الطاقة الحيوية في السودان بين وفرة الموارد وفجوة السياسات والتمويل
وحدة أبحاث الطاقة

تبرز الطاقة الحيوية في السودان بوصفها أحد مسارات تخفيف أزمة الكهرباء المزمنة، بدعم من وفرة الموارد الزراعية واتساع رقعة النشاط الريفي، غير أن إسهامها الفعلي في مزيج الكهرباء أقل بكثير من إمكاناتها النظرية، نتيجة تحديات تقنية وتنظيمية وتمويلية متراكمة.
وتشير أحدث البيانات لدى وحدة أبحاث الطاقة (الصادرة من واشنطن)، إلى أن السودان يأتي في المركز الثاني أفريقيًا من ناحية السعة التشغيلية لتوليد الكهرباء من الطاقة الحيوية، بقدرة 138 ميغاواط بنهاية 2025، خلف إثيوبيا التي تصدّرت القائمة بسعة 243 ميغاواط.
ويضع هذا الرقم الطاقة الحيوية في السودان ضمن الشريحة المتقدمة أفريقيًا من ناحية القدرة المركبة، لكنه لا يعكس بالضرورة حجم مساهمتها في الشبكة الوطنية.
ووفقًا للبيانات، فإن جانبًا معتبرًا من هذه القدرات يُستعمل في التوليد الذاتي داخل المنشآت الصناعية والزراعية، ولا يصل إلى الشبكة العامة، ما يحدّ من الأثر الفعلي للقطاع في سدّ فجوة الكهرباء، لا سيما في المدن الكبرى.
سعة الطاقة الحيوية في السودان
تتقدم سعة الطاقة الحيوية في السودان على دول مثل أنغولا (100 ميغاواط) وزيمبابوي (74 ميغاواط) وكينيا (34 ميغاواط).
غير أن المقارنة الإقليمية تُظهر -أيضًا- أن دولًا مثل إثيوبيا تمكّنت من تحقيق استفادة أوسع، رغم إلغائها مشروعات إضافية بسعة 200 ميغاواط.
ويعتمد قطاع الطاقة الحيوية في السودان بصورة أساسية على المخلفات الزراعية، وتشمل سيقان القطن، وقش القمح، وبقايا الذرة، إضافة إلى مخلفات قصب السكر، التي تتميز بقيمة حرارية مرتفعة وإمكانات تحويل طاقي مجدية.
ويوضح الرسم الآتي -الذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- قائمة أكثر الدول الأفريقية توليدًا للكهرباء من الطاقة الحيوية حتى 2025:

وعلى الرغم من هذا الثراء، فإن الحطب لا يزال المصدر الأكثر استعمالًا للطاقة المنزلية، لا سيما في المناطق الريفية.
ويترتب على هذا النمط آثار بيئية مباشرة، من أبرزها إزالة الغابات وتدهور الأراضي، فضلًا عن أعباء اجتماعية تتحملها النساء في جمع الوقود، وهنا تبرز الطاقة الحيوية غير التقليدية في السودان بوصفها خيارًا واقعيًا للانتقال التدريجي إلى مصادر أنظف وأكثر استدامة.
قصب السكر.. العمود الفقري للقطاع
يمثّل قصب السكر الركيزة الأهم في منظومة الطاقة الحيوية في السودان، إذ تُعد البلاد من كبار المنتجين أفريقيًا، بإنتاج سنوي يناهز 5.3 مليون طن.
وينتج عن هذه الصناعة كميات ضخمة من تفل قصب السكر، الذي يُستعمل في التوليد المشترك للكهرباء، خصوصًا لتشغيل غلايات المصانع.
وبلغت القدرة المركبة لتوليد الكهرباء من تفل قصب السكر نحو 155 ميغاواط في عام 2023، ما وضع السودان ثالثًا أفريقيًا في هذا المجال.
ومع ذلك، لم يُضخ في الشبكة الوطنية سوى أقل من 20 ميغاواط أي ما يعادل 0.53% فقط من إجمالي إنتاج الكهرباء.
وفي سياق متصل، يضم السودان 6 مصانع سكر رئيسة، تنتج نحو 2.55 مليون طن من تفل قصب السكر سنويًا، بقدرة توليد مشتركة تقارب 155.5 ميغاواط.
ويتركّز معظم هذا النشاط في ولاية النيل الأبيض، التي تحتضن مشروع النيل الأبيض للسكر بقدرة 104 ميغاواط، إلى جانب مشروعات كنانة وعسلاية.
وتواجه هذه المصانع تحديات تشغيلية، تشمل انخفاض كفاءة التوربينات، وتشغيلها ببخار منخفض الضغط، وغياب الحوافز لربط الكهرباء بالشبكة، إضافة إلى التوقف الموسمي خلال فترات الصيانة، ما يفرض الاعتماد على الفحم أو الوقود الأحفوري.
موارد الطاقة الحيوية في السودان
لا يزال إسهام النفايات الصلبة في الطاقة الحيوية في السودان محدودًا، بسبب ضعف العائد الطاقي من مكبات النفايات، إلى جانب المخاطر البيئية المرتبطة بتلوث المياه الجوفية والتأثير في التنوع الحيوي.
في المقابل، تبرز تقنيات التحلل الحراري والتغويز بوصفها خيارات واعدة لتعزيز الطاقة الحيوية في البلاد.
وتشير نماذج بحثية إلى أن مخلفات قصب السكر وسيقان الذرة قادرة على توليد مئات الغيغاواط/ساعة سنويًا، في حال اعتماد تقنيات حديثة قابلة للتوسع.
كما تُقدّر دراسات حديثة أن الاستغلال الشامل للمخلفات الزراعية يمكن أن ينتج ما يصل إلى 11 مليار متر مكعب من الغاز التخليقي سنويًا، بطاقة تتراوح بين 20 و31 تيراواط/ساعة، وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الإمكانات والواقع.
ويمتد حضور الطاقة الحيوية في السودان إلى إنتاج الوقود الحيوي، إذ تنتج صناعة السكر نحو 60 مليون لتر من الإيثانول سنويًا، تقودها شركة كنانة.
كما تشير تقديرات نظرية إلى إمكان إضافة قدرة حرارية تصل إلى 94 ميغاواط من استغلال حمأة الصرف الصحي في الخرطوم، وهو مورد لا يزال غير مستعمل.

تجربة الغاز الحيوي في السودان
شهدت الطاقة الحيوية في السودان خلال السنوات الماضية محاولات لتوظيف الغاز الحيوي في المناطق الريفية، عبر وحدات صغيرة تعتمد على مخلفات الحيوانات.
وأسهم تركيب أكثر من 200 وحدة في تحسين ظروف الطهي وتقليل استهلاك الحطب، غير أن محدودية التمويل وغياب برامج وطنية واضحة حالت دون توسّع التجربة على نطاق واسع.
ويُنظر إلى الغاز الحيوي بوصفه حلًا لامركزيًا مناسبًا للقرى والمناطق شبه الحضرية، لكنه يحتاج إلى دمجه ضمن سياسات الطاقة الريفية وبناء قدرات محلية قادرة على تشغيله وصيانته.
موضوعات متعلقة..
- توليد الكهرباء من الطاقة الحيوية في أفريقيا.. دولة عربية ضمن قائمة الكبار
- أكثر 10 دول توليدًا للكهرباء من الطاقة الحيوية (إنفوغرافيك)
- الطاقة الحيوية في الدول العربية تشهد خططًا طموحة بقيادة عمان ومصر
نرشّح لكم..
- تقارير وملفات خاصة من وحدة أبحاث الطاقة
- الطاقة الشمسية في الدول العربية
- تقرير مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية
المصدر:





