التقاريرتقارير منوعةرئيسيةمنوعات

المعادن الحيوية في أفريقيا.. بين تنافس الدول الكبرى والاعتبارات الاقتصادية والبيئية (تقرير)

نوار صبح

يتميز قطاع المعادن الحيوية في أفريقيا بتنافس شديد من جانب الدول الكبرى وجدل بشأن الاعتبارات الاقتصادية والبيئية لدى المجتمعات المحلية، التي تشهد مناطقها نشاطًا ملحوظًا في عمليات التعدين.

في هذا الإطار، تصدرت الجوانب الجيوسياسية النقاش في اليوم الثاني من مؤتمر إندابا للاستثمار في التعدين الأفريقي، حيث برزت مكانة أفريقيا بوصفها موردًا محوريًا في التحول العالمي للطاقة النظيفة، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.

وقال خبراء مشاركون في مؤتمر إندابا للاستثمار في التعدين الأفريقي 2026 إنه على الرغم من أن أفريقيا لا تستطيع التحدث بصوت واحد يناسب الجميع، فإنها تستطيع المضي قدمًا برؤية موحدة.

خلال جلسات النقاش في مركز كيب تاون الدولي للمؤتمرات تبين أن المنافسة تتزايد بسرعة بين المستثمرين الأميركيين والأوروبيين والصينيين والشرق أوسطيين لتأمين المعادن الحيوية اللازمة لتصنيع البطاريات، وأنظمة الطاقة المتجددة، وتقنيات الدفاع، والبنية التحتية الرقمية.

الشراكات المنشودة

أكد المشاركون في "مؤتمر إندابا للاستثمار في التعدين الأفريقي" أن الدول الكبرى تسعى إلى الحصول على إمدادات معدنية وإلى إقامة شراكات في مجال البنية التحتية، بما في ذلك أنظمة الكهرباء العابرة للحدود وممرات التنمية الصناعية، بهدف ضمان الوصول طويل الأجل إلى الموارد.

وأُفيد خلال المؤتمر أن مشروعات الطاقة المدعومة بشراكات دولية تُصمَّم لربط أسواق الطاقة الإقليمية في غرب أفريقيا، مع توقع نقل الكهرباء بين الدول مع توسع شبكات النقل.

وأوضح المشاركون أن هذه المشروعات تهدف إلى تعزيز التنمية الصناعية، وتمكين أنشطة التعدين، ودمج الاقتصادات الإقليمية.

جانب من حفل افتتاح مؤتمر إندابا للاستثمار في التعدين الأفريقي 2026 في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا
جانب من حفل افتتاح مؤتمر إندابا للاستثمار في التعدين الأفريقي 2026 في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا - الصورة من شينخوا

الحاجة إلى رأس المال البشري

أكد المتحدثون في "مؤتمر إندابا للاستثمار في التعدين الأفريقي" أن البنية التحتية وحدها لن تكون كافية.

ووُصِفَ تطوير رأس المال البشري -تدريب الجيولوجيين والمتخصصين التقنيين من بين آخرين- بأنه بالغ الأهمية لضمان استفادة الدول الأفريقية من طفرة المعادن الحيوية.

وسُلِّط الضوء على الاستثمارات في التدريب على المهارات والمؤسسات التقنية بوصفها وسيلة لضمان بقاء الخبرات داخل البلدان المضيفة، حتى لو انتقل العمال لاحقًا بين الشركات أو القطاعات.

وبرزت عملية التصنيع بشكل كبير في النقاش، وقال المشاركون إن تحسين الوصول إلى الطاقة والمهارات والأسواق يمكن أن يُتيح إجراء المزيد من عمليات التصميم والمعالجة والتصنيع داخل أفريقيا بدلًا من تصدير المواد الخام إلى الخارج.

وفي الوقت نفسه، أقروا بالدوافع الإستراتيجية للحكومات الأجنبية.

وذُكِر في المؤتمر أن الولايات المتحدة وشركاء آخرين يسعون في المقام الأول إلى الوصول الموثوق إلى أسواق الموارد المعدنية، على الرغم من أن المستثمرين أشاروا إلى استعدادهم لدفع أسعار السوق.

