كيف يجعل مضيق هرمز "الهيليوم" أخطر من النفط والغاز؟ (تقرير)
أحمد بدر

في قلب التحولات الجيوسياسية، يبرز مضيق هرمز بوصفه شريانًا عالميًا يتجاوز دوره التقليدي في نقل النفط والغاز، ليكشف عن أبعاد أكثر تعقيدًا ترتبط بسلاسل الإمداد الصناعية والتكنولوجية، وسط صراع دولي محتدم على الموارد الحيوية.
وقال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن العالم يواجه مرحلة جديدة من الصراعات الاقتصادية، حيث لم تعد الطاقة التقليدية وحدها العامل الحاسم، بل ظهرت مواد إستراتيجية جديدة تدخل في صلب التنافس الدولي.
وأوضح أن أهمية مضيق هرمز لم تعد مقتصرة على صادرات الخام، بل أصبحت تمتد إلى مواد حساسة تدخل في الصناعات المتقدمة، وهو ما يرفع من مستوى المخاطر العالمية في حال حدوث أيّ اضطرابات في حركة الملاحة.
وأشار إلى أن التداعيات المحتملة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى تعطّل قطاعات صناعية وزراعية وتكنولوجية كاملة، وهو ما يفسّر حالة القلق المتزايد في الأسواق العالمية خلال الآونة الأخيرة.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي عبر مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان: "مضيق هرمز: مواجهة ترمب وإيران تهدد الاقتصاد العالمي بصدمة غير مسبوقة".
الهيليوم والذكاء الاصطناعي
ربط أنس الحجي بين الهيليوم والذكاء الاصطناعي قائلًا، إن مضيق هرمز يتحكم في نحو 35% من تجارة الهيليوم عالميًا، موضحًا أن هذه النسبة تبدو محدودة ظاهريًا، لكنها ترتفع بشكل كبير في آسيا، حيث يتجاوز الاعتماد على الإمدادات القطرية 95%.
وأوضح أن الهيليوم عنصر أساس لا يمكن الاستغناء عنه في تصنيع الرقائق الإلكترونية، التي تمثّل البنية التحتية لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل أيّ خلل في الإمدادات تهديدًا مباشرًا للتطور التكنولوجي العالمي.
وأشار إلى أن التركيز الأميركي على الذكاء الاصطناعي يأتي ضمن إستراتيجية طويلة الأمد تقودها مؤسسات الدولة العميقة، التي تسعى للحفاظ على تفوق الولايات المتحدة في هذا المجال الحسّاس خلال السنوات المقبلة.

وبيّن خبير اقتصادات الطاقة أن هذه الإستراتيجية تعتمد على توفير طاقة رخيصة محليًا داخل الولايات المتحدة، مقابل رفع تكاليفها على المنافسين، ما يمنحها أفضلية كبيرة في تطوير الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة.
وأضاف أن مضيق هرمز يمثّل نقطة ضعف رئيسة في هذه المعادلة، لأنّ تعطُّل إمدادات غاز الهيليوم من خلاله ينعكس فورًا على توفُّره عالميًا، ومن ثم على إنتاج الرقائق الإلكترونية التي تعتمد عليها الاقتصادات الصناعية.
وأكد أن استهداف مصانع إنتاج الهيليوم في آسيا، إلى جانب تعطُّل الإمدادات، يشير إلى وجود توجُّه لإعادة توطين هذه الصناعة داخل الولايات المتحدة، بما يعزز من سيطرتها على سلاسل التوريد العالمية.
وشدد على أن غاز الهيليوم أصبح في بعض الحالات أكثر خطورة من النفط والغاز، نظرًا لدوره المباشر في تحديد مستقبل التكنولوجيا، وليس فقط في تشغيل الاقتصادات التقليدية المعتمدة على الوقود الأحفوري.
تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا
قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، إن مضيق هرمز يمرّ عبره نحو 33% من تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا عالميًا، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في استقرار الإنتاج الزراعي، خاصةً في الدول ذات الكثافة السكنية العالية مثل الهند.
وأوضح أن الهند تعتمد على دول الخليج في توفير ما يصل إلى 24% من وارداتها من الأسمدة، وهو ما يجعل أيّ اضطراب في الإمدادات تهديدًا مباشرًا لإنتاجها الزراعي، ومن ثم لأمنها الغذائي خلال المواسم المقبلة.
وأشار إلى أن الأزمة لا تتوقف عند واردات الهند من الأسمدة فحسب، بل تمتد إلى الإنتاج المحلي، حيث تعتمد المصانع على الغاز والسوائل الغازية القادمة من الخليج، ما يجعل التأثير مزدوجًا على القطاع الزراعي.

وأضاف أنس الحجي أن توقيت الأزمة تزامن مع بداية الموسم الزراعي، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة التوقيت، خاصةً مع وجود احتياطي استراتيجي يكفي لموسم واحد فقط دون ضمان استمرار لاحق.
وبيّن أن مضيق هرمز يؤدي دورًا محوريًا في هذه الأزمة، لأن أيّ تعطُّل في تدفُّق الإمدادات من خلاله سيؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وزيادة الاعتماد على الواردات في ظل ظروف سوق معقّدة.
وأكد أن هذه التطورات قد تدفع إلى إعادة تشكيل العلاقات التجارية، خاصةً مع سعي الولايات المتحدة لفتح الأسواق الزراعية، في وقت تواجه فيه بعض الدول صعوبات في تأمين احتياجاتها الأساسية.
وشدد الدكتور أنس الحجي على أن التأثيرات لن تكون محلية فقط، بل ستنعكس على الأسواق العالمية، من خلال ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة الضغوط الاقتصادية على الدول النامية بشكل واضح خلال المدة المقبلة.
ثلث تجارة الميثانول عالميًا
أوضح أنس الحجي أن مضيق هرمز يتحكم في نحو 32% -أي ما يوازي ثلث تجارة الميثانول عالميًا-، وهو عنصر أساس في العديد من الصناعات، بما في ذلك الوقود الحيوي الذي يمثّل بديلًا مهمًا للوقود التقليدي.
وأشار إلى أنّ تعطُّل الإمدادات القادمة من خلال المضيق يؤثّر مباشرةً في الدول المنتجة للوقود الحيوي، مثل إندونيسيا وماليزيا، رغم امتلاكهما فرصًا كبيرة لتعويض نقص النفط عبر التوسع في هذا النوع من الوقود.
وأضاف أن المفارقة تكمن في أن إنتاج الوقود الحيوي نفسه يعتمد على الميثانول، وهو الأمر الذي يجعل الأزمة تضرب هذا القطاع من الداخل، وتحدّ من قدرته على الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة.
وبيّن خبير اقتصادات الطاقة أن هذه العلاقة المعقّدة تعكس ترابط أسواق الطاقة، حيث لا يمكن فصل النفط عن المشتقات الأخرى، التي تدخل في صناعات متعددة تمتد من الزراعة إلى التكنولوجيا والصناعة الثقيلة.
وأكد أن مضيق هرمز يمثّل نقطة التقاء لسلاسل إمداد هذه المواد المهمة عالميًا، إذ تمرّ عبره مواد حيوية تؤثّر في مختلف القطاعات، وليس فقط النفط والغاز، كما يعتقد بعضهم في التحليلات التقليدية.
وأشار أنس الحجي إلى أن الولايات المتحدة قد تكون من أبرز المستفيدين، نظرًا لقدرتها الإنتاجية في مجال الوقود الحيوي، إضافة إلى الدعم الحكومي الكبير الذي يحظى به هذا القطاع داخلها.
وشدد على أن تعقيدات المشهد الحالي تكشف عن تحولات عميقة في أسواق الطاقة العالمية، حيث أصبحت المواد المرتبطة بالصناعة والتكنولوجيا تؤدي دورًا متزايدًا في تحديد موازين القوى الاقتصادية عالميًا.

أقوى صناعات الوقود عالميًا
قال أنس الحجي، إن الولايات المتحدة تمتلك واحدة من أقوى صناعات الوقود الحيوي عالميًا، وهي صناعة مدعومة بقوة من مجلس الشيوخ وعدد من أعضاء الكونغرس، كما تسعى للتوسع في التصدير حتى إلى دول رائدة، مثل البرازيل.
وأشار إلى أن المفارقة تكمن في أن أبرز السلع التي تُصدَّر من الخليج، مثل الهيليوم والأسمدة والميثانول والنفط والغاز، تقابلها هيمنة أميركية واضحة على إنتاج هذه المواد عالميًا، ما يعكس توازنًا معقّدًا في خريطة الطاقة والصناعة.
وبيّن أنس الحجي أن السوائل الغازية تختلف عن الغاز المسال، إذ تشكّل عنصرًا أساسيًا في الصناعات، لافتًا إلى أن نحو 73% من تجارة هذه السوائل المنقولة بحرًا عالميًا تمرّ عبر مضيق هرمز، ما يبرز أهميته الإستراتيجية.
وأوضح أن هذه السوائل تدخل في معظم تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من الملابس والأجهزة الإلكترونية، وصولًا إلى مختلف المنتجات المحيطة بالإنسان، ما يجعلها مكونًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه في الاقتصاد الحديث.
وأضاف أن الاعتماد على هذه المواد لا يتوزع بالتساوي عالميًا، إذ تتركز نسبة كبيرة من استهلاكها في آسيا، حيث يعتمد جزء كبير من احتياجات القارة على الإمدادات القادمة عبر مضيق هرمز.
وأكد أن الولايات المتحدة تُعدّ من أكبر المنتجين والمصدرين للسوائل الغازية عالميًا، وهو ما يمنحها موقعًا متقدمًا في هذه السوق، ويعزز قدرتها على التأثير في توازنات الطاقة والصناعة عالميًا.
موضوعات متعلقة..
- تفاصيل إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والغاز.. ومعلومات غير متداولة
- من يُروج لإغلاق مضيق هرمز.. وهل تعطله إيران بالفعل؟ (تقرير)
- هل زادت مخزونات النفط العالمية.. وما سر الـ6 ملايين برميل الإيرانية؟ (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- تكلفة انقطاع الغاز الإسرائيلي عن الأردن.. وتعرفة الكهرباء (تعليق رسمي)
- أوابك تكشف حجم احتياطيات النفط والغاز في الدول العربية (رسوم بيانية)
- الطاقة الحيوية في سلطنة عمان.. خطط تدعم أمن الإمدادات وخفض الانبعاثات
المصدر:





