فوضى الأسعار تدفع لرحلة مجنونة.. غاز أسترالي يعبر نصف الكرة الأرضية
أحمد بدر
تسببت فوضى الأسعار في الأسواق الفورية في اندفاع شحنة غاز أسترالي نحو مسار غير مسبوق، بعدما غيّرت ناقلة غاز مسال وجهتها من أميركا الجنوبية إلى شرق كندا، في رحلة طويلة تعكس اختلالات العرض والطلب وتباين الأسعار بين القارات بصورة لافتة.
وبحسب بيانات تتبع السفن وشركات الرصد البحري لدى منصة الطاقة المتخصصة، قطعت الناقلة "مران غاز هيكتور" مسارًا يناهز 16 ألف ميل بحري، حاملة نحو 71.7 ألف طن من الوقود فائق التبريد، في واحدة من أطول الرحلات التجارية المسجلة خلال الأعوام الأخيرة.
ويكشف انتقال شحنة غاز أسترالي إلى الساحل الأطلسي الكندي مفارقةً جغرافيةً واضحةً، إذ يفترض منطق السوق أن تلبي الولايات المتحدة احتياجات جارتها الشمالية لقرب المسافة، بدلًا من وصول إمدادات من أقصى جنوب الكرة الأرضية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تراجع ملحوظ في الطلب الآسيوي، خاصةً من الصين واليابان وكوريا الجنوبية، ما دفع المنتجين إلى إعادة توجيه الشحنات غير المتعاقَد عليها نحو أسواق بديلة بحثًا عن هوامش ربح أفضل واستقرار تسويقي أكبر.
الغاز الأسترالي إلى كندا
يمثّل وصول الغاز الأسترالي إلى كندا سابقة في سجلات الشحن منذ عام 2008، إذ لم تُسجل تدفقات شحنات مماثلة بين البلدين، ما يمنح هذه الرحلة طابعًا استثنائيًا في خريطة تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وكان من المخطط أن تتجه الشحنة إلى تشيلي ضمن مسار نادر نحو أميركا الجنوبية، غير أن تحولات الأسعار الفورية دفعت الشركة المالكة إلى تغيير الوجهة في اللحظات الأخيرة نحو سوق أبعد جغرافيًا وأكثر جاذبية تجاريًا.
كما تعكس هذه الصفقة تحرُّك أحدث شحنة غاز أسترالي في سياق خلل هيكلي داخل كندا، إذ ترفض الحكومة الفيدرالية وبعض الحكومات المحلية مدّ خط أنابيب من ألبرتا إلى الشرق، ما يُبقي المقاطعات الأطلسية معتمدةً على الواردات البحرية المكلفة.
وتوضح الخريطة التالية مسار الناقلة "مران غاز هيكتور" من أستراليا إلى كندا:
يأتي هذا التدفق رغم أن كندا تصدّر الغاز المسال من سواحلها الغربية إلى آسيا، في مفارقة تجارية تعكس تعقيدات البنية التحتية والانقسامات السياسية التي تحول دون تحقيق تكامل داخلي فعال في سوق الطاقة، وفق ما طالعته منصة الطاقة المتخصصة.
وتحمل الناقلة نحو 71.7 ألف طن غاز أسترالي حُمِّلَت من محطة سانت جون في شمال شرق البلاد، قبل أن تبدأ رحلتها الطويلة عبر المحيطين الهندي والأطلسي وصولًا إلى الساحل الكندي بعد أسابيع من الإبحار المتواصل.
كما يأتي هذا التصدير في وقت تراجعت فيه الواردات الصينية من الغاز الطبيعي المسال بنحو ملحوظ خلال عام 2025، مع لجوء بعض المشترين الآسيويين إلى إعادة بيع الشحنات في السوق الفورية لتقليل الخسائر، ما خلق فوضى أسعار ملحوظة.
وتؤكد رحلة أحدث شحنة غاز أسترالي أن الأسعار الفورية أصبحت العامل الحاسم في تحديد وجهات الشحن، حتى لو تطلَّب الأمر عبور نصف الكرة الأرضية وتحمُّل تكاليف نقل مرتفعة مقارنة بالمسارات التقليدية الأقصر.
تحولات تركيا وتشيلي والجدل الداخلي
لم تكن رحلة كندا الوحيدة هذا العام، إذ وصل غاز أسترالي مؤخرًا إلى تركيا بعد أن غيّرت شحنة أخرى وجهتها من فرنسا، متجنبةً المرور عبر قناة السويس، في مؤشر واضح على مرونة المسارات التجارية العالمية.
كما شهد العام الجاري 2026 -أيضًا- توجيه شحنات إلى تشيلي، وهي وجهة نادرة نسبيًا لصادرات أستراليا، لكنها ليست الأولى تاريخيًا، ما يعكس توسُّع نطاق البحث عن مشترين خارج آسيا في ظل تباطؤ الطلب الإقليمي.
وتزامنت تحركات شحنات الغاز الأسترالي الخارجية مع تصاعد الجدل في يوليو/تموز 2025 بشأن أولوية تلبية الطلب المحلي، بعد تحذيرات رسمية من احتمال نقص الإمدادات في شرق البلاد خلال الأعوام المقبلة.
وبحسب تقارير لجنة المنافسة والمستهلك الأسترالية، فإن استمرار التصدير بكميات كبيرة دون مراعاة احتياجات السوق الداخلية قد يفاقم فجوة العرض، خاصةً مع ارتفاع الاستهلاك الصناعي وضغوط الأسعار على الأسر.

ويعيد مسار أحدث شحنة غاز أسترالي نحو أسواق بعيدة تسليط الضوء على موقع أستراليا بين كبار المصدرين عالميًا، بعدما جاءت في المرتبة الثانية العام الماضي، قبل أن تتراجع إلى المركز الثالث خلال النصف الأول من 2025.
وتُظهر بيانات الصادرات أن الشحنات غير المتعاقَد عليها أصبحت عنصرًا حساسًا في معادلة التوازن بين العرض والطلب، في ظل منافسة محتدمة مع الولايات المتحدة وقطر على الحصص السوقية العالمية، وفق ما تابعته منصة الطاقة المتخصصة.
وإجمالًا، يكشف تكرار تصدير شحنات غاز أسترالي عابر للقارات أن تجارة الطاقة لم تعد تحكمها الجغرافيا وحدها، بل اعتبارات الأسعار والبنية التحتية والسياسات المحلية، ما يخلق مسارات تبدو أحيانًا أقرب إلى مغامرات تجارية محسوبة.
موضوعات متعلقة..
- مشروع غاز أسترالي يواجه عقدًا من الجدل بين أمن الطاقة والبيئة
- هل تسعى أرامكو السعودية لشراء شركة غاز أسترالية؟ (تحديث)
- بي بي البريطانية تقتنص حصة شل في مشروع غاز أسترالي
اقرأ أيضًا..
- صادرات النفط العراقي في يناير 2026 تنخفض 1000 برميل يوميًا
- مستجدات أسواق الغاز المسال العربية والعالمية في 2025 (ملف خاص)
- السيارات الكهربائية في الأردن بين التوسع وتراجع استهلاك البنزين بـ2025 (خاص)





