أوابك تكشف تأثيرات حرب إيران في اقتصادات الدول العربية.. و3 حلول لتفادي الأزمة

كشفت دراسة حديثة صادرة عن منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول "أوابك"، عن تأثير حرب إيران على اقتصادات عدد من الدول العربية، في ظل توقف الصادرات عبر مضيق هرمز.
واستعرضت الدراسة -التي أعدّها خبير النفط المهندس تركي حسن حمش، واطلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)- التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي في عام 2026، في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بإيران، وما نتج عنها من تداعيات مباشرة على الاقتصادات العربية وأسواق الطاقة الدولية.
وكشفت دراسة "أوابك" أن الأزمة الحالية تمثل منعطفًا تاريخيًا يختلف جذريًا عن الأزمات السابقة، سواء من حيث طبيعتها أو تأثيراتها، إذ لم تعد مجرد أزمة نفط تقليدية، بل تحوّلت إلى أزمة مركبة تضرب منظومة الطاقة العالمية في عمقها، وتضع الدول العربية أمام تحديات غير مسبوقة.
تحولات جذرية
أكدت أوابك أن ما يشهده العالم في 2026 لا يمكن مقارنته بشكل مباشر بأزمات 1979 أو 2008، أو حتى جائحة كورونا في 2020، إذ كانت تلك الأزمات ترتبط بعوامل منفصلة، مثل نقص الإمدادات أو انهيار الطلب، في حين أن الأزمة الحالية تجمع بين عدة صدمات في آن واحد.
ففي الوقت الذي يسعى فيه العالم إلى التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة مثل الهيدروجين والكهرباء، جاءت التوترات الجيوسياسية لتعطّل المسار، من خلال تهديد أمن إمدادات الوقود الأحفوري، ورفع تكاليف تمويل مشروعات الطاقة المتجددة بسبب ما يُعرف بـ"التضخم الأخضر"، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد.

واستعرض المهندس حمش مظاهر الاختلاف بين الأزمة الحالية مقارنة بعام 2008، وهو ما يتمثل في طبيعة الطلب على الطاقة، إذ لم يعد مقتصرًا على القطاعات الصناعية والمنازل، بل أصبح مدفوعًا بشكل متزايد بمراكز البيانات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو طلب يصعب تراجعه حتى في فترات الركود، ما يضاعف الضغوط على موارد الطاقة.
وأشار إلى أن مقارنة الوضع الحالي بعام 2020، فتوضح الدراسة أن أزمة كورونا كانت نتيجة توقف النشاط الاقتصادي العالمي، في حين أزمة 2026 نشأت بسبب تعطل ممر إستراتيجي واحد، ما يؤكد أن الجغرافيا السياسية لا تزال عاملًا حاسمًا في تشكيل الاقتصاد العالمي.
وتُظهر الدراسة مقارنة واضحة بين الأزمات الكبرى:
- 1979: صدمة عرض بسبب نقص حاد في الإمدادات.
- 2008: صدمة طلب نتيجة انهيار الاقتصاد العالمي.
- 2020: توقف شامل للنشاط بسبب الجائحة.
- 2026: صدمة مركبة تشمل الإمدادات واللوجستيات وإغلاق الممرات.
كما تميزت أزمة 2026 بتسجيل أسعار قياسية، إذ تجاوزت بعض الخامات 153 دولارًا للبرميل، في حين كان التأثير على النمو العالمي أكثر تعقيدًا، إذ يهدد اقتصادات الدول المنتجة والمستهلكة في آن واحد.
معضلة الطاقة الثلاثية
أشارت دراسة أوابك إلى أن العالم يواجه ما يُعرف بـ"معضلة ثلاثية الطاقة"، التي تشمل:
- الاستدامة البيئية.
- العدالة في توزيع الطاقة.
- أمن الطاقة.
لكن مع تصاعد التوترات في الخليج منذ 28 فبراير/شباط 2026 تحوّل التركيز نحو أمن الطاقة، خاصة بعد تعطل جزئي في الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
ويُعد مضيق هرمز محور الأزمة الحالية، إذ يمر عبره نحو 15 مليون برميل نفط يوميًا، و5 ملايين برميل يوميًا من المشتقات والغاز المسال.
وشددت الدراسة على أن تقييد الملاحة في مضيق هرمز أدى إلى اضطرابات كبيرة في الإمدادات، انعكست بصورة مباشرة على الأسواق العالمية، خاصة في آسيا.
وتعتمد دول مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على هذا الممر لتلبية 75% من احتياجاتها النفطية، و59% من احتياجاتها من الغاز المسال.
أسعار النفط
استعرضت الدراسة تأثير الأزمة على أسعار النفط العالمية، إذ سجلت الأسواق العالمية ارتفاعات حادة خلال مارس/آذار 2026.
وصعد خام غرب تكساس: 98.32 دولارًا للبرميل (عقود مايو/أيار)، في حين ارتفع خام برنت إلى 103.23 دولارًا في 13 مارس/آذار 2026 مقابل 70.82 دولارًا في 2025.
وسجل خام مربان الإماراتي نحو 146.4 دولارًا في 22 مارس/آذار، في حين قفز خام التصدير الكويتي إلى 153.22 دولارًا للبرميل مقابل 68.7 دولارًا قبل الأزمة.
وأرجعت الدراسة الارتفاع الكبير في أسعار النفط -خاصة الخامات العربية- إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

ولم تتوقف الأزمة عند الأسعار فقط، بل أجبرت التطورات بعض الدول على اتخاذ إجراءات احترازية، إذ أعلنت مؤسسة البترول الكويتية خفضًا مؤقتًا في الإنتاج والتكرير ضمن خطة لإدارة المخاطر.
كما أعلنت قطر للطاقة حالة القوة القاهرة على عدد من شحنات الغاز المسال، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا وآسيا إلى أعلى مستوياتها منذ 2023.
ولا تقتصر التحديات على الجوانب الاقتصادية، بل تمتد إلى تحديات هندسية معقدة، تشمل:
- ترسب الشمع والأسفلت داخل الآبار.
- انسداد المسام نتيجة هجرة الحبيبات.
- تكوّن القشور والتآكل بسبب الغازات الحامضية مثل ثاني أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين، وهي عوامل تزيد من صعوبة استعادة الإنتاج الطبيعي لاحقًا.
وتكشف دراسة أوابك عن مفارقة مهمة رغم ارتفاع أسعار النفط، إذ تواجه بعض الدول عجزًا ماليًا:
- السعودية: عجز متوقع 165 مليار ريال (43.97 مليار دولار).
- الكويت: 9.8 مليار دينار (31.77 مليار دولار).
- قطر: 21.8 مليار ريال (5.98 مليار دولار).
ويعود ذلك إلى ضخامة الإنفاق على مشروعات التنويع الاقتصادي، إذ تمثل الإيرادات النفطية نحو 79% من إيرادات الكويت، و77.9% من إيرادات قطر، ما يجعل الميزانيات شديدة الحساسية لتقلبات الأسعار.
بدائل محدودة
أشارت دراسة أوابك إلى أنه رغم امتلاك بعض الدول العربية بدائل مثل خطوط الأنابيب، إذ تمتلك السعودية قدرات عبر خطوط الأنابيب من 5 إلى 7 ملايين برميل يوميًا، والإمارات نحو 1.8 مليون برميل يوميًا، فإن هذه القدرات لا تستطيع تعويض نحو 20 مليون برميل يوميًا تُصدر عبر الخليج.
وأوضحت الدراسة أن تعطل الإمدادات يأتي في وقت تشهد خريطة الطاقة العالمية تحولًا واضحًا نحو آسيا، إذ تشير التقديرات إلى أن الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ستقود كامل نمو الطلب في 2026، بقيادة الصين والهند.
وحافظت الدول العربية، خاصة ضمن تحالف أوبك+، على انضباط إنتاجي خلال 2025 و2026، ما أسهم في تحقيق توازن السوق.
وشددت دراسة أوابك على أن عملية التحول إلى الطاقة النظيفة تواجه عدة تحديات في ظل استمرار حرب إيران، تتمثل في ارتفاع تكلفة التمويل، وتركز المعادن الحيوية في دول محددة، وزيادة أسعار مكونات الطاقة المتجددة بأكثر من 30%.
كما يبرز جدل حول "عدالة التحول"، في ظل فجوة بين دول الشمال التي تدفع للتحول السريع، ودول الجنوب التي تعتمد على النفط لتحقيق التنمية.
وأكدت بيانات أوابك استمرار العلاقة الوثيقة بين النمو الاقتصادي واستهلاك الطاقة، إذ يُتوقع نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3% سنويًا حتى 2045، ليصل إلى 224–228 تريليون دولار.
3 مقترحات للأزمة
في ضوء التحديات، طرحت أوابك 3 حلول ومقترحات رئيسة:
- الاستثمار في زيادة سعة خطوط الأنابيب العابرة للقارات (مثل خط أنابيب شرق-غرب في السعودية) لتقليل الاعتماد المطلق على مضيق هرمز.
- استغلال الفوائض المالية الناتجة عن القفزة السعرية الحالية (فوق 150 دولارًا) لتعزيز صناديق الثروة السيادية، بوصفها صمام أمان ضد التذبذبات المتوقعة عند عودة حرية الملاحة بصورة فعلية في المضيق. فعلى الرغم من وصول الأسعار إلى مستويات قياسية، فإن ميزانيات بعض الدول العربية المنتجة لعام 2026 ما تزال تسجل عجزًا تقديريًا بسبب ضخامة الاستثمارات في مشروعات التنويع الاقتصادي والبنية التحتية.
- إمكان تكامل تخزين النفط والمشتقات النفطية بين الدول العربية، بوصفه خطوة إستراتيجية لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي عبر شبكة تخزين مرنة تواجه تقلبات الأسواق العالمية أو الأزمات الجيوسياسية، وهو ما يمكن أن يسهم في خفض التكاليف التشغيلية من خلال توزيع المخزون جغرافيًا، وتجنب بناء مرافق تخزين ضخمة ومنفردة لكل دولة، ما يتيح استغلال الفائض عند بعض الدول لسد العجز لدى أخرى.
وشددت الدراسة على أن وجود منظومة تخزين مشتركة يسهل عمليات التبادل التجاري النفطي بين الدول العربية، ويعزز من قدرتها التنافسية بوصفها كتلة اقتصادية واحدة في السوق العالمية.
وتؤكد الدراسة أهمية أن تقود الدول العربية خطابًا دوليًا يوازن بين حماية البيئة، وحق الدول النامية في التنمية، مع ضرورة التركيز على تمويل تقنيات خفض الانبعاثات بدلًا من تقييد تمويل الوقود الأحفوري.
موضوعات متعلقة..
- أول تصريحات أمين عام أوابك الجديد.. ماذا قال عن مضيق هرمز؟
- أوابك تكشف تأثير وقف قطر إنتاج البتروكيماويات في الأسواق العالمية (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- الطاقة الحيوية في سلطنة عمان.. خطط تدعم أمن الإمدادات وخفض الانبعاثات
- الطاقة المتجددة في الصين.. إستراتيجيات خضراء تعزّز النمو وتخفّض الانبعاثات (تقرير)
- الأردن قد يلجأ إلى مخزونات الوقود الإستراتيجية.. ومحادثات مع دول عربية





