كيف أكافح تغير المناخ بطريقتي؟.. فطيرة الموز (مقال)
حياة حسين

كان أبي (رحمه الله) يطلب منا دائمًا توفير الكهرباء بإطفاء اللمبات التي لا نحتاج إليها، وعدم التخلص من بواقي الوجبات ما دامت صالحة للتناول، لذلك أحرص دائمًا على طهي كمية تناسب الاحتياجات، وإذا كان هناك فائض أُعيد تدويره، وزاد تشددي في هذا السلوك بعد إدراكي دور مخلفات الغذاء في تفاقم أزمة تغير المناخ.
في البداية؛ تعلمت عدم هدر الغذاء والكهرباء والموارد عامة من أبي، ثم زادت قناعتي بأن هدر الغذاء بمثابة خسارة للوقت الذي استغرقه إعداد الوجبات لعائلتي، خاصة أنني أعمل مدة طويلة يوميًا.
وزاد تمسكي بعادات التدوير وكفاءة استهلاك الغذاء بعد عملي في "منصة الطاقة"، إذ أسهمت في رفع وعيي بأزمة تغير المناخ، وأسباب انبعاثات غازات الدفيئة، بما فيها غاز الميثان، الذي يجد حافزًا للانطلاق محلقًا في هوائنا من مخلفات الغذاء في مكبات النفايات.
وقبل الوصول إلى مكبات النفايات، والإسهام في تغير المناخ، عليك أن تُدرك أن تراكم مخلفات الغذاء لا يعني أنك أهدرت كمية فائضة من وجبتك التي فسدت، أو حتى بسبب أن مذاقها لم يعد يُعجبك، لكنها تعني خسارة وقود ومعدات ومياه وأسمدة ومساحات من الأراضي، كان يمكن استغلالها في شيء يصعب هدره.
يعتمد أكثر من 90% من إنتاج الغذاء على الزراعة، التي تحتاج إلى وقود للمعدات اللازمة لمراحل الإنتاج العديدة، بدءًا من تجهيز الأرض، مرورًا بوضع البذور في التربة وغرس الشتلات ورعاية وحصاد المحاصيل، وحتى نقل تلك المحاصيل بعد النضج إلى الأسواق.
الأسمدة ضرورية لإنتاج الغذاء
يحتاج إنتاج الغذاء بكميات كافية إلى الأسمدة، ولإدراك أهميتها عليك أن تعلم أنه دون المغذيات من الأسمدة الكيماوية (نسبة محدودة جدًا من الإنتاج تعتمد على الأسمدة الحيوية)، سينخفض إنتاج المحاصيل بنسبة 30% على الأقل -وفق بيانات منظمات أممية- في وقت يحتاج العالم فيه إلى زيادة إنتاج الغذاء في مواجهة أزمات في الأمن الغذائي، وزيادة عدد الجوعى.
وبدوره يعتمد إنتاج الأسمدة على مصادر الطاقة، فمثلًا الغاز الطبيعي يمثل أكثر من 80% من خامات إنتاج الأسمدة النيتروجينية خصوصًا التي تحتاج إليها بصورة رئيسة محاصيل تُعد رمانة ميزان الأمن الغذائي العالمي، مثل القمح والذرة.

دور الطاقة في إنتاج الغذاء يجعلها عاملًا مؤثرًا في تضخم أسعار الغذاء، لذلك تعالت التحذيرات من زيادة معدلات التضخم عمومًا، والغذاء خصوصًا عقب اندلاع الحرب في إيران، واضطراب إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط.
كما تعالت صرخات المزارعين في كل مكان، منها ما ذكره أحد مزارعي البطاطس البريطانيين، من أن ارتفاع سعر الديزل الأحمر الخاص بالجرارات الزراعية، من 0.7 جنيهًا إسترلينيًا للتر إلى 1.05 جنيهًا إسترلينيًا، خلال الأسابيع الأولى من حرب إيران، سيدفعه إلى زيادة أسعاره الموسم القادم وخسارته الموسم الحالي، لأنه مضطر إلى توريد المحصول وفق تعاقدات سابقة.
ولم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لأسعار الأسمدة وتهديدها بزيادة تضخم أسعار الغذاء.
وتحتاج الزراعة إلى كميات كبيرة من المياه العذبة، التي تتناقص باستمرار في دول العالم المختلفة لأسباب عديدة، منها تغير المناخ المؤثر في كميات هطول الأمطار.
ولمواجهة الشح المائي، تستغني أو تقلص بعض الدول عددًا من المحاصيل المهمة، مثل مصر، التي قررت -قبل سنوات- تقليص زراعة الأرز وقصب السكر، إضافة إلى الموز، بسبب استهلاكها كميات هائلة من المياه.
والموز من الفاكهة الشتوية، لكنه يتوفر في الأسواق طوال العام، إلا أن شراءه صيفًا يعني أنك قد تضطر إلى تناوله بعد الشراء مباشرة لتحول قشرته السريع إلى اللون الأسود.
غير أن ذلك لم يحُل دون شرائي المتكرر للموز، كونها فاكهة مُفضلة لكل العائلة، ومع مبدأي بعدم هدر الغذاء، قررت تحويل الحبات التي هجرها الجميع إلى "فطيرة الموز"، معتمدة على طريقة عمل "الكيك"، مع استبدال الدقيق والسكر بهذه الحبات الناضجات، وكانت النتيجة أفضل ما تخيلت.
صناعة فطيرة تعالج تغير المناخ
نجاح التجربة دفعني إلى شراء الموز الأسود غير الفاسد بنصف سعره، وتحويله إلى فطيرة الموز الشهية والمغذية، التي توفر تكاليف السكر والدقيق والدهون المتراكمة في أوردة الجسم، إضافة إلى تقليص عدد حبات الموز المُلقاة في مكبات النفايات مع نهاية كل يوم.
بهذه الطريقة عدَدتُ نفسي واحدة من المساهمين في مكافحة تغير المناخ، خاصة أني أمنع وصولها إلى مكبات النفايات وتحولها إلى الميثان، الذي يزيد خطره عن ثاني أكسيد الكربون بنحو 80 ضعفًا، على الرغم من أن مدة وجوده في الهواء أقل.
قد يندهش البعض من ذلك، لكن عليك أن تعلم أن تحلل مخلفات الغذاء في مكبات نفايات الولايات المتحدة، يُسهم في انبعاثات غازات دفيئة تُعادل الانبعاثات السنوية لـ15 محطة توليد طاقة تعمل بالفحم.

وكشفت بيانات صادرة من منظمات أممية وأهلية ومراكز أبحاث، أن هدر الغذاء مسؤول عن 8-10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ونحو 12% من انبعاثات الميثان بمفرده.
وشعورك قد يزداد سوءًا عندما تعلم أن معظم مخلفات الغذاء تكون صالحة للتناول، وأن التخلص منها يحدث بسبب ذبول أو تغير شكلها ونضارتها، ما يعني أن أزمة الهدر مزدوجة التأثير: تفاقم تغير المناخ وزيادة الجوع.
ففي دولة مثل جنوب أفريقيا تُهدر كميات من الغذاء تبلغ 10 ملايين طن سنويًا، معظمها صالحة للاستهلاك، في حين كشفت بيانات رسمية عن وفاة 15 ألف طفل بسبب سوء التغذية في 2024، في حين يعاني 1.7 مليون طفل من سوء التغذية، ويعاني 20 مليون شخص انعدام الأمن الغذائي، في بلد لا يزيد عدد سكانه على 65 مليون نسمة.
وأعتقد أنه إذا سأل كل شخص من 8 مليارات نسمة تسكن الكرة الأرضية، سؤالًا يتردد في عقلي كل مرة أضطر فيها إلى التخلص من بقايا وجبة بسبب عدم صلاحيتها للتناول، التي لا تتجاوز غالبًا عدة مئات من الغرامات، وهو: ما كمية مخلفات الغذاء على الكرة الأرضية إذا تخلص كل شخص منا من هذه الغرامات يوميًا من غذائه في مكبات النفايات؟.. والإجابة ستكون بالطبع ملايين الأطنان.
* حياة حسين - صحفية مصرية متخصصة في قضايا الاقتصاد والمناخ.
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- نقص الأسمدة في أستراليا يهدد المزارعين بخسائر كبيرة.. ما دور إمدادات الخليج؟ (تقرير)
-
المغرب يقود ثورة الأسمدة الخضراء.. خفض انبعاثات الغذاء أولوية عالمية
اقرأ أيضًا..





