أزمة مضيق هرمز فرصة لبدائل مثل الهيدروجين.. وميزة إستراتيجية لسلطنة عمان (حوار)
داليا الهمشري

مع استمرار إغلاق أو تقييد الحركة عبر مضيق هرمز في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط، يدور الحديث حول تنويع مصادر الطاقة واستقرار الإمدادات عالميًا.
ومع تفاقم المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط لبعض الدول على النفط والغاز والفحم، لم يعد التحول التدريجي إلى الطاقة النظيفة مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة إستراتيجية لتعزيز مرونة منظومة الطاقة العالمية وتقليل التعرض للصدمات.
وفي هذا السياق، يرى المدير التنفيذي لقطاع الهيدروجين في شركة شارت إندستريز، صلاح مهدي، أن العالم دخل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"السيادة الطاقية"، حيث لم يعد الصراع بين الطاقة النظيفة والتقليدية هو المحرك الرئيس، بل أصبح التركيز على تأمين الإمدادات واستقرارها.
وأوضح في حوار مع منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن) أن أزمة مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز عالميًا، كشفت هشاشة النظام الحالي المعتمد على مسارات محدودة، ما يعزز الحاجة إلى بدائل أكثر مرونة مثل الهيدروجين.
ويتمتع الهيدروجين بميزة إستراتيجية تتمثل في إمكان إنتاجه في أيّ مكان تتوافر فيه مصادر الطاقة، سواء كانت متجددة أو نووية، وهو ما يقلل الاعتماد على الممرات الجغرافية الحسّاسة، حسب تصريحات "مهدي".
وأشار إلى أن هذا النموذج يتيح للدول بناء منظومات طاقة موزعة، قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، مقارنة بالوقود الأحفوري الذي يظل عرضة للتقلبات والصراعات.
وفيما يلي نص الحوار الذي يركّز على انعكاسات الأزمة الحالية على مستقبل قطاع الهيدروجين الأخضر:
مع تصاعد وتيرة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا حول مضيق هرمز، كيف ترون مشهد الطاقة العالمي حاليًا؟
لقد تجاوزنا مرحلة عَدّ "تحول الطاقة" مجرد هدف بيئي بحت، نحن اليوم نعيش عصر "السيادة الطاقية".
إن إغلاق مضيق هرمز -وهو الشريان الذي يمرّ عبره 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا- كشف بوضوح عن هشاشة نظامنا الحالي.
لم يعد النقاش مقتصرًا على الطاقة "الخضراء" مقابل "التقليدية"، بل أصبح يتمحور حول الطاقة "المؤمَّنة" مقابل "المهدَّدة"، وبات الهيدروجين اليوم هو الأداة الرئيسة لكسر "فخ الوقود الأحفوري".
لقد شهدنا مواقف مشابهة من قبل، ولكن في كل مرة يتأكد لنا أن النظام الذي يعتمد اعتمادًا مفرطًا على مسارات محدودة هو نظام ضعيف بطبعه.
ماذا يعني هذا الوضع تحديدًا بالنسبة لقطاع الهيدروجين؟
من وجهة نظري، هذا الوضع يعزز الحجة لصالح الهيدروجين بشكل كبير، فمرونة الهيدروجين واستقلاله الجغرافي يجعلانه ضرورة قصوى؛ فخلاف النفط والغاز، يمكن إنتاج الهيدروجين أينما وجدت الطاقة المتجددة (شمس، رياح، طاقة مائية) أو حتى الطاقة النووية، وهذا يقلل الاعتماد على ممرات إمداد وحيدة.
وتؤكد التوترات الحالية أن إنتاج الطاقة الموزع لم يعد خيارًا ثانويًا، بل يمكن للهيدروجين أن يوفر شبكة من خيارات الإمداد تساعد الدول على عزل نفسها عن الصدمات الجيوسياسية.
يبدو أن بعض الدول استشعرت هذا التحول مبكرًا.. في مقابلة سابقة لكم مع "الطاقة" العام الماضي، أشرتم إلى الإستراتيجية الصينية بصفتها نموذجًا، هل يمكنك توضيح ذلك؟
تمامًا، لقد أدركت الصين هذه المخاطر قبل معظم الدول الأخرى، واستثمرت في الطاقة المتجددة على نطاق واسع، وفي إنتاج الهيدروجين والبنية التحتية التي تقلل الاعتماد على الواردات.
وكما أشار الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت إيغور سيتشين العام الماضي، فإن الصين "تتحرك بثبات نحو الاستقلال التام في مجال الطاقة" وقد تصبح مصدرًا رئيسًا لها في المستقبل المنظور.
هذا ليس مجرد خطاب، بل يعكس إستراتيجية منسقة طويلة الأمد للسيطرة على سلاسل توريد الطاقة وبناء مرونة ضد الاضطرابات العالمية، فنهج الصين هو مثال واضح على "كيف يمكن للسياسات والتكنولوجيا والتخطيط الصناعي أن تحدّ من مخاطر أمن الطاقة".

كيف يعالج الهيدروجين تحديدًا الثغرات الأمنية التي حذّر منها "سيتشين" وغيره؟
يتركز الوقود الأحفوري في مناطق جغرافية محدودة، ويعتمد على مسارات تصدير حرجة، مما يجعله عرضة للصراعات، في المقابل، يمكن إنتاج الهيدروجين في مناطق متعددة تتوافر فيها الطاقة.
هذه المرونة الإقليمية التي توفرها التكنولوجيا تتيح للدول إنشاء شبكات إمداد بديلة، فحتى لو أُغلِق مسار مثل مضيق هرمز، يمكن لمراكز الإنتاج الأخرى في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا والأميركتين الحفاظ على الإمدادات، فالهيدروجين يوزع المخاطر جغرافيًا ويستعمل التكنولوجيا لجعل الإنتاج والتخزين والنقل أمرًا مجديًا.
غالبًا ما يشير النقّاد إلى التكلفة العالية للبنية التحتية للهيدروجين.. في ظل الحرب الحالية، كيف تردّ على حجة "التكلفة"؟
يجب مقارنة تكلفة الهيدروجين بما نسميه "علاوة المخاطر الجيوسياسية" للوقود الأحفوري مثلما هي التكلفة الحقيقية لبرميل النفط عندما تشمل تكلفة إغلاق المضايق، وارتفاع أقساط التأمين، وتوقّف المصانع، عندما تجاوز سعر النفط 100 دولار وقفزت أسعار الغاز المسال، تلاشت حجة "الهيدروجين المكلف".
الهيدروجين يوفر إمكان التنبؤ بالأسعار المرتبطة بالتكنولوجيا، وليس بالصراعات الإقليمية، وفي عالم اليوم، تُعدّ هذه ميزة إستراتيجية لا تُقدَّر بثمن.
هل يهدد الصراع الحالي في الشرق الأوسط مستقبل المنطقة بمثابتها مركزًا عالميًا للهيدروجين لاحقًا؟
على العكس، فهو يعمل بمثابة محفز للمرونة، فنحن نشهد -الآن- تحولًا نحو مشروعات تقع خارج "نقاط الاختناق" التقليدية، على سبيل المثال، مراكز الهيدروجين على ساحل مصر المطل على البحر الأحمر، وساحل عمان على بحر العرب، ومشروعات شركة "أكوا باور" السعودية على طول البحر الأحمر.
إن الأزمة تسرّع من عملية "تأمين" صادرات الطاقة، وتعلّمنا أن "طريق الهيدروجين السريع" يجب أن يُصمم لتجاوز نقاط الفشل التي أثّرت تاريخيًا بصناعة النفط.

وفي الوقت نفسه، يجب أن نتذكر أن العالم سيستمر في احتياجه إلى النفط والغاز لصناعات مثل الكيماويات والبتروكيماويات، ومن المتوقع أن يحافظ الشرق الأوسط على دوره الحيوي، بل ويعززه في سلاسل التوريد العالمية لهذه القطاعات.
هل ترى أن الموقع الجغرافي لسلطنة عمان وعدم حاجتها إلى مضيق هرمز يمثّل فرصة ذهبية مستقبلًا لتصدير الهيدروجين والأمونيا؟
بالتأكيد، الموقع الجغرافي لسلطنة عمان يوفر ميزة إستراتيجية كبيرة لتصدير الهيدروجين والأمونيا كونها خارج مضيق هرمز، ما يزيل أحد أهم نقاط الاختناق في سلاسل الإمداد، ويتيح وصولًا أكثر أمانًا وموثوقية للأسواق العالمية.
ومع توفُّر موارد كبيرة من طاقتي الشمس والرياح، يمكن لعمان تطوير إنتاج هيدروجين وأمونيا خضراء وهيدروجين سائل بتكلفة تنافسية، لتصبح مركزًا إقليميًا وعالميًا للتصدير.
وهذا يقلل التعرض للمخاطر الجيوسياسية، ويجعل سلاسل الإمداد أكثر مرونة، ويجذب استثمارات طويلة الأمد من الأسواق التي تبحث عن مصادر طاقة نظيفة ومستقرة، سواء للهيدروجين في شكله الغازي أو السائل.
ما هي رسالتك الأخيرة لسوق الطاقة العالمية في ظل الأزمة الحالية؟
أحداث عام 2026 تجعل الأمر واضحًا، فالنموذج القديم للطاقة لم يعد مستدامًا، ويجب أن يكون أمن الإمدادات والتنويع والمرونة هي المبادئ الأساسية، فلم يعد الهيدروجين مجرد جزء من خطة خفض الانبعاثات، بل أصبح ركيزة إستراتيجية لأمن الطاقة.
والدول التي تخطط لإستراتيجيات الهيدروجين الخاصة بها -الآن- ستكون أكثر حصانة ضد الصدمات، الدرس سهل: أمن الطاقة لم يعد خيارًا، والهيدروجين هو المفتاح لتحقيقه.
موضوعات متعلقة..
- خبير: الهيدروجين الأخضر مفتاح مصر لتعزيز مكانتها في سوق الطاقة العالمية
- الحرب على إيران تنعش الآمال في ازدهار الهيدروجين الأخضر (تقرير)
- الهيدروجين الأخضر قد يفشل في تحقيق أهداف المناخ (دراسة)
اقرأ أيضًا..
- 5 ملايين برميل من النفط الإيراني تتجه إلى الهند.. أول صفقة بعد الإعفاء الأميركي
- أرقام جنونية لأسعار ناقلات النفط بسبب الحرب
- إنتاج الألومنيوم في دول الخليج.. كيف تؤثر حرب إيران بالإمدادات العالمية؟ (مقال)
- خاص - الجزائر تريد رفع أسعار الغاز 20%.. ومفاوضات مع دولتَين





