ما هو البترودولار.. وحقيقة علاقته باستهداف رؤساء سابقين؟ (تقرير)
أحمد بدر

البترودولار أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في اقتصاد الطاقة العالمي؛ إذ يرتبط بعلاقات معقّدة بين النفط والدولار، ويُستعمل أحيانًا لتفسير أحداث سياسية كبرى، رغم أن جذوره في الأساس اقتصادية بحتة.
وكشف مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي عن الخلفيات الحقيقية لنشأة هذا المفهوم، موضحًا أن كثيرًا من الروايات المتداولة بشأنه تفتقر إلى الدقة، خاصة تلك التي تربطه بنظريات سياسية أو مؤامرات دولية.
وأشار إلى أن البترودولار تطور تاريخيًا نتيجة ظروف اقتصادية محددة، وليس نتيجة اتفاق سري، مؤكدًا أن إعادة تدوير عائدات النفط في الاقتصاد الأميركي كانت خيارًا عمليًا للدول النفطية، في ظل ضعف قدرتها على استيعاب تلك الأموال داخليًا.
وأضاف أن الجدل حول هذا المفهوم تصاعد مع انتشار تفسيرات تربطه بتسعير النفط بالدولار، أو بوصفه أداة هيمنة سياسية، رغم أن التحليل الاقتصادي البحت يكشف عن أن المسألة أكثر تعقيدًا، وترتبط بعوامل السوق والسيولة والثقة.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيّات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "هرمز: مستقبل الطاقة والبترودولار في ظل الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ".
إعادة تدوير عائدات النفط
قال أنس الحجي إن فكرة البترودولار نشأت مع إعادة تدوير عائدات النفط، حين اتجهت الدول الخليجية إلى استثمار فوائضها المالية في الولايات المتحدة، نتيجة ضعف اقتصاداتها المحلية وعدم قدرتها على استيعاب تلك الاستثمارات.
وأوضح أن هذه السياسة لم تكن حكرًا على دولة واحدة، بل شملت عددًا من الدول النفطية، التي وجدت في الاقتصاد الأميركي ملاذًا آمنًا لاستثمار الفوائض، خاصة في ظل محدودية الخيارات الاستثمارية داخليًا خلال تلك الفترة.
وأضاف أن البترودولار لم يكن نتيجة اتفاق سياسي، بل تطور طبيعي لظروف اقتصادية؛ إذ سعت الدول إلى تحقيق عوائد مستقرة، في وقت كانت فيه اقتصاداتها المحلية غير مهيّأة لاستيعاب تدفقات مالية ضخمة.

وأشار إلى أن الوضع تغيّر مع مرور الوقت، إذ تطوّرت اقتصادات الخليج بصورة ملحوظة، وارتفعت قدرتها على الاستثمار داخليًا وخارجيًا، ما أدى إلى تراجع أهمية إعادة تدوير الأموال بالصورة التقليدية.
وأكد الدكتور أنس الحجي أن مصطلح البترودولار بالمفهوم الضيق بدأ يضعف تدريجيًا، مع تنوع الاستثمارات وظهور أسواق جديدة، ما يعكس تحولًا في طبيعة الاقتصاد العالمي وتوزيع رؤوس الأموال.
وبيّن أن التعريف العام يشير إلى عائدات النفط بالدولار، في حين أن التعريف الأكاديمي يركّز على إعادة استثمار الفوائض في السندات الأميركية، وهو الفارق الذي يغفل عنه كثير من المتابعين.
ولفت مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة إلى أن فهم تطور البترودولار يتطلّب النظر إلى السياقَيْن التاريخي والاقتصادي، بعيدًا عن التفسيرات المبسطة أو النظريات التي تفتقر إلى الأدلة.
تسعير النفط بالدولار
إن الربط بين البترودولار وتسعير النفط بالدولار يُساء فهمه؛ إذ يعتقد البعض أن الأمر قرار سياسي، والحقيقة أن هناك شروطًا اقتصادية تجعل الدولار الخيار الأكثر ملاءمة لعملية التسعير.
يقول أنس الحجي، إن أول هذه الشروط هو السيولة؛ إذ تتطلّب تجارة النفط -كونها أكبر تجارة على مستوى العالم- عملة قادرة على استيعاب معاملات بمليارات الدولارات يوميًا، وهو ما لا يتوافر إلا في الدولار.
وأضاف أن البترودولار يرتبط في الوقت نفسه بعامل الثقة، إذ يُعدّ الدولار العملة الأكثر قبولًا عالميًا، حتى في الأسواق غير الرسمية، ما يجعله الخيار الطبيعي للتعاملات الكبرى، بما فيها تجارة الطاقة.

وأشار أنس الحجي إلى أن القبول العالمي للدولار يمنحه ميزة إضافية، إذ يمكن استعماله بسهولة في مختلف الأسواق، دون الحاجة إلى تحويلات معقّدة أو مخاطر سعرية كبيرة كما في العملات الأخرى.
وأكد أن البترودولار لا يمكن استبدال عملات أخرى به بسهولة، مثل اليوان أو اليورو، بسبب محدودية السيولة أو ارتباط بعضها بقرارات سياسية، ما يحدّ من مرونتها في الأسواق العالمية.
وبيّن أن عامل الذبذبة يؤدي دورًا مهمًا؛ إذ تحتاج تجارة النفط إلى عملة مستقرة نسبيًا، وهو ما لا يتوافر في العملات الرقمية أو حتى بعض العملات التقليدية ذات التقلّبات العالية.
وشدّد خبير اقتصادات الطاقة على أن اختيار الدولار لا يعكس هيمنة سياسية بقدر ما يعكس واقعًا اقتصاديًا؛ إذ تتوافر فيه الشروط اللازمة لتسعير أهم سلعة في العالم.
حقيقة استهداف صدام والقذافي
قال أنس الحجي إن ربط البترودولار باستهداف شخصيات، مثل صدام حسين أو معمر القذافي، يُعدّ من أكثر المفاهيم المغلوطة انتشارًا، مؤكدًا أن هذه الروايات تفتقر إلى الأساس الواقعي.
وأوضح أن ما يُقال عن أن صدام حسين قُتل بسبب تسعير النفط بغير الدولار غير صحيح، إذ إن العراق كان يخضع لبرنامج "النفط مقابل الغذاء"، وكانت عائداته تحت إشراف الأمم المتحدة.
وأضاف أن قصة البترودولار في الحالة العراقية تتعلّق بتحويل العملة من الدولار إلى اليورو لأغراض محاسبية، وليس بتغيير تسعير النفط، وهو قرار وافقت عليه الولايات المتحدة نفسها.

وأشار خبير اقتصادات الطاقة إلى أن هذه الخطوة جاءت بناءً على نصائح اقتصادية، بعد توقعات بتراجع الدولار وارتفاع اليورو، ما مكّن العراق من تحقيق مكاسب إضافية من فروق العملة.
وأكد أن الربط بين البترودولار واستهداف القذافي أيضًا غير منطقي، نظرًا إلى صغر حجم الاقتصاد الليبي مقارنة بالاقتصاد الأميركي، ما يجعل تأثيره المحتمل محدودًا للغاية.
وبيّن أن انتشار هذه الروايات يعود إلى سوء الفهم، أو إلى جهات تروّج لنظريات تخدم مصالح معينة، مثل الترويج للذهب أو العملات المشفرة على حساب الدولار.
واختتم أنس الحجي القول بأن تحليل الأحداث يجب أن يستند إلى الوقائع والبيانات، لا إلى الشائعات، مؤكدًا أن البترودولار مفهوم اقتصادي بالأساس، ولا يمكن اختزاله في تفسيرات سياسية مبسطة.
موضوعات متعلقة..
- اتفاقية البترودولار.. أنس الحجي يكشف حقيقة محضر اجتماع سعودي أميركي قبل 50 عامًا
- "البترودولار".. صندوق استثمار عراقي لدعم المحافظات المنتجة للنفط
اقرأ أيضًا..
- ملف خاص عن أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
- تقارير دورية وتغطيات لوحدة أبحاث الطاقة
- تغطية خاصة للحرب على إيران وتأثيراتها في أسواق الطاقة
المصدر..





