رئيسيةتقارير الطاقة المتجددةطاقة متجددة

أزمة تمويل الطاقة النظيفة في أفريقيا.. ما دور دول الخليج في سد الفجوة؟ (تقرير)

دينا قدري

ما يزال نشر الطاقة النظيفة في أفريقيا يواجه عقبات تمويلية ضخمة، تستلزم إشراك جهات فاعلة جديدة من أجل إطلاق العنان لإمكانات القارة الهائلة وإعادة توجيه أولويات التنمية بما يتماشى مع العمل المناخي.

وسلّط تقرير حديث -حصلت عليه منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- الضوء على التحدي الكبير الذي تواجهه القارة الأفريقية لتوفير الكهرباء بشكل موثوق ووسائل الطهي النظيفة؛ إذ تضم القارة نحو خُمس سكان العالم، في حين لا تتجاوز نسبة استهلاكها السنوي للطاقة 6%.

وبلغ الإنفاق على الطاقة النظيفة في أفريقيا 25 مليار دولار في عام 2022، أي ما يعادل 2% فقط من الإجمالي العالمي، في حين تبلغ الحاجة إلى نحو 133 مليار دولار سنويًا من عام 2026 إلى عام 2030 لتحقيق أهداف الطاقة النظيفة والمناخ، وفقًا لتقرير آفاق الطاقة في أفريقيا 2022 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية.

ومع تقليص الولايات المتحدة دورها في تمويل التنمية الأفريقية، وتزايد اهتمام أوروبا بأمنها الطاقي، تتاح لدول الخليج فرصةٌ لسدّ الثغرات الناشئة، ورسم مسار جديد لتمويل تنمية الطاقة الدولية في أفريقيا.

فجوة تمويل الطاقة النظيفة في أفريقيا

يتطلب تحقيق توفير الكهرباء للجميع ووسائل الطهي النظيفة في أفريقيا نحو 30 مليار دولار و4 مليارات دولار سنويًا على التوالي حتى عام 2030.

وفي المقابل، تُعدّ مصادر التمويل العام اللازمة لسدّ هذه الفجوات محدودة للغاية بالنسبة للعديد من دول القارة، التي تعاني أصلًا من أعباء ديون باهظة.

وتتجاوز تكلفة رأس المال للمشروعات في جميع أنحاء القارة بكثير تلك المستعملة في افتراضات المؤسسات الدولية؛ ما يزيد من صعوبة الاقتراض لسدّ الفجوة؛ بسبب مزيج من عدم الاستقرار السياسي، وتغير الأنظمة، وارتفاع المخاطر السيادية، ومحدودية عمق الأسواق المالية، والتقلبات المستمرة في أسعار العملات، وفق ما أكدته وكالة الطاقة الدولية.

غالبًا ما تموّل المشروعات بالعملات الأجنبية في حين تُجنى الأموال بالعملة المحلية؛ لذا فإن أيّ تقلّبات في أسعار الصرف تزيد من المخاطر؛ ما يجعل رأس المال مكلفًا، ويعوق الاستثمار حتى عندما يكون العائد طويل الأجل مرتفعًا.

وعلى الرغم من التحديات، فإن فرص تطوير الطاقة النظيفة في أفريقيا هائلة، بحسب ما أكده التقرير الذي نشرته "فرقة العمل المعنية بالهواء النظيف" (Clean Air Task Force).

وتتمتع القارة بموارد وفيرة من الطاقة النظيفة، تشمل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية، والطاقة الحرارية الأرضية، فضلًا عن موارد أساسية مثل المعادن الثمينة؛ كما أن لديها القدرة على أن تصبح مركزًا ومحركًا للطاقة النظيفة على مستوى العالم.

ولكن في ظل غياب التمويل الكافي لتنفيذ المشروعات، والبنية التحتية اللازمة لتوصيل الكهرباء إلى المستهلكين، يبقى العديد من المشروعات غير قابل للتنفيذ.

أمّا التمويل الذي يصل إلى القارة من مؤسسات التنمية والمستثمرين الدوليين فهو محدود وموجّه إلى شريحة صغيرة فقط من القارة.

دور دول الخليج في سدّ فجوة التمويل

في هذا الإطار، شدد التقرير على أن دول الخليج تتمتع بفرصة لأداء دور محوري في سدّ هذه الفجوة التمويلية، من خلال الاستفادة من مواردها، وخبراتها في تطوير البنية التحتية للطاقة، وقربها من القارة الأفريقية.

وبينما أثقلت مصادر التمويل الأخرى كاهل القارة بالديون، تستطيع دول الخليج ابتكار أنماط استثمارية جديدة، تركّز على خلق السوق والقيمة، بدلًا من تعميق الديون وتعزيز الاعتماد على المساعدات.

وتستثمر الصناديق السيادية لدول الخليج في مشروعات الطاقة النظيفة التي من شأنها أن تُفيد كلًا من الشرق الأوسط وأفريقيا في تحوّلهما إلى مراكز صناعية خضراء.

مشروعات الطاقة المتجددة في أفريقيا
مشروعات الطاقة المتجددة - الصورة من منصة "إنرجي آند كابيتال"

ففي عام 2022، أعلن مستثمرو دول مجلس التعاون الخليجي استثمارات بقيمة 60 مليار دولار موزعة على 83 مشروعًا في أفريقيا، وفقًا لبيانات فايننشال تايمز لوكيشنز (Financial Times Locations).

وجاء أكثر من 90% من هذه الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ووُجّهت غالبيتها نحو مشروعات الهيدروجين وغيرها من مشروعات الطاقة المتجددة.

ويُتيح تزايد الاستثمارات من دول الخليج فرصًا لتعزيز الشراكات الفاعلة بين دول المجلس وأفريقيا، بما يعود بالنفع على المنطقتين ويدفعهما نحو التنافس والريادة على المدى الطويل في أسواق الطاقة النظيفة.

ولعلّ الأهم من ذلك، أن دول الخليج تُسرّع وتيرة استثماراتها في الوقت الذي تتزايد فيه الشكوك حول تمويل التنمية من الولايات المتحدة وأوروبا، وذلك بطريقة تُميّز المنطقة عن غيرها.

استثمارات دول الخليج في أفريقيا

استثمرت دول الخليج حتى الآن في مشروعات تُعدّ فرصًا سوقية، ساعيةً إلى تحقيق عوائد استثمارية من نجاح المشروعات، وتعزيز الشراكات في القارة، وتوفير أسواق أقوى للأعمال المستقبلية.

وعلى الرغم من أن هذا النمط الاستثماري لا يُصنّف ضمن "المساعدات التنموية"، فإنه يُجنّب الدول الأفريقية زيادة أعباء ديونها، ويُحفّز الشراكات والاستثمارات طويلة الأجل لتعظيم العوائد.

وفي الوقت الذي يتطلب فيه هذا النوع من الاستثمار مخاطر منخفضة على المشروعات والاستثمارات، فإن دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على الاستثمار بمستوى أعلى من المخاطر مقارنةً بالمستثمرين المؤسسيين الدوليين.

ويُتيح ذلك فرصًا هائلة لإحداث تأثير كبير في السوق التي لا يستثمر فيها عادةً رأس المال الخاص، إذ يُمكن للمطورين المدعومين من الدول السعي لتحقيق عوائد إستراتيجية طويلة الأجل، والاستفادة من مزايا الريادة التي يراها المستثمرون التقليديون محفوفة بالمخاطر، بحسب تقرير "فرقة العمل المعنية بالهواء النظيف" (CATF).

ويتماشى هذا -أيضًا- مع أهدافها الجيوسياسية الأوسع نطاقًا، المتمثلة في توسيع النفوذ الدولي، وتأمين شراكات في مجال الطاقة، ووضع دول الخليج في سلاسل القيمة الناشئة للطاقة النظيفة، ومن ثم الاستثمار حتى في المناطق التي قد تكون فيها المخاطر التجارية مرتفعة.

علاوة على ذلك، يُعزى الفضل في توفير المزيد من فرص العمل وتنمية المهارات للمجتمع المحلي إلى نهج تطوير السوق في دول الخليج.

ففي عام 2022، حققت مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر من الإمارات إلى أفريقيا أعلى نسبة توظيف مقارنةً باستثمارات أيّ دولة أخرى، حيث وفرت أكثر من 18 ألف وظيفة.

ويُمكن لتنويع مصادر تمويل مشروعات البنية التحتية -سواء من دول مختلفة أو عبر آليات متنوعة- أن يُحقق مزيدًا من التقدم ويُحسّن من مكانة الدول الأفريقية.

وكما هو الحال مع سلاسل إمداد الوقود، يُقلل تنويع مصادر التمويل من الاعتماد على أيّ مُزوّد واحد؛ ما يحدّ من قدرة أيّ دولة مُستثمرة بمفردها على التأثير.

محطة طاقة شمسية في أفريقيا
محطة طاقة شمسية في بوركينا فاسو - الصورة من وكالة رويترز

3 دول تدعم الطاقة النظيفة في أفريقيا

بينما اتجهت المناطق المتقدمة نحو معالجة تغير المناخ بعد تحقيق مستويات عالية من التنمية، وتوفير الكهرباء للجميع تقريبًا، تسعى أفريقيا في الوقت نفسه إلى التصدي لتغير المناخ، مع بذل جهود حثيثة لانتشال الملايين من براثن الفقر، وتطوير منظومة الطاقة في المنطقة.

ويتطلب هذا التوازن الدقيق نهجًا عمليًا وإدراكًا تامًا للفرص والتحديات التي تواجهها الدول الأفريقية في مجالات الطاقة والتنمية والعمل المناخي.

كما ستُضيف التغييرات في السياسات واللوائح التنظيمية في مناطق أخرى تحديات وفرصًا جديدة للدول الأفريقية.

فمع دخول آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM) التابعة للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ عام 2026، ستُفرَض عقوبات على الصادرات كثيفة الكربون، ويتزايد الضغط على الصناعات الأفريقية لخفض انبعاثاتها الكربونية إذا ما أرادت الحفاظ على وصولها إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.

ودعمًا لجهود القارة السمراء، تُقدّم كل من السعودية والإمارات خبرات في مجال الطاقة النظيفة وتقنيات إزالة الكربون، التي تُطبّقها أو تُموّلها محليًا ودوليًا.

وتشمل هذه التقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية، والطاقة النووية، والطاقة الحرارية الأرضية، والهيدروجين، وتعدين المعادن الحيوية، وغيرها.

وزادت كلتا الدولتين، خلال السنوات القليلة الماضية، من تمويلهما والتزاماتهما التمويلية لمشروعات الطاقة النظيفة في أفريقيا بشكل ملحوظ.

كما أكد التقرير مجددًا أنه يُمكن لدول الإمارات والسعودية وقطر، على وجه الخصوص، أن تؤدي دورًا محوريًا في التحول العالمي للطاقة، بما في ذلك دورها بصفتها مستثمرةً وممولةً في الاقتصادات الناشئة.

ورغم أن قطر بدأت في زيادة استثماراتها في الطاقة النظيفة، فإنها ما تزال في مرحلة مبكرة مقارنة بالإمارات والسعودية، ولكنها تمتلك إمكانات كبيرة للسير على خطاهما، نظرًا لقدراتها المالية واهتمامها المتزايد بهذا القطاع.

وإلى جانب استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في الطاقة النظيفة عالميًا، وظّفت هذه الدول استثمارات في قطاعات متنوعة، من التقنية والبنية التحتية إلى التمويل والذكاء الاصطناعي، لتعزيز قدرتها التنافسية الاقتصادية والتوسع في قطاعات جديدة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق