إنتاج الألومنيوم في دول الخليج.. كيف تؤثر حرب إيران بالإمدادات العالمية؟ (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- مضيق هرمز يُمثّل ممرًا حيويًا للسلع الصناعية مثل الألومنيوم ومواده الخام
- يمرّ عبر مضيق هرمز أكثر من 5 ملايين طن من الألومنيوم ومنتجاته سنويًا
- إنتاج طن واحد من الألومنيوم يتطلب ما يقارب 13 إلى 15 ميغاواط/ساعة من الكهرباء
- منطقة الخليج العربي برزت بصفتها أحد أهم مراكز إنتاج الألومنيوم خارج الصين
يتأثر إنتاج الألومنيوم في دول الخليج العربي، والعالم، بوفرة المواد اللازمة لتشغيل المصاهر والمصانع، ولذلك تؤثّر الحرب الإيرانية الإسرائيلية المستمرة حاليًا في اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار ونقص محتمل في الإمدادات.
ومع دخول الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أسبوعها الرابع في مارس/آذار 2026، بدأت تداعيات الحرب تتّسع لتشمل مناطق أبعد من ساحة المعركة، وبدأت الحرب بغارات جوية منسّقة في 28 فبراير/شباط المنصرم استهدفت البنية التحتية النووية والصاروخية الإيرانية.
منذ ذلك الحين، امتدّت الحرب لتشمل عمليات عسكرية متواصلة عبر الأراضي الإيرانية وجبهات إقليمية بمشاركة حزب الله اللبناني، في حين ردّت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة على أهداف إقليمية، ما أدى إلى تصعيد المواجهة إلى أزمة أوسع نطاقًا في الشرق الأوسط.
ومن أبرز التطورات قرار طهران تقييد حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز للسفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، ما أسفر عن اضطرابات كبيرة في أسواق السلع العالمية.
تدفقات النفط والغاز المسال
على الرغم من أن التركيز انصبّ بشكل كبير على المخاطر التي تهدد تدفقات النفط والغاز المسال، فإن الحرب تهدد السلع الصناعية، ولا سيما الألومنيوم.
وبصفته معدنًا بالغ الأهمية يُستعمل في قطاعات السيارات والفضاء والبناء وتقنيات الطاقة المتجددة، يقع الألومنيوم عند مفترق طرق الجغرافيا السياسية والطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
وتُبرز الأزمة الحالية كيف يمكن للاضطرابات في الممرات البحرية الرئيسة أن تُترجم بسرعة إلى تضييق أسواق المعادن الصناعية وخطر حدوث نقص عالمي.

إغلاق مضيق هرمز
يُظهر التصعيد السريع للحرب الإيرانية الإسرائيلية كيف يُمكن للحرب الإقليمية أن يُعطّل إمدادات السلع العالمية من خلال تهديد الطرق البحرية الحيوية.
يُعدّ مضيق هرمز -أحد أهم الممرات المائية في العالم- ممرًا رئيسًا لنحو خُمس تجارة النفط العالمية، كما يُمثّل ممرًا حيويًا للسلع الصناعية مثل الألومنيوم ومواده الخام.
منذ أواخر فبراير/شباط الماضي، أطلقت إيران آلاف المقذوفات باتجاه أهداف إقليمية، في حين استمرت الضربات الأميركية والإسرائيلية على البنية التحتية العسكرية والطاقة الإيرانية.
ردًا على ذلك، قيّدت طهران حركة الملاحة عبر مضيق هرمز للسفن المرتبطة بالدول المُعادية، ما دفع شركات التأمين والشحن إلى وقف عملياتها أو تقليصها.
مع تحوّل مسار السفن بعيدًا عن الخليج العربي وارتفاع أقساط التأمين، تباطأ تدفُّق السلع الصناعية، حاليًا. وعادةً ما يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 5 ملايين طن من الألومنيوم ومنتجاته سنويًا، إلى جانب شحنات الألومينا اللازمة لمصاهر الخليج العربي.
وإذا استمر هذا الاضطراب، فقد يتفاقم تأثيره على سلاسل التوريد العالمية، إذ تشير أسعار النفط والغاز الطبيعي المرتفعة، حاليًا، إلى ضغوط أوسع في السوق، ولأن صهر الألومنيوم يتطلب طاقة عالية، فإن استمرار تقلّبات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من القيود على الإنتاج في جميع أنحاء العالم.
سلسلة توريد الألومنيوم
تتّسم سلسلة توريد الألومنيوم العالمية بالتركز الجغرافي والحساسية الشديدة للاضطرابات اللوجستية، إذ يبدأ إنتاج الألومنيوم الأولي بتعدين البوكسيت، الذي تهيمن عليه دول مثل أستراليا وغينيا والبرازيل.
ويُكرر البوكسيت إلى ألومينا، التي تُحوّل بدورها إلى معدن الألومنيوم من خلال الصهر الإلكتروليتي، وتعتمد عملية الصهر على طريقة هول-هيرولت، التي تستهلك كميات هائلة من الكهرباء.
ويتطلب إنتاج طن واحد من الألومنيوم ما يقارب 13 إلى 15 ميغاواط/ساعة من الكهرباء، ما يجعل تكاليف الكهرباء أحد أكبر مكونات نفقات الإنتاج.
بلغ إنتاج الألومنيوم العالمي نحو 73-74 مليون طن في عام 2025، إذ تستحوذ الصين على معظم الإنتاج، وتنتج أكثر من 44 مليون طن سنويًا.
رغم ذلك، فإن الإنتاج الصيني مقيّد بسقف طاقة تفرضه الحكومة يبلغ نحو 45 مليون طن.
ونتيجة لذلك، فإن قدرة الصين على زيادة الإنتاج بسرعة استجابةً للنقص العالمي محدودة.
خارج الصين، شهد نمو الإنتاج ركودًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، وأدت تكاليف الكهرباء المرتفعة والقيود البيئية إلى إجبار العديد من مصاهر الألومنيوم في أوروبا وأميركا الشمالية على خفض قدرتها الإنتاجية أو إغلاقها نهائيًا.
وزاد هذا من الاعتماد العالمي على منتجي الألومنيوم في المناطق الغنية بالطاقة، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي.

الدور الإستراتيجي لمنطقة الخليج في إمدادات الألومنيوم
برزت منطقة الخليج العربي أحد أهم مراكز إنتاج الألومنيوم خارج الصين.
وتنتج مصاهر الألومنيوم الرئيسة في الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمملكة العربية السعودية وقطر مجتمعةً أكثر من 6 ملايين طن من الألومنيوم سنويًا.
ويمثّل إنتاج الألومنيوم في دول الخليج نحو 8% من الإنتاج العالمي، ونحو ربع الإنتاج غير الصيني.
وعلى عكس العديد من مصاهر الألومنيوم الغربية، يستفيد منتجو الخليج العربي من وفرة موارد الغاز الطبيعي التي توفر كهرباء رخيصة نسبيًا.
ونتيجةً لذلك، أصبحت المنطقة مُصدِّرًا رئيسًا للألومنيوم إلى الأسواق العالمية، حيث تُورِّد إلى الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، ويُنقل معظم هذا الألومنيوم بحرًا عبر مضيق هرمز.
وتُصدِّر مصاهر الألومنيوم في الخليج العربي، المُوجَّهة للتصدير، أكثر من 5 ملايين طن من الألومنيوم الأولي والمنتجات المُصنَّعة سنويًا عبر هذا الطريق.
وتتميز سلسلة التوريد بتكاملها المُحكم، وتعمل بمخزونات احتياطية محدودة.
وتعتمد مصاهر الخليج العربي اعتمادًا كبيرًا على الألومينا المستوردة، التي يصل معظمها عبر مضيق هرمز.
وبالنظر إلى أن العديد من المنشآت لا تحتفظ إلّا بمخزونات من المواد الخام تكفي لبضعة أسابيع فقط، فإن أيّ اضطراب في الشحن قد يؤدي إلى توقُّف كل من المواد الخام الواردة والمعادن المصنعة الصادرة.
وازداد اعتماد الأسواق الغربية على إمدادات الألمنيوم من دول الخليج العربي، فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تستورد الآن نسبة كبيرة من الألمنيوم الخام من الشرق الأوسط، وهو اتجاه تسارع بعد أن حدّت العقوبات الغربية من توافر المعدن الروسي.
وبسبب هذه التبعيات الهيكلية، يصعب تعويض أيّ اضطرابات في منطقة الخليج بمصادر بديلة.
سوق الألومنيوم
حتى قبل اندلاع الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، كانت أسواق الألومنيوم العالمية تعاني من نقص حادّ في الإمدادات.
وشهدت المخزونات المخزنة في المستودعات المسجلة لدى بورصة لندن للمعادن انخفاضًا مطّردًا.
وبحلول أواخر فبراير/شباط 2026، انخفض إجمالي المخزونات المسجلة وغير المسجلة إلى نحو 583 ألف طن، وهو أدنى مستوى له منذ أن بدأت البورصة بتتبع هذه البيانات.
ويمثّل هذا انخفاضًا كبيرًا مقارنةً بنحو 3 ملايين طن من مخزونات الألومنيوم التي كانت موجودة في وقت سابق من العقد.
من ناحية ثانية، يتكون جزء كبير من المخزون المتبقي من المعدن الروسي الذي يتجنّبه العديد من المشترين الغربيين بسبب العقوبات والقيود السياسية.
وتسارعت عمليات السحب اليومية من مراكز التخزين الرئيسة، لا سيما في آسيا، حيث يسعى التجّار والمصنّعون إلى تأمين الإمدادات المادية.
وتشير المعطيات إلى أن السوق كانت تعمل بأقل قدر من الاحتياطيات قبل اندلاع النزاع.
وأضافت الحرب الآن صدمة إضافية، فقد أجبرت اضطرابات الشحن في مضيق هرمز العديد من مصاهر الخليج العربي على تقليص عملياتها أو تعليقها.
وأعلن بعض المنتجين حالة القوة القاهرة نتيجةً لعدم قدرتهم على شحن المعادن أو استلام المواد الخام.
وأدت الاضطرابات إلى ردّ فعل سريع في الأسواق المالية، وارتفعت أسعار الألومنيوم في بورصة لندن للمعادن لتتجاوز 3500 دولار للطن في أوائل مارس/آذار الجاري، مسجلةً أعلى مستوى لها منذ عدة سنوات.
وارتفعت علاوات الأسعار الفورية في كل من أوروبا والولايات المتحدة بشكل حادّ مع تنافس المشترين على الإمدادات المتاحة.
إزاء ذلك، يحذّر محللو السوق، الآن، من أن الأسعار قد تقترب من 4 آلاف دولار للطن، أو تتجاوزها، إذا استمرت الحرب وتفاقمت اضطرابات الإمداد.

دور أسعار الكهرباء
تُعدّ أسعار الكهرباء عاملًا حاسمًا آخر في سوق الألومنيوم، فنظرًا لأن صهر الألومنيوم يتطلب إمدادات كبيرة ومستمرة من الكهرباء، فإن ارتفاع تكاليف الوقود قد يؤثّر بشكل كبير في الإنتاج العالمي.
وقد أدى تصاعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما زاد من تكاليف الكهرباء لمصاهر الألومنيوم حول العالم.
وفي أوروبا، حيث انخفض إنتاج الألومنيوم في أعقاب أزمات الطاقة السابقة، قد تمنع أسعار الكهرباء المرتفعة المصاهر المتوقفة عن العمل من استئناف نشاطها.
ويخلق هذا الوضع ضغطًا مزدوجًا على الإمدادات: اضطرابات لوجستية في منطقة الخليج العربي، وارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا.
مسارات محتملة لنقص عالمي
يخلق تفاعل الأزمة الجيوسياسية، وهشاشة سلاسل التوريد، وضعف أساسيات السوق، الظروف المواتية لنقص عالمي في الألومنيوم.
وإذا ظل مضيق هرمز مغلقًا جزئيًا أو مقيدًا بشدة، فقد يتأثر ما يصل إلى 8 أو 9% من إنتاج الألومنيوم العالمي مباشرةً.
ونظرًا لافتقار السوق، حاليًا، إلى مخزونات كافية أو قدرة إنتاجية فائضة، فإن أيّ انقطاع طفيف نسبيًا في الإمدادات قد يكون له آثار بالغة.
ومن المرجّح أن يظهر النقص أولًا من خلال ارتفاع أسعار الفائدة وتقليص حصص المشترين الصناعيين. وقد يواجه المصنّعون الذين يعتمدون على مدخلات الألومنيوم، مثل شركات السيارات والطيران، تكاليف أعلى أو تأخيرًا في التسليم، وقد يشهد قطاعا البناء والتعبئة والتغليف قيودًا على الإمدادات.
ولأن الألومنيوم ضروري لمكونات السيارات خفيفة الوزن والبنية التحتية للطاقة المتجددة، فقد يمتدّ النقص ليشمل قطاعات صناعية متعددة في آن واحد.
وإذا امتدت الحرب لعدّة أشهر، فقد تواجه الاقتصادات الغربية اختناقًا صناعيًا أوسع.
وقد تخفض القطاعات كثيفة استعمال الألومنيوم إنتاجها، ما يُسهم في الضغوط التضخمية وتباطؤ النمو الاقتصادي.
الخلاصة
تُبرز الحرب الإيرانية الإسرائيلية تزايد هشاشة أسواق السلع العالمية أمام الصدمات الجيوسياسية.
وعلى الرغم من أن النفط والغاز الطبيعي يهيمن على النقاشات الدائرة بشأن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، فإن المعادن الصناعية، كالألومنيوم، معرّضة بالقدر نفسه للاضطرابات في طرق الشحن الإقليمية والبنية التحتية للطاقة.
في خضمّ الأزمة الجيوسياسية، وتركُّز سلاسل التوريد، وظروف السوق المتأزمة أصلًا، برز الألومنيوم واحدًا من أكثر السلع عرضةً للخطر جراء الأزمة الراهنة.
ويؤكد احتمال استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز الأهمية الإستراتيجية لتنويع سلاسل التوريد وتعزيز مرونة الصناعة.
بالنسبة لصنّاع السياسات وقادة الصناعة على حدّ سواء، تُذكّر هذه الحرب الحالية بأن التصنيع الحديث يعتمد على شبكات توريد عالمية معقّدة وهشة، ومن دون تنويع أكبر في القدرة الإنتاجية والطرق اللوجستية، قد تستمر الأزمات الجيوسياسية المستقبلية في تعطيل أسواق المعادن الحيوية، ما قد يُفضي إلى عواقب اقتصادية وخيمة.
* الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- فرن لإنتاج الألومنيوم منخفض الكربون باستعمال الهيدروجين.. لأول مرة
- كيف أثرت العقوبات الغربية على روسيا في أسواق الألومنيوم والذهب والصلب؟ (تقرير)
- الإمارات تخطط لبناء مصنع لإنتاج الألومنيوم منخفض الكربون
اقرأ أيضًا..
- أسعار النفط المرتفعة وحرب إيران.. هل تعزز إيرادات روسيا؟ (مقال)
- 5 معلومات عن مدينة رأس لفان الصناعية في قطر.. عملاقة تصدير الغاز المسال
- تصنيع مكونات الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشراكة صينية (تقرير)