ويرى المتحدثون أنه بمرور الوقت يمكن أن تُشجع القدرة الصناعية المتنامية في أفريقيا على زيادة القيمة المضافة محليًا بدلًا من شحن الخام عبر القارات.

إعادة التدوير وسلاسل التوريد

استكشف النقاش إعادة التدوير بوصفها مصدرًا تكميليًا للمعادن الحيوية.

باستعمال الهواتف الذكية مثلًا، أشار المشاركون في المؤتمر إلى أن النفايات الإلكترونية تحتوي على كميات كبيرة من المعادن الثمينة مثل الذهب، وعلى الرغم من ذلك ينتهي المطاف بمعظمها في مكبات النفايات.

وأوضحوا أن ملايين الأطنان من النفايات الإلكترونية تُنتج سنويًا على مستوى العالم، ولا يُعاد تدوير سوى جزء ضئيل منها.

وأشاروا إلى أن إعادة التدوير من شأنها تعزيز الأمن المعدني والحد من الضغوط البيئية الناجمة عن التعدين الجديد، إلا أن ذلك يتطلب حوافز سياسية لتشجيع جمع المواد، وأنظمة معالجة مركزية، ومرافق تقنية متطورة لاستخلاص المواد من منتجات معقدة مثل البطاريات والإلكترونيات.

وأضاف المشاركون في المؤتمر أن العديد من الاتفاقيات الدولية تتضمن الآن التعاون في مجال إعادة تدوير الخردة، ما يعكس مسعىً أوسع من جانب الحكومات لتنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على منتج واحد.

المجتمعات ومخاطر النزاعات

برزت فوائد المجتمعات والحوكمة بوصفها قضايا محورية، وأفاد المشاركون في المؤتمر بأن المجتمعات المحلية غالبًا ما تواجه آثارًا بيئية واجتماعية ناجمة عن مشروعات التعدين، بينما لا تحصل إلا على فوائد محدودة.

ولمعالجة هذه المشكلة استشهد المشاركون بنماذج دولية مثل مشاركة المجتمعات المحلية في رأس المال، والرصد البيئي التشاركي، واتفاقيات تقاسم المنافع الملزمة قانونًا التي تنقل الالتزامات إلى المالكين المستقبليين لأصول التعدين.

وأكدوا أن الاتفاقيات القوية التي تتضمن صنع القرار المشترك وآليات الوساطة من طرف ثالث يمكن أن تقلل بشكل كبير من النزاعات المتعلقة بالمشروعات.

وسلط المتحدثون الضوء على أمثلة من قطاعات أخرى، بما في ذلك اتفاقيات إدارة الموارد عبر الحدود، موضحين كيف يمكن للتعاون المنظم أن يمنع النزاعات حول الموارد المشتركة.

وعلى الرغم من تحسن الإستراتيجيات، لا يزال التنفيذ يمثل تحديًا.

وأشار المشاركون إلى أن العديد من الحكومات لديها أطر سياسات سليمة، لكنها تواجه صعوبة في التنفيذ، ما يخلق خطر بقاء القارة عالقة في أنماط الاستخراج.

وأُفيد خلال المؤتمر أن "خطر الاستخراج لا يزال قائمًا"، مع دعوات إلى التنسيق بين الحكومات والشركات والمجتمعات لضمان المنفعة المتبادلة والازدهار على المدى الطويل.

أحد مصانع بطاريات الليثيوم أيون في كندا
أحد مصانع بطاريات الليثيوم أيون في كندا - الصورة من ذا كونفرسيشن

نقاش: فرصة أم نقطة ضعف؟

أكدت مناظرة منفصلة على المنصة الرئيسة "لمؤتمر إندابا للاستثمار في التعدين الأفريقي" استمرار الانقسام في الآراء حول آفاق أفريقيا في "عصر الموارد" الناشئ.

في جلسة تناولت سؤال "هل أفريقيا رابحة في الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة؟"، اتفق المتحدثون على أن القارة تتمتع بموقع قوي، لكنهم تساءلوا عما إذا كان بإمكانها استغلاله بفاعلية.

وأشار أحد الأطراف إلى أن أفريقيا تُخاطر بأن تصبح "متلقية للقوانين" في عالم يعود إلى سياسات القوة التي تُشكلها النفوذ الاقتصادي والعسكري.

وحذروا من أنه دون التعاون الإقليمي والمفاوضات الجماعية، قد تفقد القارة نفوذها في المفاوضات.

في المقابل، أكد آخرون أن الميزة الجيولوجية لأفريقيا حاسمة، وأُشير إلى أن أفريقيا تمتلك ما يقرب من 40% من احتياطيات المعادن الحيوية المؤكدة في العالم، ما يضمن اهتمامًا عالميًا مستدامًا وطلبًا طويل الأجل مدفوعًا بتحول الطاقة والتقنيات المتقدمة، وفق ما تابعته منصة الطاقة المتخصصة.

دور الشباب الأفريقي

أشار المتحدثون إلى ميزة ديموغرافية؛ إذ يمكن للشباب الأفريقي أن يوفروا القوى العاملة اللازمة لدعم التعدين والتصنيع والصناعات التحويلية، شريطة توسيع أنظمة التدريب والتعليم.

وتم التركيز على أهمية الحوكمة مرارًا وتكرارًا، وأُشير إلى قضايا مثل النزعة القومية للموارد، والتعقيدات الضريبية، وعدم الاستقرار السياسي بوصفها أسبابًا لقلة مشروعات التنقيب في بعض المناطق، وتم التأكيد على أهمية التكامل الإقليمي لتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد.

وأكد المتحدثون أنه ليس بإمكان كل دولة استضافة مصافي تكرير أو مصانع معالجة، ولكن يمكن للمرافق الإقليمية المشتركة أن تجعل التنمية الصناعية مجدية إذا نُسقت السياسات.

وشُبّه التنافس العالمي على المعادن بحرب باردة جديدة، تركز هذه المرة على سلاسل التوريد بدلًا من الأيديولوجيا؛ حيث خصصت الاقتصادات الكبرى رؤوس أموال لتأمين الموارد، وإعادة تشكيل الشبكات الصناعية.

واختتم النقاش بتفاؤل حذر؛ إذ يمكن لأفريقيا أن تستفيد بشكل كبير من التنافس الجيوسياسي على المعادن الحيوية، ولكن بشرط أن تعزز الحكومات الحوكمة، وتنسق السياسات، وتضمن مشاركة المجتمعات المحلية في المكاسب.

نقل المعادن الحيوية في أفريقيا

هناك مشروعان ضخمان للسكك الحديدية في أفريقيا، بتكلفة مليارات الدولارات، أحدهما يتجه غربًا، والآخر شرقًا، الأول مدعوم من دول غربية، والآخر من الصين، وكلاهما يهدف إلى نقل كميات هائلة من المعادن الحيوية.

وسيصل إجمالي تكلفة مشروع خط سكة حديد لوبيتو إلى 6 مليارات دولار أميركي بحلول عام 2030، وهو الموعد المُخطط لإنجازه، ويمتد هذا الخط لمسافة 1700 كيلومتر، وينقل بشكل رئيس النحاس والكوبالت من جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا غربًا إلى ميناء لوبيتو الأنغولي.

ويأتي جزء كبير من التمويل من الولايات المتحدة وأوروبا، ويهدف إلى تحديث خط السكة الحديد الحالي وإنشاء خطوط جديدة لرفع قدرته الإنتاجية السنوية إلى 4.6 مليون طن متري.

في الاتجاه المعاكس شرقًا نحو تنزانيا، يمتد خط سكة حديد تازارا لمسافة 1860 كيلومترًا، ويربط المناطق الغنية بالمعادن في زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية بميناء على المحيط الهندي، ما يوفر أوقات إبحار أقصر إلى الصين وغيرها من الأسواق الآسيوية.

على غرار مشروع لوبيتو يُعد هذا المشروع إعادة تأهيل لخط سكة حديد يعود إلى الحقبة الاستعمارية، ومن المقرر أن ينفق ممولوه الصينيون نحو 1.4 مليار دولار أميركي لرفع قدرته الإنتاجية السنوية إلى 2.4 مليون طن.

ويُجسّد هذان المشروعان سعي الدول الكبرى في العالم إلى تأمين المعادن اللازمة لتشغيل الاقتصادات الصناعية وتحول الطاقة، والسيطرة عليها.

ويُظهر المشروعان التباين في أساليب الدول الغربية والصين في تحقيق أهدافها المتعلقة بأمن الإمدادات.

المعادن الحيوية في أفريقيا

الثروات المعدنية في أفريقيا

تقع الدول الأفريقية في المنتصف، إذ تنعم بثرواتها المعدنية، لكنها تعاني غياب سياسات منسقة تضمن عدم استغلالها من قِبل الدول الأقوى، فضلًا عن معاناتها المتكررة من سوء الإدارة وعدم القدرة على توفير أنظمة استثمارية مستدامة وموثوقة.

وما يميز هذه المرة عن الغزو الاستعماري لأفريقيا قبل قرنين من الزمان هو أن الدول الأفريقية تتمتع بخيارات أوسع بكثير.

وبإمكان أفريقيا وضع القوانين واختيار شركائها، وإذا أحسنت الاختيار فستجني فوائد جمة من زيادة الاستثمارات وفرص العمل والإيرادات من الضرائب والرسوم.

من ناحية ثانية، تختلف النماذج المطروحة قليلًا؛ إذ تفضل الدول الغربية في الغالب الشركات الخاصة، إلى جانب الشراكات والتمويل الحكومي لبناء المناجم والبنية التحتية للنقل.

تركيز الولايات المتحدة على تعزيز التجارة والاستثمار

كان أحد أبرز التحولات في مؤتمر "ماينينغ إندابا" هذا الأسبوع في كيب تاون هو تغيير الولايات المتحدة نهجها، متجنبةً الخطاب العدائي والتهويلي للرئيس دونالد ترمب، ومحاولتها التركيز على تعزيز التجارة والاستثمار.

وربما يكون هذا اعترافًا ضمنيًا بأن إهانة الدول التي تحتاج إلى مواردها ليست سياسة ناجحة، لكن المسؤولين الأميركيين كانوا حاضرين بقوة للترويج لرأس مالهم للاستثمار واستعدادهم لإعادة المخاطرة بمشروعات التعدين من خلال ضمان الشراء والأسعار.

وفي حال سلكت الولايات المتحدة هذا المسار، وتمكنت الدول الأفريقية من تجاوز إهانات ترمب السابقة وتقليص المساعدات الأميركية، فهناك احتمال حقيقي للمضي قدمًا في إنشاء مناجم وبنية تحتية جديدة.

سيحتاج "مخزن" المعادن الحيوية الأميركي المزمع إنشاؤه إلى موارد أفريقية، ويُظهر اجتماعٌ ضمّ أكثر من 50 دولة الأسبوع الماضي جدية إدارة ترمب في بناء وتأمين إمدادات المعادن.

فهل ستكون جهود الولايات المتحدة، وإلى حدٍّ أقل الاتحاد الأوروبي، كافيةً لفطام الدول الأفريقية عن الاستثمارات الصينية، التي باتت أكثر شمولًا مع قيام الشركات الصينية بالتنقيب عن المعادن وبنائها وتشغيلها ونقلها؟

ومن الأمثلة على ذلك منجم سيماندو الضخم لخام الحديد في غينيا، الذي يجري حاليًا رفع قدرته الإنتاجية إلى 120 مليون طن سنويًا.

لسنوات تعثّر المشروع بسبب معاناة الشركات الغربية وضع خطة اقتصادية قابلة للتطبيق لكي ينجح.

لكن الاستثمارات الصينية والخبرات التقنية أعادت إحياء المشروع، وإن كان ذلك بشراكةٍ محدودة مع شركة "ريو تينتو Rio Tinto"، ونتيجةً لذلك سيتدفق خام سيماندو بالكامل تقريبًا إلى الصين.

ويتمتع الصينيون بميزة الريادة القوية في أفريقيا، نظرًا لنشاطهم فيها لعقود.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصادر..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق