يربط بين منطقة بحر قزوين والأسواق الأوروبية، ويُسهم في التركيز على المصادر المتجددة.

في مطلع يونيو/حزيران 2026، صرّح وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، خلال أسبوع باكو للطاقة، بأن تركيا وأذربيجان وجورجيا وبلغاريا تمضي قدمًا في خطط إنشاء ممر إقليمي للكهرباء.

ووصفه بأنه "النسخة الكهربائية من خط أنابيب الغاز العابر للأناضول تاناب (TANAP)"، إشارةً إلى خط الأنابيب الذي ينقل الغاز الأذربيجاني عبر تركيا إلى أوروبا منذ عام 2018.

وتكتسب هذه المقارنة أهمية بالغة، لأن المشروع الجديد قد يُحدث نقلة نوعية في مجال الطاقة المتجددة، مثلما فعل خط أنابيب الغاز العابر للأناضول بالنسبة للغاز، إذ سيجعل من تركيا جسرًا محوريًا بين منطقة بحر قزوين والأسواق الأوروبية.

خطة نقل الكهرباء من أذربيجان

تستند خطة نقل الكهرباء من أذربيجان إلى اتفاقية وُقّعت في أبريل/نيسان 2025 بين الدول الـ4 للتعاون في مجال نقل وتجارة الكهرباء النظيفة، وذلك بشكل رئيس عبر نقل الكهرباء المتجددة من أذربيجان، وربما لاحقًا من جورجيا وآسيا الوسطى، عبر تركيا إلى بلغاريا وجنوب شرق أوروبا.

ولن يكون تحويل هذه الفكرة إلى واقع أمرًا يسيرًا، إذ يتطلب الممر خطوط كهرباء عابرة للحدود أكثر متانة، وتحديثات جوهرية لشبكة الكهرباء التركية، وتنسيقًا وثيقًا بين جميع الدول المشاركة.

وقد يُسهم استثمار تركيا المُخطط له بقيمة 30 مليار دولار في شبكة الكهرباء خلال العقد المقبل في دعم المزيد من الطاقة المتجددة، وتوليد الطاقة النووية مستقبلًا، وتجارة الكهرباء عبر الحدود.

وقد بدأت دراسات الجدوى التي ستُحدد المسار، والقدرة، والتكلفة، ونموذج التمويل، والهيكل التنظيمي.

ومن المُرجّح أن تكون الخطوة التالية اتفاقية حكومية دولية مُفصلة، ​​تُحوّل المشروع من مجرد شعار سياسي جذاب إلى عمل هندسي واستثماري وقوانين سوقية وتنفيذية أكثر صعوبة.

حفل افتتاح أسبوع باكو للطاقة
حفل افتتاح أسبوع باكو للطاقة – الصورة من يورو نيوز

الفرص والأهمية الجيوسياسية

سيُتيح ممر نقل الكهرباء من أذربيجان للبلاد، ولتركيا وجورجيا وبلغاريا وأوروبا.

فبالنسبة لأذربيجان، يُوفر ممر نقل الكهرباء من أذربيجان وسيلةً لتحويل إمكانات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية إلى إيرادات تصديرية، مع تقليل الاعتماد على النفط والغاز.

أمّا بالنسبة لتركيا، فسيعزز الممر دورها جسر طاقة بين منطقة بحر قزوين والبحر الأسود وأوروبا.

وستعزز جورجيا مكانتها دولةَ عبور، في حين ستتمكن بلغاريا وجنوب شرق أوروبا من الوصول إلى كهرباء منخفضة الكربون وغير روسية المصدر.

وبهذا المعنى، يدعم المشروع أمن الطاقة الإقليمي وأهداف أوروبا في خفض انبعاثات الكربون بعد أزمة أوكرانيا عام 2022.

ويُمكن لممر نقل الكهرباء من أذربيجان أن يجذب استثمارات جديدة في مجال الطاقة المتجددة.

تجدر الإشارة إلى أن أذربيجان تسعى، حاليًا، إلى إنشاء عدّة ممرات للكهرباء النظيفة، بما في ذلك ربط محتمل بين جمهورية نخجوان وتركيا بسعة تصل إلى 1 غيغاواط، ومع مرور الوقت، يُمكن للشبكة نقل الكهرباء من آسيا الوسطى.

وستُساعد عمليات تحديث شبكة الكهرباء التركية المُخطط لها على استيعاب المزيد من الطاقة المتجددة والنووية، مع دعم التجارة عبر الحدود.

وقد يُكمّل ممر بري عبر تركيا ممر الكهرباء بين بحر قزوين والبحر الأسود وأوروبا، الذي يضم أذربيجان وجورجيا ورومانيا والمجر، موفرًا بذلك نظامًا احتياطيًا وتكاملًا أعمق مع شبكة الكهرباء التركية.

الاعتبارات الجيوسياسية

من الناحية الجيوسياسية، يُوسّع المشروع نطاق منطق ممر الغاز الجنوبي ليشمل الكهرباء، ومن شأنه أن يُعمّق التعاون في مجال الطاقة بين تركيا وأذربيجان، ويمنح أنقرة نفوذًا أكبر على تدفقات الطاقة الإقليمية، ويُساعد أوروبا على تنويع مصادرها بعيدًا عن الطاقة الروسية.

ونظرًا لأن الجوانب الجيوسياسية للطاقة لا تسمح على ما يبدو بتحقيق نصرٍ حاسم لأيّ طرف، فقد يُؤدي ذلك إلى خلق اعتماد جديد على النقل التركي.

وقد تنظر روسيا وإيران إلى هذا الممر بصفته دليلًا آخر على أن مسارات الطاقة الجديدة تُبنى حولهما بدلًا من المرور عبرهما.

وإذا تكللت جهود المشروع بالنجاح، فقد يُصبح نموذجًا للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة النظيفة، وإن لم يُكتب له النجاح، فسيُثبت مجددًا أن إعلان الربط أسهل بكثير من تحقيقه.

منصات حفر بحرية تعمل بالقرب من ساحل باكو في أذربيجان
منصات حفر بحرية تعمل بالقرب من ساحل باكو في أذربيجان – الصورة من تركي توداي

التحديات: عوائق تقنية ومالية وتنظيمية وبنية تحتية

على الرغم من إمكاناته، سيكون إنشاء ممر نقل الكهرباء من أذربيجان صعبًا.

إن نقل الكهرباء عبر مسافات طويلة ليس مجرد مسألة توقيع اتفاقيات، بل يتطلب خطوط نقل قوية، وشبكات حديثة، وأنظمة موازنة موثوقة، وتخطيطًا دقيقًا للطاقة المتجددة التي تتأثر بتقلبات الأحوال الجوية.

وستحتاج تركيا إلى تحسين خطوط ربطها الكهربائية مع جورجيا وبلغاريا، في حين سيتعين على جميع الدول المشاركة مواءمة لوائحها وقوانين السوق ومعاييرها التقنية مع الأنظمة الأوروبية.

بدورها، تحتاج أذربيجان إلى بناء قدرة كافية من الطاقة المتجددة قبل أن تصبح مُصدِّرًا رئيسًا للكهرباء. وعلى الرغم من أن الطموح أمرٌ مفيد، فإن الصادرات تعتمد على التوليد الفعلي، والتخزين، وبنية النقل التحتية، واتفاقيات شراء موثوقة. وسيمثل التمويل تحديًا رئيسًا آخر.

ومن المرجّح أن يحتاج المشروع إلى دعم من بنوك التنمية، والمؤسسات الأوروبية، والمستثمرين من القطاع الخاص، وربما وكالات ائتمان الصادرات.

وسيبحث المستثمرون عن قواعد مستقرة، ونماذج إيرادات واضحة، ومخاطر سياسية يمكن إدارتها.

وسيتعين على الممر التعامل مع الأمن السيبراني، ورسوم العبور، والمخاوف البيئية، وقضايا استعمال الأراضي، والتراخيص عبر 4 دول.

وتُعدّ الفكرة قوية، لكن تحويلها إلى بنية تحتية حقيقية سيتطلب المال والتنسيق والصبر، وهي 3 أشياء تستهلكها مشروعات الطاقة دائمًا بكميات هائلة.

التوقعات والآثار الإستراتيجية

يمثّل ممر نقل الكهرباء من أذربيجان مرحلة جديدة في التعاون الطاقي بين أنقرة وباكو، وعلى مدى سنوات، ربطت خطوط أنابيب النفط والغاز منطقة بحر قزوين بتركيا وأوروبا.

ومن شأن ممر الكهرباء النظيفة أن ينقل هذه العلاقة إلى مستوى جديد، حيث تصبح شبكات الكهرباء والطاقة المتجددة وتخزين الطاقة وتجارة الكهرباء عبر الحدود بأهمية خطوط الأنابيب.

وفي حال اكتماله، سيتمكن المشروع من نقل الكهرباء المتجددة من منطقة بحر قزوين إلى الأسواق الأوروبية، وتحسين مرونة الطاقة الإقليمية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز دور تركيا بصفتها جسرَ طاقة بين الشرق والغرب.

رغم ذلك، يبقى الجدول الزمني غير واضح، فقد استغرق مشروع خط أنابيب الغاز العابر للأناضول تاناب سنوات للانتقال من فكرة سياسية إلى بنية تحتية عاملة، وقد يكون إنشاء ممر كهربائي أكثر تعقيدًا.

وعلى عكس خطوط أنابيب الغاز، تتطلب ممرات الكهرباء شبكات متزامنة، وموازنة فورية، وقوانين سوق مشتركة، وقدرة نقل جديدة، وتنسيقًا تقنيًا وثيقًا بين عدّة دول.

وستكون الخطوات التالية حاسمة: دراسات الجدوى، والاتفاقيات الحكومية الدولية، والتمويل، وخطوط الربط ذات الأولوية مثل خط نخجوان-تركيا.

محطة غاراداغ للطاقة الشمسية الكهروضوئية في أذربيجان
محطة غاراداغ للطاقة الشمسية الكهروضوئية في أذربيجان – الصورة من الموقع الرسمي لرئاسة أذربيجان

وتدعم أنقرة وباكو المشروع بوضوح، لكن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي لبناء خطوط نقل الكهرباء، فالشبكة -كما هو متوقع، وإن كان مزعجًا- ما تزال تتطلب هندسة دقيقة.

قد يصبح مشروع "خط أنابيب الكهرباء العابر للأناضول" (Power TANAP) الذي اقترحته تركيا أحد أهم مشروعات البنية التحتية للطاقة النظيفة، حيث يربط منطقة بحر قزوين وجنوب القوقاز وتركيا وجنوب شرق أوروبا.

ولا تقتصر قيمته على تصدير الكهرباء المتجددة، بل سيخلق لأذربيجان مسارًا تصديريًا جديدًا يتجاوز النفط والغاز.

أمّا بالنسبة لتركيا، فسيعزز دورها بصفتها مركز عبور وتجارة.

وبالنسبة لجورجيا وبلغاريا، فسيقوّي مكانتهما في الربط الإقليمي.

وبالنسبة لأوروبا، سيضيف مسارًا آخر لإمدادات الطاقة منخفضة الكربون وغير الروسية.

ويكمن الاختبار الحقيقي في قدرة الحكومات على تحويل فكرة إستراتيجية إلى مشروعات قابلة للتمويل، وقوانين مشتركة، وتدفقات كهرباء موثوقة.

وإذا نجح الممر، فسيثبت أن البنية التحتية للكهرباء أصبحت أداة رئيسة للتأثير في القرن الـ21.

وفي حال فشله، فسيؤكد حقيقة معروفة: إذ لا تكتسب ممرات الطاقة أهميتها إلّا عندما تحمل قوة حقيقية، لا مجرد رمز سياسي.

* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق