المقالاتأهم المقالاترئيسيةسلايدر الرئيسيةغازمقالات الغاز

إمدادات الغاز المهددة.. هل تُجبر الحرب مصر والأردن على ركوب "سفينة نوح"؟ (مقال)

أحمد بدر

تضع تطورات الحرب على إيران ملف إمدادات الغاز في صدارة أولويات الأمن القومي لدول المنطقة، مع تصاعد المخاوف من انقطاع مفاجئ أو طويل الأمد للتدفقات الإقليمية، خاصةً تلك القادمة من إسرائيل إلى مصر والأردن.

ويأتي الإغلاق الاحترازي لحقول ليفياثان وكاريش ليعمّق القلق في القاهرة وعمّان، إذ تعتمد الدولتان بنِسب متفاوتة على الغاز الإسرائيلي لتأمين احتياجات الكهرباء والصناعة، ما يفرض إعادة حسابات سريعة ومكلفة أحيانًا.

وتشير تقديرات حديثة إلى أن إمدادات الغاز الإسرائيلي شكّلت عنصر توازن مهمًا في مزيج الطاقة المصري والأردني، خصوصًا خلال أوقات ذروة الطلب الصيفي، حين يرتفع استهلاك الكهرباء إلى مستويات قياسية.

في المقابل، لم تنتظر الحكومتان طويلًا، إذ سارعتا إلى تفعيل خطط طوارئ وتنويع مصادر الوقود، تحسّبًا لسيناريو توقُّف كامل قد يفرض ضغوطًا اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق.

وهنا يبرز السؤال المحوري: هل تُمثّل واردات الغاز المسال بالنسبة إلى مصر، والغاز الأذربيجاني عبر تركيا بالنسبة إلى الأردن، "سفينة نوح" القادرة على إنقاذ إمدادات الغاز من الغرق في عاصفة جيوسياسية غير مسبوقة؟

واردات مصر من الغاز الإسرائيلي

بلع حجم واردات مصر من الغاز الإسرائيلي نحو 10 مليارات متر مكعب خلال العام الماضي 2025، أي ما يعادل 7.35 مليون طن، وفق تقديرات لمؤسسة وود ماكنزي البحثية.

وجعل ذلك إمدادات الغاز الطبيعي القادمة من حقل ليفياثان الواقع قبالة سواحل البحر المتوسط، ركيزة أساسية لتغطية ما بين 15 و20% من الاستهلاك المحلي في مصر.

لذلك، فإن إغلاق حقل ليفياثان في يونيو/حزيران 2025 كشف هشاشة الاعتماد النسبي على مصدر واحد، إذ اضطرت الحكومة حينها إلى وقف توريد الغاز لبعض الصناعات، لإعطاء الأولوية لتشغيل محطات الكهرباء خلال ذروة الصيف.

حقل ليفياثان للغاز في إسرائيل
حقل ليفياثان للغاز في إسرائيل

ومع تصاعد التوترات، تجد القاهرة نفسها أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة إمدادات الغاز بمرونة، خاصةً أنّ أيّ توقُّف كامل للصادرات قد يتزامن مع اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ما يرفع كلفة البدائل.

تحركات الحكومة جاءت سريعة، إذ تعاقدت على شحنات غاز طبيعي مسال من مصادر متنوعة، إلى جانب إبرام اتفاقيات طويلة الأجل مع شركات عالمية، لتعزيز مرونة منظومة الإمداد في مواجهة الانقطاعات المفاجئة.

وتعتمد خطة الطوارئ على تنويع إمدادات الغاز بين الإنتاج المحلي والواردات، مع تجنُّب الاعتماد على مورد واحد، بما يحدّ من المخاطر الجيوسياسية ويمنح صانع القرار مساحة أوسع للمناورة.

في الوقت نفسه، تمتلك مصر 4 سفن تغويز في ميناءي السخنة ودمياط، بطاقة إجمالية تبلغ 2700 مليون قدم مكعبة يوميًا، ما يسمح بضخّ الغاز المستورد مباشرة إلى الشبكة القومية دون تأخير يُذكر.

وأعدّت الحكومة سيناريوهات بديلة لتشغيل محطات الكهرباء بأنواع وقود مختلفة، مع تكوين مخزونات إستراتيجية من المنتجات النفطية، لضمان استقرار إمدادات الغاز وعدم تأثُّر القطاعات الحيوية بأيّ نقص محتمل.

واردات الأردن من الغاز

توقّف الغاز الإسرائيلي إلى الأردن بصورة كاملة وضع عمّان أمام اختبار صعب، بعدما شكّلت إمدادات الغاز القادمة من حقل ليفياثان عنصرًا مهمًا في تشغيل محطات الكهرباء خلال السنوات الماضية.

وفي تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة، أكد مسؤول أردني أن النظام الكهربائي انتقل فورًا إلى خطط الطوارئ المعتمدة، عقب إغلاق منشآت الغاز البحرية الإسرائيلية بدوافع أمنية.

هذا التوقف المفاجئ دفع المملكة إلى إعادة ترتيب أولوياتها في إدارة إمدادات الغاز، عبر تفعيل بدائل سريعة تضمن استقرار الشبكة وعدم المساس بأمن التزويد للمواطنين والقطاعات الاقتصادية.

أول هذه البدائل تَمثل في الاعتماد على سفينة إعادة التغويز العائمة "إنرغوس فورس" في ميناء العقبة، التي تستقبل شحنات الغاز المسال من الأسواق العالمية وتضخّها في الشبكة المحلية.

سفينة التغويز إنرغوس فورس في ميناء العقبة
سفينة التغويز إنرغوس فورس في ميناء العقبة- الصورة من وزارة الطاقة الأردنية

كما شمل التحرك تشغيل بعض محطات التوليد على الوقود الثقيل والديزل، بما يوفر مرونة تشغيلية، ويخفف الضغط على إمدادات الغاز المستوردة في ظل الظروف الإقليمية المعقّدة.

ويرتبط الأردن باتفاقية استيراد طويلة الأجل بدأت عام 2020 لمدة 15 عامًا، لشراء الغاز من حقل ليفياثان، الذي ينتج قرابة 12 مليار متر مكعب سنويًا مع خطط توسعة مستقبلية.

ورغم تراجع حصة الغاز في مزيج الكهرباء إلى 8.08% خلال 2024 مقابل 61.1% في 2023، فإن أيّ اضطراب في إمدادات الغاز يظل عاملًا مؤثّرًا في كلفة التوليد واستقرار الأسعار.

واردات الغاز المسال.. سفينة نوح

في خضمّ هذه العاصفة، تبدو واردات الغاز المسال بالنسبة إلى مصر، والغاز الأذربيجاني عبر تركيا بالنسبة إلى الأردن، أقرب إلى "سفينة نوح" لإنقاذ إمدادات الغاز من تداعيات التصعيد.

بالنسبة إلى القاهرة، تمنحها سوق الغاز المسال العالمية مرونة أكبر، وإن كان ذلك بكلفة أعلى، إذ يمكنها التحرك في الأسواق الفورية أو التعاقد طويل الأجل لسدّ أيّ فجوة طارئة.

هذا التنوع في المصادر يعزز قدرة الدولة على حماية إمدادات الغاز من الصدمات الإقليمية، خاصةً مع توافر بنية تحتية متقدمة تشمل سفن التغويز ومحطات الاستقبال والتخزين.

واردات مصر من الغاز المسال في 2025

أمّا الأردن، فيراهن على تعميق الربط الإقليمي وتنويع الواردات، بما في ذلك احتمالات زيادة الاعتماد على الغاز الأذربيجاني عبر تركيا، لتقليل الاعتماد الأحادي على إسرائيل.

ورغم ارتفاع الكلفة المحتملة، فإن تنويع إمدادات الغاز يمنح صانعي القرار هامش أمان إستراتيجيًا، ويقلل من مخاطر الابتزاز السياسي أو الانقطاع المفاجئ في أوقات الأزمات.

وتؤكد تجارب السنوات الماضية أن الاعتماد على مورد واحد في بيئة جيوسياسية مضطربة يحمل مخاطر مضاعفة، سواء على مستوى المالية العامة أو استقرار القطاعات الصناعية.

في النهاية، قد لا تكون "سفينة نوح" حلًا دائمًا، لكنها تُمثّل خيارًا واقعيًا لحماية إمدادات الغاز في مرحلة انتقالية، ريثما تتضح ملامح المشهد الإقليمي وتُعاد صياغة خريطة الطاقة في الشرق الأوسط.

أحمد بدر - صحفي متخصص في مجال الطاقة، ونائب مدير تحرير منصة الطاقة المتخصصة

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق