قطاع الطاقة في تونس.. واقع احتياطيات النفط والغاز يفرض تحديات هيكلية
وحدة أبحاث الطاقة

يواجه قطاع الطاقة في تونس تحديات هيكلية عميقة، إذ يظل الاستيراد هو الخيار الاضطراري والأبرز لتلبية الطلب المحلي المتنامي، مع ضعف احتياطيات النفط والغاز.
ويتمثّل التحدي المعقّد الذي تواجهه البلاد -البالغة مساحتها 164 ألف كيلومتر مربع- في التناقص الطبيعي والمتسارع للنفط والغاز لديها؛ ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات الوطنية.
ويهيمن الغاز الطبيعي على مزيج الطاقة التونسي بنسبة تتجاوز 90% في توليد الكهرباء، ما يشكّل صداعًا مزمنًا للموازنة العامة بسبب تقلبات الأسعار العالمية والاعتماد المفرط على الخارج، وهو ما دفع الدولة إلى البحث عن طوق نجاة عبر التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة.
وفي هذا التقرير، تسلّط وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن) الضوء على قطاع الطاقة في تونس من واقع احتياطيات الغاز والنفط، وتطورات الإنتاج المحلي، إلى إستراتيجيات الدولة للتحول نحو الطاقة المتجددة.
وذلك مع اعتبار أن التحول نحو الطاقة النظيفة لم يعد خيارًا بيئيًا فقط، وإنما أصبح ضرورة أمن قومي لفك الارتباط المكلف بالغاز المستورد وتخفيف الضغط على العملة.
رحلة اكتشاف النفط والغاز في تونس
انطلقت شرارة قطاع الطاقة في تونس عام 1964، حينما بدأت رحلة اكتشاف النفط والغاز في حقل "البرمة" النفطي، الذي بدأ الإنتاج الفعلي في 1966، فاتحًا الآفاق لسلسلة من النجاحات أعقبها استغلال حقل "عشتروت" (ثاني أكبر الحقول) في عام 1974.
وعلى الرغم من الزخم الاستكشافي الذي صاحب تلك الحقبة فإن أغلب الاكتشافات اللاحقة اتسمت بصغر الحجم ومحدودية الاحتياطيات، ما جعلها "حقولًا هامشية" عجزت عن تعويض النضوب الطبيعي المتسارع للحقول الكبرى.
وسجل إنتاج النفط التونسي ذروته التاريخية في عام 1980، حيث أسهم حقلا البرمة وعشتروت بنحو 70% منها، مدعومَيْن بدخول حقول أخرى إلى خريطة الإنتاج، أبرزها: الدولاب عام 1968، وسماسمة عام 1969، وطمسميدة عام 1970، وسيدي ليتيم عام 1972.
ومع بداية الثمانينيات، واجه القطاع منعطفًا حرجًا؛ إذ تضافرت عوامل التراجع الطبيعي للحقول مع انخفاض أسعار النفط العالمية، ما دفع الشركات الكبرى إلى المغادرة وحلّت محلها شركات أقل قدرة فنية ومالية، تزامنًا مع بدء استغلال الأنبوب الجزائري الإيطالي العابر لتونس.
وتزامن ذلك مع تحول إستراتيجي في السياسة الطاقية نحو الغاز الطبيعي، الذي بدأت شرارته الأولى عبر استغلال الغاز المصاحب في حقل البرمة عام 1972، ليتعزّز بدخول حقول أخرى مثل حقل مسكار في عام 1996 و"صدربعل" في عام 2009.
أما اليوم فيمثّل حقل نوارة، الذي دخل حيز الاستغلال عام 2020، الرهان الأكبر للدولة التونسية؛ إذ نجح في إنعاش إنتاج الغاز بنسبة 18% خلال 2021، رغم استمرار التحديات التقنية التي تفرض ضغوطًا على استقرار مستويات إنتاجه وتطلّعات الاستدامة.
احتياطيات النفط في تونس
استقرّت احتياطيات تونس المؤكدة من النفط عند مستوى 425 مليون برميل بنهاية عام 2025، وهو ذات النطاق المسجل تقريبًا منذ عام 2009.
وتكشف البيانات التاريخية لمعهد الطاقة البريطاني عن أن قطاع الطاقة في تونس عاش ازدهاره خلال الثمانينيات؛ إذ بلغت الاحتياطيات ذروتها التاريخية عام 1981 عند 2.5 مليار برميل.
غير أن هذا المسار الصعودي لم يدم طويلًا، إذ دخلت البلاد في سلسلة من التراجعات الحادة للاحتياطيات، لتسجل في فترة (1991-2002) أدنى مستوياتها، حيث تأرجحت بين 300 و500 مليون برميل.
وعلى الرغم من حدوث انفراجة مؤقتة في عام 2004 بارتفاع الاحتياطيات إلى 700 مليون برميل فإنه سرعان ما عادت إلى الهبوط لتتراوح بين 500 و600 مليون برميل في الأعوام الـ4 التالية.
ومنذ ذلك الحين، لم تستطع الجهود الاستكشافية الإسهام في العودة إلى مستويات القمة، لتستقر الاحتياطيات عند 400 مليون برميل حتى الآن.
ويرصد الرسم البياني الآتي -الذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- احتياطيات قطاع الطاقة في تونس من النفط:

إنتاج تونس من النفط
توضح أحدث بيانات قطاع الطاقة في تونس انخفاض إنتاج النفط الخام إلى 25.2 ألف برميل يوميًا خلال العام الماضي (2025)، مقارنة بنحو 28.5 ألف برميل يوميًا في 2024، بنسبة تراجع 12%.
وبالعودة إلى البدايات، كان إنتاج عام 1966 البالغ 16 ألف برميل يوميًا هو الأقل على الإطلاق، قبل أن يدخل قطاع الطاقة في تونس مرحلة الصعود الذهبي ويقفز إنتاجه من النفط إلى 104 آلاف في عام 1978.
ومع مطلع الثمانينيات، سجل إنتاج البلاد ذروته التاريخية عند 118 ألف برميل يوميًا، لكنه بدأ رحلة تراجع تدريجي منذ 1981 مسجلًا 114 ألفًا، بحسب بيانات معهد الطاقة البريطاني.
وحافظ الإنتاج على مستوياته فوق 100 ألف برميل يوميًا حتى عام 1993، لتبدأ مرحلة الهبوط المستدام لأقل من هذا الحاجز منذ عام 1994 بتسجيل 98 ألفًا.
ومنذ ذلك الحين، سيطر الاتجاه النزولي على الإنتاج ليهبط إلى 77 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2000، وظل يتأرجح بين مستويات 60 و90 ألفًا خلال الفترة (1994-2014).
ومع تفاقم تحديات النضوب الطبيعي، كسر الإنتاج حاجز الـ50 ألف هبوطًا، ليستقر في نطاق 30 ألف برميل يوميًا بدءًا من عام 2020 وحتى الآن.
ويرصد الرسم البياني الآتي -الذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- إنتاج قطاع الطاقة في تونس من النفط الخام والمكثفات والسوائل الغازية:

ماذا عن وضع الغاز في تونس؟
استقرت احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة في تونس عند 2.3 تريليون قدم مكعبة (نحو 65 مليار متر مكعب) بنهاية عام 2025، دون تغيير ملحوظ منذ سنوات، ما يعكس غياب اكتشافات كبرى جديدة ترفع سقف هذه الاحتياطيات.
وانخفض إنتاج تونس من الغاز الطبيعي إلى 1.20 مليار متر مكعب خلال عام 2025، مقابل 1.35 مليار متر مكعب في العام السابق له، وهو ما يعادل تراجعًا سنويًا بنسبة 11%، بحسب مبادرة بيانات المنظمات المشتركة (جودي).
ويرصد الرسم البياني الآتي -الذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- إنتاج تونس من الغاز الطبيعي خلال (2023 - 2025):

يُذكر أن قطاع الغاز التونسي شهد طفرة مؤقتة مع دخول حقل نوارة الإستراتيجي حيز الاستغلال في عام 2020، وهو ما رفع الإنتاج الوطني إلى 6.1 مليون متر مكعب يوميًا في عام 2021، بزيادة 18% على أساس سنوي.
ومع ذلك، عاود الإنتاج الدخول في سلسلة من التراجعات المتتالية نتيجة التحديات التقنية والنضوب الطبيعي في الحقول الرئيسة.
وفي سياق متصل، تؤمّن تونس جزءًا كبيرًا من احتياجاتها عبر خط أنابيب "ترانسميد" (عبر المتوسط)، الذي ينقل الغاز الجزائري إلى إيطاليا مرورًا بالأراضي التونسية.
ويحصل قطاع الطاقة في تونس على "إتاوة" مقابل مرور الخط الذي بدأ تشغيله عام 1983 بطول 1025 ميلًا، وقدرة تصديرية تصل إلى 34 مليار متر مكعب (نحو 1.2 تريليون قدم مكعبة) سنويًا.
وارتفعت واردات تونس من الغاز الطبيعي إلى 4.15 مليار متر مكعب خلال 2025، مقابل 3.61 مليار متر مكعب في العام السابق له، ويرصد الرسم البياني أدناه الأداء الشهري خلال العامَيْن الماضيَيْن:

تحدي استقلالية قطاع الطاقة في تونس
يواجه قطاع الطاقة في تونس ضغوطًا متزايدة في تأمين الإمدادات، تجلّت في التراجع المستمر لمؤشر الاستقلالية الطاقية، نتيجة اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي المتناقص والطلب المتزايد، ما دفع البلاد نحو اعتماد أكبر على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وتكشف البيانات الرسمية لعام 2025 (نموذجًا لواقع القطاع) عن ارتفاع عجز ميزان الطاقة بنسبة 19% على أساس سنوي؛ إذ سجل العجز 6.3 مليون طن مكافئ نفط، مقارنة بـ5.3 مليونًا في العام السابق له.
ويُعزى هذا الاختلال بصفة مباشرة إلى ارتفاع الطلب الإجمالي على الطاقة في تونس، ليصل إلى 9.7 مليون طن مكافئ خلال 2025، متأثرًا بالهبوط الحاد في مستويات استخراج النفط والغاز من الحقول الوطنية.
هذا التباين الحاد أدى إلى انكماش مؤشر استقلالية قطاع الطاقة (وهو المقياس لقدرة البلاد على تلبية احتياجاتها من مواردها الخاصة)، ليصل إلى 35% فقط في 2025، نزولًا من 41% المسجلة في الفترة المقابلة من عام 2024، ما يضع ملف الانتقال الطاقي وتنويع المصادر أمام تحديات مصيرية.
قطاع الكهرباء في تونس
يعتمد مزيج توليد الكهرباء في تونس بصورة شبه كلية على الغاز الطبيعي، الذي يُسهم بنسبة تصل إلى 95%، وفق البيانات المتاحة لدى وحدة أبحاث الطاقة.
وهذا يجعل قطاع الكهرباء المستهلك الأكبر للغاز في البلاد باستحواذه على 74% من إجمالي الطلب على هذا الوقود.
وتشير البيانات إلى ارتفاع قدرة توليد الكهرباء المركبة في تونس إلى 6.86 غيغاواط خلال عام 2024، مقارنة بنحو 6.6 غيغاواط في العام السابق له.
ويرصد الإنفوغرافيك الآتي -الذي أعدّته وحدة أبحاث الطاقة- مزيج توليد الكهرباء في تونس:

ووفقًا لأرقام قطاع الطاقة في تونس، ارتفع إنتاج الكهرباء خلال 2025 إلى 20.53 غيغاواط/ساعة، مقابل 19.44 غيغاواط في 2024.
ولتغطية العجز بين الإنتاج والطلب المحلي، تعتمد تونس على الجارة الجزائر لتأمين نحو 11% من احتياجاتها الكهربائية عبر خطوط الربط المشتركة.
ولمواجهة هذا الاعتماد المفرط على الغاز (الذي تستورد تونس معظمه)، بدأت البلاد مسارًا تصاعديًا لتعزيز حصة الطاقة المتجددة.
وحقّقت تونس طفرة في قدرات التوليد النظيفة التي قفزت إلى 1.08 غيغاواط بنهاية 2024، مدفوعة أساسًا بنمو سعة الطاقة الشمسية التي ارتفعت من 506 ميغاواط في 2023 إلى 773 ميغاواط في 2024.
وفي المقابل، شهدت القدرات المولّدة من الرياح والكهرومائية استقرارًا عند 245 و66 ميغاواط على التوالي دون تغيير منذ عام 2018.
ورغم هذا النمو، فإن تونس ما زالت بعيدة عن طموحات إستراتيجيتها الوطنية للانتقال الطاقي؛ ففي حين كانت تهدف الخطة الرسمية للوصول بحصة الطاقة المتجددة إلى 12% من إنتاج الكهرباء بحلول 2020، لم تتجاوز الحصة الفعلية حاجز 4% بنهاية 2024، وتتوزع كالآتي:
- الطاقة الشمسية: المساهم الأكبر بحصة 2.35%.
- طاقة الرياح: تأتي ثانيًا بنسبة 1.58%.
- الطاقة الكهرومائية: تراجعت حصتها بصورة حادة لتستقر عند 0.05% فقط، بعد أن كانت تمثّل 1.42% في عام 2003، نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية.
ويضع هذا التأخر تساؤلات حول قدرة البلاد على سد الفجوة والوفاء بمستهدفها الطموح لرفع حصة الطاقة المتجددة إلى 30% بحلول عام 2030.
وتستعد تونس لدفعة قوية في قدرات الطاقة النظيفة بحلول عام 2027 عبر تنفيذ 4 مشروعات شمسية جديدة بقدرة إجمالية 500 ميغاواط في ولايات سيدي بوزيد وقفصة وقابس.
ومن المتوقع أن تُسهم هذه المشروعات في توفير 250 ألف طن من الغاز الطبيعي سنويًا، وتقليص تكاليف إنتاج الكهرباء بنحو 200 مليون دولار.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، دخلت محطة القيروان للطاقة الشمسية حيز التشغيل التجاري بقدرة 120 ميغاواط، لتصبح أكبر محطة في تونس وأول مشروع يتجاوز حاجز 100 ميغاواط، توفر الكهرباء النظيفة لـ43 ألف منزل.
موضوعات متعلقة..
- الطاقة المتجددة في تونس تخفف أعباء فاتورة الوقود.. وفورات تتجاوز 58 مليار دولار
- إنتاج الكهرباء في تونس.. الغاز يُهيمن والجزائر تظهر في الصورة
- 5 معلومات عن أكبر محطة طاقة شمسية في تونس
ويمكن الاطّلاع على المزيد من ملفات الدول المنتجة للنفط والغاز عبر الضغط (هنا).





