دراسة مصرية: خفض الانبعاثات أولوية لمواجهة التغيرات المناخية
داليا الهمشري

أصبح خفض الانبعاثات الكربونية ضرورة ملحّة في وقت تتسارع فيه تداعيات التغيرات المناخية، إذ لم يعد تلوث الهواء مجرد أزمة بيئية عابرة، بل أحد أبرز التحديات المرتبطة بحماية الصحة العامة واستقرار المناخ.
فالمصادر ذاتها التي تطلق غازات الاحتباس الحراري، وعلى رأسها حرق الوقود الأحفوري في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل، هي نفسها المسؤولة عن الانبعاثات التي تهاجم الجهاز التنفسي والقلب والجهاز العصبي، وتهدد النظم البيئية والتنوع البيولوجي.
في هذا السياق، تسلّط دراسة أجرتها رئيسة قسم بحوث تلوث الهواء في معهد بحوث البيئة والتغيرات المناخية بالمركز القومي للبحوث الدكتورة سلوى كمال الضوء على الأثر الصحي والبيئي لملوثات الهواء، مؤكدةً أن مواجهة التلوث تمثّل ركيزة أساسية في معادلة المناخ والتنمية المستدامة.
ولفتت الدراسة -التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- إلى أن خفض الانبعاثات لا يعني فقط تقليل ثاني أكسيد الكربون، بل يشمل -أيضًا- الحدّ من الجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت وغيرها من الملوثات التي تتفاعل في الغلاف الجوي لتفاقم الضباب الدخاني والأمطار الحمضية وتسهم في تغير المناخ.
أدوات خفض الانبعاثات
عرّفت الدراسة تلوث الهواء بوجود مواد غازية أو سائلة أو صلبة عالقة في الغلاف الجوي تغير من خصائصه الطبيعية، وتُلحق أضرارًا مباشرة بالإنسان والبيئة والكائنات الحية.
وتتنوع مصادر هذه الملوثات بين مصادر طبيعية، مثل رياح الخماسين ورذاذ البحر والبراكين، ومصادر بشرية باتت الأكثر تأثيرًا، وفي مقدمتها حرق الوقود لإنتاج الطاقة، والنشاط الصناعي، والصناعات الكيميائية، ووسائل النقل، إضافة إلى حرق المخلفات الزراعية والمنزلية والاستعمال المكثف للمبيدات والأسمدة.

وتنقسم ملوثات الهواء إلى نوعين رئيسين: ملوثات أولية تنبعث مباشرة إلى الغلاف الجوي، مثل الغبار والدخان وأول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، وملوثات ثانوية تتشكل نتيجة تفاعلات كيميائية في الهواء، مثل الأوزون الأرضي والضباب الدخاني والأحماض المسببة للأمطار الحمضية.
ولفتت الدراسة إلى أن قضية التلوث تتقاطع مع تغير المناخ، إذ تسهم بعض هذه الملوثات -خاصة الكربون الأسود وأكاسيد النيتروجين- في تعزيز ظاهرة الاحتباس الحراري، كما تؤدي تفاعلاتها إلى تكوين مركبات تزيد من تعقيد المشهد البيئي والمناخي.
توضح الدراسة المصرية أن التأثيرات لا تقف عند حدود البيئة، بل تمتد إلى الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال والحوامل ومرضى القلب والجهاز التنفسي، مع تسجيل ارتباطات علمية بين التعرض طويل الأمد لبعض الملوثات وارتفاع معدلات الوفيات المبكرة والأمراض المزمنة.
كما تشير الدراسة إلى أن هناك ظواهر محلية مثل السحابة السوداء تعكس كيف يمكن لممارسات تقليدية، مثل حرق المخلفات الزراعية، أن تتحول إلى عامل مضاعف للتلوث وتدهور جودة الهواء، بما يربط بين الإدارة البيئية الرشيدة والتزامات الدولة بخفض الانبعاثات الكربونية.
ومن هنا، أبرزت الدراسة دور السياسات البيئية، والاقتصاد الأخضر، وشبكات الرصد المبكر، إلى جانب الالتزام بالاتفاقيات الدولية المعنية بالمناخ، بصفتها أدوات متكاملة لخفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء في آن واحد، بما يحقق هدفًا مزدوجًا يتمثل في حماية صحة الإنسان، وصون استقرار المناخ للأجيال المقبلة.
حزمة من الإجراءات
تؤكد الدراسة أن تأثير تلوث الهواء لا يقتصر فقط على صحة الإنسان، بل يمتد إلى تدهور النظام البيئي والتنوع البيولوجي، موضحةً أن زيادة الترسيب النيتروجيني في المسطحات المائية تؤدي إلى ظاهرة التخثث، حيث تنمو الطحالب بكثافة، فتحجب الضوء وتستهلك الأكسجين؛ ما يتسبب في نفوق الأسماك واختلال التوازن البيئي.
كما تعاني الحيوانات من أمراض تنفسية مماثلة لتلك التي تصيب الإنسان، إضافة إلى تراكم الملوثات في أنسجتها، بما يهدد السلسلة الغذائية بأكملها.
وفي السياق المحلي، تشير الدراسة إلى أن القاهرة الكبرى تمثّل نموذجًا للتحديات المرتبطة بالكثافة السكانية والمرورية، في حين تعكس ظاهرة السحابة السوداء -الناتجة عن حرق قش الأرز وتفاعل العوامل الجوية- كيف يمكن لممارسات موسمية أن ترفع تركيزات الجسيمات العالقة بشكل حادّ، لتتحول إلى أزمة صحية وبيئية متكررة.
وعلى الصعيد العالمي، تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث الهواء الخارجي والداخلي يتسبب في ملايين الوفيات المبكرة سنويًا، ما يعكس حجم العبء الصحي والاقتصادي المرتبط بهذه الظاهرة.

وتؤكد الدكتورة سلوى كمال -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن التعامل مع تلوث الهواء يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بتعزيز شبكات الرصد البيئي اللحظي ونشر البيانات بشفافية، مرورًا بتشجيع التحول نحو الاقتصاد الأخضر وتقنيات الطاقة النظيفة، وصولًا إلى الالتزام بالمعاهدات الدولية المعنية بخفض الانبعاثات.
وأضافت قائلة: "المعادلة أصبحت واضحة: كل خطوة تُتخذ لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات الكربونية، تنعكس مباشرة على تحسين جودة الهواء، وتقليل الأعباء الصحية، ودعم جهود مواجهة تغير المناخ في آن واحد".
موضوعات متعلقة..
- تقنية مصرية لخفض الانبعاثات في محطات التوليد الحرارية
- خفض الانبعاثات الكربونية بقطاع البناء.. تقنية مصرية مبتكرة
- خفض الانبعاثات الكربونية في قطاع النقل البحري.. تقنية مصرية جديدة
اقرأ أيضًا..
- هل تنجح مصر في إنتاج مليون برميل نفط يوميًا؟.. 3 خبراء يتحدثون
- قطاع الطاقة المغربي في 2026 يترقب 5 تطورات مهمة
- كشف أكبر موقع محتمل لتخزين الهيدروجين.. أقدم من الديناصورات
- شحنة غاز مسال تتجنب قناة السويس وتذهب إلى وجهة نادرة





