أمن الطاقة في بريطانيا.. هل تحققه استثمارات الطاقة المتجددة وحدها؟ (تقرير)
نوار صبح
يُعدّ أمن الطاقة في بريطانيا مسألة جوهرية في البلاد، التي تتميز بصناعاتها العريقة والمتنوعة، ولهذا تدور تساؤلات بشأن قدرة الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة وحدها على بلوغ هذا الهدف.
وتكشف الأزمات الجيوسياسية عن حقيقة انعدام أمن الطاقة في بريطانيا، وطريقة الدفاع عنه، إذ كان من المفترض أن تكون البلاد في أوج نجاحها بالتخلي عن الغاز، وسط وفرة من مصادر الطاقة المتجددة، التي قيل إنها أرخص بـ9 أضعاف من الغاز.
ولم يتبقّ لدى بريطانيا الكثير من الطاقة النووية، بعد أن تخلّت عن الفحم، لذا فإن جميع استثماراتها موجهة نحو الطاقة المتجددة، بحسب مقال طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
وكان من المفترض أن تكون بريطانيا الآن على الطريق الصحيح لنصبح قوة عظمى في مجال الطاقة النظيفة، معتمدة على الطاقة المحلية التي من شأنها خفض فواتير الكهرباء بمقدار 300 جنيه إسترليني (401.72 دولارًا)، وهو الرقم الذي أصبح شائعًا.
أسعار الكهرباء الصناعية في بريطانيا
يرى أستاذ السياسة الاقتصادية في جامعة أكسفورد البريطانية، ديتر هيلم، أنه لم يتحقق أيٌّ من هذا حتى الآن، فبريطانيا لديها أعلى أسعار للكهرباء الصناعية في العالم الصناعي، لذا لا تتطلع أيّ دولة أخرى لتتعلم منها طريقة محاكاتها.
ويضيف ديتر هيلم أنه على النقيض من ذلك، يتساءل الجميع عن طريقة وصول بريطانيا إلى هذا الوضع، فقد تبيَّن أن البلاد تعتمد اعتمادًا كليًا على سلاسل التوريد الأجنبية لتوفير الطاقة المتجددة وشبكات النقل والبطاريات اللازمة للتعامل مع هذا الإنتاج المتقطع.
ويقول، إنه اتّضح أن البلاد تحتاج إلى ضعف القدرة (120 غيغاواط وما زال العدد في ازدياد)، وضعف الشبكة، وجميع البطاريات وأنظمة تخزين الكهرباء، بالإضافة إلى المزيد من خطوط الربط البيني لتلبية ذروة الطلب على الكهرباء الثابتة البالغة 45 غيغاواط، التي كانت تلبّيها بسهولة بقدرة 60 غيغاواط فقط.
ويضيف أنه بعد التخلّي عن الفحم، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة منخفضة الكثافة والموزعة جغرافيًا، تبيَّن أن بريطانيا أصبحت أكثر اعتمادًا على الغاز لتحقيق أمن الطاقة.

هشاشة أمن الطاقة في بريطانيا
يشير أستاذ السياسة الاقتصادية في جامعة أكسفورد البريطانية، ديتر هيلم، إلى أنّ توقُّف إيران عن شحنات الغاز المسال من مضيق هرمز، والهجمات على قطر، تكشف مدى هشاشة أمن الطاقة في بريطانيا، موضحًا أن البلاد لا تشتري الغاز المسال من قطر.
ويتساءل هيلم عن سبب تضرُّر بريطانيا أكثر من الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية وتايوان، التي تستورد جميعها كميات كبيرة من الغاز من قطر.
ويقول، إن بريطانيا لا تعتمد كثيرًا على نفط الخليج العربي، مقارنةً بالصين (40% من نفطها يمر عبر مضيق هرمز)، والهند (15%)، واليابان وكوريا الجنوبية (12% لكل منهما).
ويُذكَر أن الصين والهند واليابان لديها كميات قليلة من الغاز أو النفط.
وتمتلك الصين والهند كميات هائلة من الفحم، حيث تستهلك الصين أكثر من 55% من إجمالي إنتاج الفحم في العالم، وتعمل على بناء محطات توليد كهرباء تعمل بالفحم بقدرة 400 غيغاواط إضافية - كهرباء ثابتة بالكامل، وفقًا لما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
يأتي ذلك على عكس طاقة الرياح الصينية (بمعدل حمل يبلغ نحو 24%) والطاقة الشمسية (بمعدل حمل يبلغ نحو 20%).

احتياطيات النفط والغاز في بحر الشمال
يرى أستاذ السياسة الاقتصادية في جامعة أكسفورد البريطانية، ديتر هيلم، أنه كان من المفترض أن تكون بريطانيا في وضع أفضل بكثير.
ويشير إلى أن بريطانيا تمتلك احتياطيات من النفط والغاز في بحر الشمال، وأن النرويج المجاورة توفّر لها أكثر من 30% من احتياجاتها من الغاز، وتتمتع بتيارات رياح جيدة في بحر الشمال.
وأكد هيلم أن بريطانيا لا تُصنّف ضمن الدول العظمى في مجال الطاقة في العالم: الولايات المتحدة.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة تُعدّ أكبر منتج للنفط في العالم بفارق شاسع، وقد حوّلها غازها الصخري من مستورد رئيس للغاز المسال القطري إلى أول دولة مكتفية ذاتيًا من غازها الصخري، وفي السنوات الـ10 الماضية أصبحت أكبر مُصدّر للغاز المسال في العالم.
وقبل 10 سنوات، لم تكن تُصدّر الغاز؛ وقبل 20 عامًا، لم تكن ثورة الغاز الصخري قد بدأت بعد.
معاناة بريطانيا من أزمة الطاقة الراهنة
يتساءل أستاذ السياسة الاقتصادية في جامعة أكسفورد البريطانية، ديتر هيلم، عن سبب معاناة بريطانيا من أزمة الطاقة الراهنة، ويشير إلى أن جزءًا من الإجابة يكمن في سياساتها المتعلقة بالغاز.
ويدعو هيلم إلى اجتناب الشعارات المبسطة بشأن التخلّي عن الغاز، وإلى إدراك أن بريطانيا ستظل معتمدة عليه عقدين آخرين على الأقل، وربما أكثر.
ويقول، إنه بسبب مزيج الطاقة المُختار (لا فحم، وتراجع سريع للطاقة النووية، واعتماد كبير على مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة)، ستحتاج بريطانيا إلى الغاز لضمان إمدادات كهربائية ثابتة.
ويرى أنه بغضّ النظر عن الخطابات السياسية الصادرة عن وزارة أمن الطاقة والحياد الكربوني البريطانية، فهذه حقيقة واقعة.
ويتضح ذلك جليًا في سيناريوهات هيئة تشغيل نظام الكهرباء الوطني "إن إي إس أوه" (NESO)، إذ يظهر الغاز عنصرًا أساسًا في سياسات الطاقة المتجددة.
فالأمر لا يتعلق باستبدال الغاز بمصادر الطاقة المتجددة، بل بدمجها مع الغاز.
ويؤكد هيلم أن أمن الطاقة في بريطانيا يعتمد على الغاز، تمامًا كما يعتمد على سلاسل التوريد الأجنبية للمعادن الحيوية، خصوصًا العناصر الأرضية النادرة، وعلى جميع الألواح الشمسية وتوربينات الرياح المصنّعة في الصين وغيرها.
وقد اتضح أن سياسات الطاقة في البلاد أضعفت أمن الطاقة محليًا، بل الأسوأ من ذلك، أنها أضعفت الصناعات الدفاعية، وعرّضت بريطانيا لخطر انقطاع إمدادات الطاقة نتيجة قطع العديد من خطوط الربط التي تحتاج إليها الآن لضمان استمرار التيار الكهربائي.
فيما يتعلق بالأولى، أدت أسعار الكهرباء المرتفعة إلى سلسلة من عمليات الانسحاب من الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، في وقت قصير.
واختفت مصفاة غرينجموث في إسكتلندا، وأخرى في مدينة هال، ومعظم صناعة الصلب، وصناعة الأسمدة، وصناعة الألياف الزجاجية.
ويوضح أن قدرة البلاد على إنتاج البتروكيماويات والوقود المكرر أصبحت تعتمد بشكل أكبر على الواردات، إذ لا تمتلك كميات وجودة الصلب اللازمة للتوسع العسكري السريع.
فيما يتعلق بالنقطة الثانية، يصعب تصوُّر طريقة لجعل بريطانيا أكثر عرضة لقوّة معادية، ولنقل روسيا.
وقال ديتر هيلم، إن خط أنابيب واحد يُؤمّن 30% من إمدادات بريطانيا من الغاز (من النرويج)، ولا تملك البلاد فعليًا أيّ مخازن للغاز، وتُعدّ الكابلات هدفًا سهلًا للقطع.
من ناحية ثانية، تُشكّل مزارع الرياح في بحر الشمال أهدافًا مثالية لأسراب الطائرات المسيّرة، السلاح المُفضّل في الهجمات العدوانية.
ورغم كل هذا، لا تملك بريطانيا سوى سفينة واحدة تقريبًا تُسيّر دوريات على هذه البنية التحتية البحرية.
ويؤكد هيلم أن سياسة دفاعية سليمة تضمن دعمًا صناعيًا محليًا واسع النطاق لسلسلة الإمداد الدفاعي.
وقد تسعى هذه السياسة إلى توفير أسعار كهرباء طويلة الأجل بتكاليف تنافسية، ما يُبرز أهمية وجود قوة بحرية قادرة على حماية بنيتها التحتية البحرية.

الركيزة الأساسية لسياسة الطاقة
يدعو أستاذ السياسة الاقتصادية في جامعة أكسفورد البريطانية، ديتر هيلم، إلى أن يكون الأمن هو الركيزة الأساسية لسياسة الطاقة، فلا فائدة من تبنّي سياسة "خضراء" إذا لم يكن بالإمكان الدفاع عن الوطن.
وفي الحالة البريطانية، يؤكد هيلم أهمية سياسة أمن الغاز، لا مجرد التذمّر المستمر من التخلّي عن هذا الوقود.
ويؤكد الحاجة إلى الغاز لمدة طويلة مقبلة، لأنه عنصر أساس في إستراتيجية الطاقة المتجددة.
ويوضح أن الأمر ليس صراعًا بين الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة، بل هو مزيج من الاثنين، وسيظلّ كذلك.
ويرى هيلم أن تتألف سياسة الغاز من عدّة جوانب: تأمين إمدادات كافية من الغاز؛ وتوفير سعة تخزين كافية لمواجهة الصدمات.
يضاف إلى ذلك توفير إطار اقتصادي لتوليد الكهرباء من الغاز يراعي تأثير انقطاع إمدادات طاقة الرياح والطاقة الشمسية على الطلب على الكهرباء المولدة بالغاز، وقوة دفاعية قادرة على حماية البنية التحتية للغاز البحري.
ويرى هيلم أنه بالنظر إلى توقعات استهلاك كميات كبيرة من الغاز لمدة طويلة مقبلة، فمن غير المنطقي إغلاق باب تطوير احتياطيات الغاز البريطانية في بحر الشمال، ومعاقبة الإنتاج الحالي بضرائب باهظة.
ويُنظَر إلى النهج المناهض للنفط والغاز في بحر الشمال على أنه مزيج من الأيديولوجيا والمصلحة الآنية، وتنبع هذه الأيديولوجية من بساطة فكرة أن بريطانيا قادرة على الاستمرار بصفتها قوة اقتصادية عالمية كبرى بالاعتماد بشكل كبير على طاقة الرياح والطاقة الشمسية، مع أمل في تطوير الطاقة النووية مستقبلًا.
يبدو أن الهدف هو أن تكون بريطانيا أول دولة تعتمد بشكل كبير على مصادر الطاقة المتجددة، وبأسرع وقت ممكن.
ويؤكد هيلم أنها أيديولوجية تقدّمية تفتقر إلى الأدلة الداعمة لها، ولا تُحقق فائدة بيئية تُذكَر، وهذا رهان محفوف بالمخاطر، ويزيد الانبعاثات باستعمال الغاز المسال الأميركي الملوث، المستخرج من الصخر الزيتي، الذي يُنقَل عبر خطوط أنابيب الغاز في بحر الشمال.
وتنشأ هذه الضرورة نتيجةً للوضع المالي الحرج الذي تعاني منه بريطانيا، فهي بحاجة ماسّة إلى المال، ومن ثم يمكنها تبرير فرض ضرائب أعلى.
موضوعات متعلقة..
- أمن الطاقة في بريطانيا يتأرجح بين التزاماتها المناخية وفشل المصادر المتجددة (تقرير)
- موارد الطاقة في بحر الشمال.. ضرائب بريطانيا الاستثنائية تعصف بالاستثمارات
- تحويل المخلفات إلى كهرباء يثير مخاوف بيئية في بريطانيا.. هل يستمر؟ (تقرير)
نرشّح لكم..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
المصدر:





