منشآت الطاقة في الخليج.. كيف يُربك استهدافها من إيران الأسواق العالمية؟ (مقال)
أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

- الموجة الأولى من الضربات ركّزت على منشآت الطاقة ذات القيمة العالية
- العمليات بالوكالة يُمكنها أن تُهدّد إنتاج الطاقة حتى خارج منطقة الخليج
- أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي شهدت ارتفاعًا حادًا بعد توقُّف صادرات الغاز المسال القطري
- دول مجلس التعاون الخليجي تُسهم بنحو ربع صادرات النفط العالمية وخُمس إمدادات الغاز المسال
يتسبب استهداف إيران لمنشآت الطاقة في الخليج العربي بإرباك الأسواق العالمية واضطراب حركة الملاحة التجارية الإقليمية وسلاسل التوريد في دول كثيرة، بعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
في أواخر فبراير/شباط 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسّقة استهدفت القيادة الإيرانية ومنشآتها العسكرية وبُنيتها النووية، وأفادت التقارير أن العملية أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وإلحاق أضرار جسيمة بالمواقع الإستراتيجية الإيرانية.
وردّت طهران بهجوم سريع ومتعدد المستويات في جميع أنحاء المنطقة، وخلال أيام، استهدفت ضربات صاروخية وطائرات مسيرة منشآت عسكرية أميركية وبنية تحتية حيوية في دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان.
وبحلول أوائل مارس/آذار الجاري، امتدت الحرب لتشمل البنية التحتية الاقتصادية والمدنية، متجاوزةً الأهداف العسكرية، فقد تعرضت منشآت الطاقة والمواني والمطارات ومراكز الخدمات اللوجستية للضرب، أو أُجبرت على الإغلاق بإجراء احترازي.
مواطن ضعف منشآت الطاقة في الخليج العربي
كشفت الهجمات عن مواطن ضعف بأنظمة الحماية بمنشآت الطاقة في الخليج العربي، وأثارت تساؤلات جديدة بشأن مرونة سلاسل إمداد الهيدروكربونات العالمية.
وعلى الرغم من أن بعض الضربات انطلقت مباشرة من الأراضي الإيرانية، شاركت جماعات مسلحة موالية لطهران في ضربات أخرى، ما يسلّط الضوء على الطبيعة الهجينة المتزايدة للحروب في الشرق الأوسط.
في المقابل، أدى استغلال إيران للميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق ولبنان إلى تضخيم نطاق الاضطرابات وانتشارها الجغرافي.

استهداف منشآت الطاقة ذات القيمة العالية
ركزّت الموجة الأولى من الضربات الإيرانية على منشآت الطاقة في الخليج العربي ذات القيمة العالية.
واستهدفت طائرات مسيرة مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، التي تضم أكبر مجمع لتصدير الغاز المسال في العالم، بقدرة إنتاجية سنوية تبلغ نحو 77 مليون طن.
وتُشكّل رأس لفان وحدها ما يقارب خُمس إمدادات الغاز المسال العالمية، ما يجعلها واحدة من أهم مراكز الطاقة الإستراتيجية في العالم.
وعقب الضربة وما تلاها من مخاوف أمنية، أوقفت شركة قطر للطاقة إنتاج الغاز المسال، وأعلنت حالة القوة القاهرة على الشحنات، ما أدى إلى تعطيل تدفقات الشحن إلى كل من أوروبا وآسيا.
وأدّت ضربة منفصلة على محطة مسيعيد لتوليد كهرباء إلى اضطرابات متتالية في عمليات البتروكيماويات اللاحقة.
حريق في مصفاة رأس تنورة
شهدت المملكة العربية السعودية اضطرابًا كبيرًا، فقد تسبَّب حطام طائرات مسيّرة تمّ اعتراضها في اندلاع حريق في مصفاة رأس تنورة، إحدى أهم منشآت تصدير النفط في المملكة، التي تبلغ قدرتها الإنتاجية نحو 550 ألف برميل يوميًا.
ورغم احتواء الأضرار، أغلقت شركة أرامكو السعودية مؤقتًا عددًا من وحدات المعالجة لإجراء عمليات تفتيش السلامة.
وحتى الحوادث المحدودة في مصفاة رأس تنورة لها تداعيات عالمية، نظرًا لأن هذه المنشأة تعالج جزءًا كبيرًا من صادرات النفط الخام السعودي.
وقد أظهرت هذه الحادثة كيف يمكن حتى للهجمات التي تمّ اعتراضها جزئيًا أن توقف العمليات في منشآت الطاقة الرئيسة بسبب عمليات الإغلاق الاحترازية ومواثيق السلامة.
بدورها، واجهت الإمارات العربية المتحدة نمطًا مختلفًا من الاضطراب، فقد استهدفت هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ البنية التحتية في دبي، بما في ذلك المواني والمطارات ومراكز البيانات.
ورغم اعتراض معظم المقذوفات، فإن الحطام المتساقط تسبَّب في أضرار للبنية التحتية، وسقوط ضحايا مدنيين، واضطرابات في حركة الطيران.
وشكّلت هذه الهجمات تحديًا لسمعة الإمارات بصفتها مركزًا لوجستيًا وماليًا مستقرًا في منطقة مضطربة.
وعلى الرغم من أن منشآت إنتاج النفط نجت إلى حدّ كبير، أظهرت هذه الهجمات كيف تستهدف الحروب الحديثة بشكل متزايد النظم الاقتصادية الأوسع نطاقًا، وليس فقط مواقع إنتاج الطاقة.
وشهدت دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي آثارًا أقل حدّة، لكنها ما تزال ذات دلالة.
فقد أبلغت البحرين والكويت وعُمان عن أضرار لحقت بالمباني المدنية والمواني والبنية التحتية للنقل جراء حطام الصواريخ والقذائف التي تمّ اعتراضها.
وفي عُمان، ألحقت غارات الطائرات المسيّرة أضرارًا بمنشآت قرب ميناءي الدقم وصلالة، وأسفرت عن إصابة أطقم ناقلات النفط، ما يُبرز هشاشة البنية التحتية البحرية حتى خارج ممر الخليج الأوسط.

الحرب بالوكالة وتزايد الضغط الإقليمي
يُعدّ دور القوات الوكيلة الموالية لإيران، التي تعمل خارج حدودها، بُعدًا رئيسًا للأزمة.
فقد أمضت طهران عقودًا في بناء شبكات من الميليشيات المتحالفة معها في أنحاء الشرق الأوسط، التي يُشار إليها مجتمعةً باسم "محور المقاومة".
وتشمل هذه الجماعات حزب الله في لبنان، وقوات الحوثيين في اليمن، والعديد من الميليشيات الشيعية في العراق، ويُمكّن انخراطها إيران من توسيع النطاق الجغرافي للمواجهة مع الحفاظ على درجات متفاوتة من الإنكار المعقول.
في العراق، تبنّت ميليشيات موالية لإيران، تعمل تحت راية "المقاومة الإسلامية في العراق"، هجمات متعددة بطائرات مسيّرة وصواريخ على قواعد أميركية قرب أربيل وبغداد.
ورغم أن هذه الهجمات كانت تستهدف القوات الأميركية في المقام الأول، فإنها أسهمت في زعزعة الاستقرار على نطاق أوسع وتعطيل البنية التحتية المجاورة.
واستهدفت هجمات مماثلة شنّتها ميليشيات في السنوات السابقة حقول النفط وخطوط الأنابيب في إقليم كردستان العراق، ما يُبيّن كيف يُمكن للعمليات بالوكالة أن تُهدّد إنتاج الطاقة حتى خارج منطقة الخليج.
يُمثّل دور القوات الوكيلة المتحالفة مع إيران، التي تعمل خارج حدودها، جانبًا رئيسًا من جوانب الأزمة.
في اليمن، دأبت حركة الحوثيين، المدعومة من إيران، على استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج باستعمال الطائرات المسيّرة والصواريخ، بما في ذلك شنّ هجمات على منشآت نفطية سعودية وحركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
ورغم أن حجم تورط الحوثيين في التصعيد الحالي ما يزال غير واضح، فإن وجودهم على طول طرق الشحن الرئيسة يُشكّل مخاطر مستمرة على نقل الطاقة والتجارة العالمية.
وفي الوقت نفسه، أدّت هجمات حزب الله الصاروخية على إسرائيل إلى اتّساع نطاق الحرب الإقليمية وزيادة احتمال تصعيده على جبهات متعددة.
اضطرابات أسواق الطاقة العالمية
إلى جانب الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية، كان للهجمات تأثير كبير في أسواق الطاقة العالمية؛ فقد ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 10% خلال الأيام الأولى للأزمة، ما دفع سعر خام برنت إلى ما فوق ثمانين دولارًا للبرميل.
وشهدت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي ارتفاعًا حادًا بعد توقُّف صادرات الغاز المسال القطري.
وأثّرت الحرب في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وأجبرت الاضطرابات المؤقتة وتزايد المخاطر الأمنية العديد من شركات الشحن على تعليق مسار ناقلات النفط أو تغييره.
وارتفعت أقساط التأمين على السفن العاملة في الخليج العربي بشكل حادّ، ما زاد من تعقيد تدفقات تجارة الطاقة.
وتُبرز هذه التطورات هشاشة هيكلية في أسواق الطاقة العالمية، إذ تُسهم دول مجلس التعاون الخليجي بنحو ربع صادرات النفط العالمية وخُمس إمدادات الغاز المسال.
ولذلك، حتى الاضطرابات المؤقتة في البنية التحتية الخليجية يُمكن أن تُؤدي إلى تقلبات فورية في الأسعار وعدم استقرار في الإمدادات.
ورغم أن الأضرار المادية الناجمة عن الهجمات الأخيرة كانت محدودة حتى الآن، فإن آثارها النفسية واللوجستية في الأسواق كانت كبيرة.
استجابات دول مجلس التعاون الخليجي
استجابت دول مجلس التعاون الخليجي بتدابير دفاعية واسعة النطاق.
وقد اعترضت أنظمة الدفاع الجوي الإقليمية مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما أظهر تحسّنًا في القدرات الدفاعية مقارنةً بالحروب السابقة.
وكشف حجم الهجمات الواردة عن قصور أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية، فحتى مع ارتفاع معدلات الاعتراض، تسببَ الحطام المتساقط وعمليات الإغلاق الاحترازية في اضطرابات اقتصادية.
وتُجبر الأزمة دول الخليج على إعادة النظر في نهجها تجاه الدبلوماسية والأمن الإقليميين.

فعلى مدى العقد الماضي، انتهج العديد من حكومات مجلس التعاون الخليجي نهجًا حذرًا في التعامل مع إيران لخفض التوترات وتجنُّب المواجهة المباشرة.
وقد أدت الهجمات الأخيرة إلى إجهاد هذه الجهود، وحذّر قادة الخليج من أن الضربات على البنية التحتية تهدد الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية.
بالمثل، أكد العديد من الحكومات أنه لا يسعى إلى التورط المباشر في حرب أوسع نطاقًا بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وتعكس هذه الإستراتيجية المتوازنة الحذر الجيوسياسي والضرورة الاقتصادية على حدّ سواء.
الآثار طويلة الأمد على أمن الطاقة في الخليج
بالنظر إلى المستقبل، قد تُسرّع الحرب من وتيرة العديد من التغييرات الهيكلية في إستراتيجية الطاقة الخليجية. ومن الأولويات توسيع مسارات التصدير البديلة التي تتجاوز مضيق هرمز.
وقد استكشفت المملكة العربية السعودية إمكان زيادة استعمال خط أنابيب الشرق والغرب الذي يربط حقولها النفطية الشرقية بمواني البحر الأحمر، بينما تعتمد الإمارات العربية المتحدة على خط أنابيب حبشان-الفجيرة لتصدير النفط الخام خارج الخليج.
ومن الأولويات الأخرى تعزيز مرونة البنية التحتية، ومن المرجح أن تزيد الحكومات وشركات الطاقة استثماراتها في المنشآت المحصنة، ومخازن التخزين تحت الأرض، وأنظمة الطاقة اللامركزية، وتقنيات الدفاع الجوي المتقدمة.
ويؤكد الاستعمال الواسع النطاق للطائرات المسيّرة خلال الحرب الحالية على الحاجة إلى أنظمة دفاع متعددة الطبقات قادرة على مواجهة أعداد كبيرة من التهديدات الجوية منخفضة التكلفة.
ويُظهر تصعيد عام 2026 كيف يتشكل أمن الطاقة في الخليج بفعل الحرب الهجينة والتنافس الجيوسياسي الإقليمي.
وتجمع إستراتيجية إيران بين العمل العسكري المباشر والعمليات بالوكالة والاضطرابات البحرية لفرض تكاليف اقتصادية على خصومها.
ورغم احتفاظ دول مجلس التعاون الخليجي بقدرات إنتاجية وموارد مالية كبيرة، فإن الأزمة تُبرز أن القدرة على الإمداد وحدها لا تضمن أمن الطاقة إذا ظلت محطات التصدير أو خطوط الشحن أو مرافق المعالجة عرضة للخطر.
وإذا استمرت الحرب أو اتسع نطاقها، فقد تؤدي الاضطرابات المستمرة إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية، وتفاقم التنافس على إمدادات الطاقة في أوروبا وآسيا.
في المقابل، قد يُعزز خفض التصعيد السريع من قدرة المنطقة على الصمود من خلال تسريع حماية البنية التحتية، وتنويع الصادرات، والتنسيق الأمني بين دول الخليج وشركائها الدوليين.
وتُمثّل أحداث مطلع عام 2026 نقطة تحول حاسمة، فقد أصبحت منشآت الطاقة في الخليج العربي -التي طالما عُدَّت من بين الأكثر أمانًا في العالم- ساحةً مركزية في نزاع إقليمي يزداد تعقيدًا.
موضوعات متعلقة..
- الحرب الإيرانية الإسرائيلية.. كيف تؤثر في منشآت الطاقة الحيوية للبلدين؟ (مقال)
- منشآت الطاقة البحرية في الشرق الأوسط.. إستراتيجية طموحة للأمن السيبراني
- إيران تُبعد ناقلات النفط عن جزيرة خارج.. وتُهدد باستهداف منشآت الطاقة الإسرائيلية
اقرأ أيضًا..
- خط أنابيب سوميد المصري ينقل 365 مليون برميل من النفط الخليجي في 2025
- إغلاق مضيق هرمز.. 7 تطورات تعيد صياغة معادلة إمدادات الطاقة العالمية (مقال)
- الحقول المشتركة بين قطر وإيران.. ماذا تعرف عن كنز الغاز العالمي؟





