مقالات الكهرباءأهم المقالاتالمقالاترئيسيةكهرباء

الكهرباء في أرمينيا.. خطة نووية بدعم واشنطن للتخلص من تبعية روسيا (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • أرمينيا تسعى لتقليل اعتمادها طويل الأمد على الطاقة الروسية
  • نظام الكهرباء في أرمينيا تأثّر بالعزلة الجغرافية والاعتماد الهيكلي على الموردين الخارجيين
  • ما يقارب 30-40% من الكهرباء في أرمينيا يُنتج من محطة ميتسامور النووية
  • من المتوقع أن تدعم المساعدة الأميركية دمج الطاقة المتجددة وتحديث الشبكة على نطاق أوسع

يترقب قطاع الكهرباء في أرمينيا تطويرًا جديدًا بموجب اتفاقية نووية مع الولايات المتحدة بهدف تحديث شبكة الكهرباء في البلاد بتقنيات أميركية.

في 9 فبراير/شباط 2026، وخلال أول زيارة لنائب رئيس أميركي في منصبه إلى أرمينيا، وقّع جيمس ديفيد فانس والقادة الأرمن بيانًا مشتركًا يُختتم به المفاوضات بشأن "اتفاقية 123" الثنائية للتعاون النووي السلمي.

وتُمكّن الاتفاقية الولايات المتحدة من تصدير التكنولوجيا النووية والوقود والمعدّات، وقد تُتيح استثمارات تصل إلى 9 مليارات دولار، بما في ذلك مفاعلات معيارية صغيرة (SMRs) تهدف إلى تحديث قطاع الكهرباء في أرمينيا، واستبدال محطة ميتسامور النووية المتقادمة في نهاية المطاف.

وتمّ التوصل إلى هذه الاتفاقية في سياق أوسع، وهو اتفاقية السلام بين أرمينيا وأذربيجان التي توسّطت فيها الولايات المتحدة في أغسطس/آب 2025، التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار في جنوب القوقاز بعد عقود من الحرب.

تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية

تُشير الاتفاقية إلى سعي قطاع الكهرباء في أرمينيا لتقليل اعتماده طويل الأمد على الطاقة الروسية، وتعكس في الوقت نفسه تنامي دور الولايات المتحدة في منطقة شكّلها النفوذ الروسي تاريخيًا.

وتحمل المبادرة تداعيات على أمن الطاقة الإقليمي، وتطوير البنية التحتية، والتوازنات الجيوسياسية بين تركيا وأذربيجان.

جانب من حفل توقيع الاتفاقية الثنائية للتعاون النووي السلمي بين أرمينيا والولايات المتحدة
جانب من حفل توقيع الاتفاقية الثنائية للتعاون النووي السلمي بين أرمينيا والولايات المتحدة – الصورة من أميركان نيوكلير سوسيتي

ووصف نائب الرئيس الأميركي جيمس ديفيد فانس الاتفاقية بأنها سبيل للتنمية الاقتصادية والاستقرار بعد انتهاء الحرب، وجاءت ردود الفعل الأولية من الجهات الفاعلة الإقليمية حذرة، إلّا انها لم تكن سلبية بشكل صريح، ما يشير إلى قبول عملي نابع من حسابات إستراتيجية أوسع.

نظام الكهرباء في أرمينيا

لطالما تأثَّر نظام الكهرباء في أرمينيا بالعزلة الجغرافية والاعتماد الهيكلي على الموردين الخارجيين.

ويُنتج ما يقارب 30-40% من الكهرباء في أرمينيا من محطة ميتسامور النووية التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، التي واجهت انتقادات دولية متواصلة بسبب المخاطر الزلزالية وتقادم التكنولوجيا.

وفي الوقت نفسه، عرّض الاعتماد على الغاز الروسي، مدعومًا بواردات محدودة من إيران، أرمينيا لضغوط جيوسياسية، وتفاقم وسط الحرب الروسية في أوكرانيا وتدهور العلاقات الأرمينية الروسية في أعقاب حربي ناغورنو كاراباخ عامي 2020 و2023.

وشكّل اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أغسطس/آب 2025، نقطة تحول، إذ تضمن خططًا لإنشاء "طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين" "تريب" (TRIPP)، وهو ممر عبور مصمم لتوسيع التجارة والسكك الحديدية والربط الكهربائي عبر جنوب القوقاز.

بالتوازي مع هذا التحول الدبلوماسي، سعت حكومة رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، إلى تعزيز التكامل مع الشركاء الغربيين، وتوسيع التعاون الدفاعي مع فرنسا والولايات المتحدة، وتوطيد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.

ويعكس تزايد المشاركة الأميركية، بدءًا من التعاون النووي بموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، والاستثمارات المحتملة في التقنيات المتقدمة والطاقة المتجددة وتحديث شبكة الكهرباء، إستراتيجية أوسع نطاقًا لتعزيز أمن الطاقة في أرمينيا، وتحديث البنية التحتية، وتقليل الاعتماد على أنظمة الطاقة الروسية.

اتفاقية نووية بين الولايات المتحدة وأرمينيا

تُتيح الاتفاقية الثنائية نقل المواد والمعدّات والتكنولوجيا النووية الأميركية حصرًا للأغراض السلمية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضمن الامتثال للمعايير الدولية لمنع الانتشار النووي.

وترتكز الاتفاقية على الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية، ومن المتوقع أن تُدرّ ما يصل إلى 5 مليارات دولار أميركي صادرات أولية من المعدات النووية الأميركية، تليها عقود طويلة الأجل لتوريد الوقود والصيانة بقيمة تقارب 4 مليارات دولار أميركي.

وتُعدّ شركات مثل وستنغهاوس (Westinghouse) ونوسكيل باور (NuScale Power) من الموردين المحتملين للمفاعلات المعيارية الصغيرة، المصممة لتكون أكثر أمانًا ومرونة وسرعة في النشر من المفاعلات التقليدية، ويُنظَر فيها بديلًا لمفاعل ميتسامور، الذي تخطط أرمينيا لإيقاف تشغيله نحو عام 2036.

وإلى جانب بناء المفاعلات، تدعم الاتفاقية أهداف أرمينيا الأوسع نطاقًا في التنويع والتحديث.

محطة ميتسامور النووية جنوب مدينة يريفان في أرمينيا
محطة ميتسامور النووية جنوب مدينة يريفان في أرمينيا – الصورة من صحيفة أرافوت

وعلى الرغم من توسيع نطاق مشاركة الولايات المتحدة، تحتفظ أرمينيا بخيار النظر في تقنيات من مورّدين متعددين، بما في ذلك شركات روسية وصينية وفرنسية وكورية جنوبية، ما يحافظ على مرونتها الإستراتيجية ويقلل اعتمادها على أيّ شريك منفرد.

ويشجع هذا الإطار على تحسين معايير السلامة، والقدرات التنظيمية، والبنية التحتية للشبكة، وكلّها ضرورية لنشر المفاعلات النووية الصغيرة والمتوسطة، وتشير إلى تحوّل تدريجي نحو حوكمة نووية متوافقة مع المعايير الدولية.

ومن المتوقع أن تدعم المساعدة الأميركية دمج الطاقة المتجددة وتحديث الشبكة على نطاق أوسع، ما قد يربط قطاع الطاقة في أرمينيا بشبكات التجارة الإقليمية المرتبطة بممر "تريب".

وأُبرمت الاتفاقية بعد مدة وجيزة من عرض روسيا "تعاونًا شاملًا" بشأن وحدات نووية جديدة، وهي تُبرز تصاعد المنافسة على النفوذ في قطاع الكهرباء الأرميني، مع وعد بتحقيق مكاسب اقتصادية محتملة من خلال أنشطة البناء، وخلق فرص العمل، وتوليد الكهرباء بانبعاثات أقل مقارنةً بالوقود الأحفوري.

الآثار الجيوسياسية في جنوب القوقاز

تعزز الاتفاقية انخراط الولايات المتحدة في منطقة تقع على مفترق طرق أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، ومن خلال دعم تنويع مصادر الطاقة في أرمينيا، تتحدى واشنطن هيمنة روسيا الراسخة على الطاقة النووية في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.

ورغم تأكيد المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، استمرار القدرة التنافسية التكنولوجية لروسيا، فإن الاتفاقية تشير إلى توجُّه أرمينيا التدريجي نحو الغرب، وقد تؤثّر بالنقاشات السياسية في دول مجاورة مثل جورجيا.

وفي إطار السلام الأوسع لما بعد عام 2025، قد تُتيح البنية التحتية المُحسّنة وطرق العبور أشكالًا جديدة من تبادل الطاقة الإقليمي، بما في ذلك مقايضات الغاز المحتملة التي تشمل أذربيجان.

رغم ذلك، ما تزال قضايا ترسيم الحدود العالقة وانعدام الثقة المتبادل المستمر تُشكّل مخاطر على التنفيذ.

من جانبها، أعربت إيران عن قلقها من أن ممرات العبور الجديدة قد تُضعف نفوذها الإقليمي، بينما ينظر الاتحاد الأوروبي إلى شبكات النقل والكهرباء الناشئة فرصًا لتنويع طرق الإمداد التي تتجاوز روسيا.

موقف تركيا.. دعم مشروط وحذر

لم تُصدر تركيا بيانًا رسميًا بشأن السياسة يتناول الاتفاق النووي تحديدًا، واكتفت وكالة أنباء الأناضول الرسمية بتغطية التوقيع بعبارات محايدة، بما يتماشى مع تأييد أنقرة الأوسع لجهود تحقيق الاستقرار الإقليمي التي تدعمها الولايات المتحدة وتشمل أذربيجان.

ورحّبت الحكومة التركية باتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان لعام 2025 بصفته فرصة تاريخية لتحقيق الاستقرار، وهنّأ الرئيس رجب طيب أردوغان علنًا الرئيس إلهام علييف، مؤكدًا دور تركيا في تعزيز التواصل الإقليمي.

في الوقت نفسه، يفسّر المحللون الأتراك توسّع علاقات أرمينيا مع الولايات المتحدة جزءًا من إعادة توجيه إستراتيجي أوسع قد يؤثّر في التوازنات الإقليمية.

وتواصل أنقرة ربط تطبيع العلاقات مع أرمينيا بإبرام معاهدة سلام شاملة بين يريفان وباكو، وهو موقف أكده وزير الخارجية هاكان فيدان في أواخر عام 2024. وتعكس ردود الفعل الداخلية هذا التناقض: إذ يحذّر بعض المعلقين القوميين من احتمال تطويق الولايات المتحدة، بينما تُشدد الأصوات الموالية للحكومة على الفرص الاقتصادية المرتبطة بالبنية التحتية والممرات التجارية.

وتشير مذكرة التفاهم الموقّعة في يناير/كانون الثاني 2026 مع الولايات المتحدة بشأن التعاون النووي المدني، إلى جانب خطط إنشاء محطة طاقة نووية ثانية بمشاركة شركاء أميركيين وكوريين جنوبيين، إلى أن أنقرة تنظر إلى التطوير النووي مجالًا ذا مصالح مشتركة وليس بصفته منافسة مباشرة.

ويبدو أن تركيا تدعم المبادرات التي تُسهم في الاستقرار الإقليمي والترابط، مع حرصها في الوقت نفسه على مراقبة أيّ تطورات قد تؤثّر بالموقع الإستراتيجي لأذربيجان.

أحد أبراج نقل الكهرباء في أرمينيا
أحد أبراج نقل الكهرباء في أرمينيا – الصورة من منصة أمبوب

رد أذربيجان.. قبول عملي وتوافق إستراتيجي

كان ردّ أذربيجان أكثر إيجابية، إذ فسّرت الاتفاقية الأميركية الأرمينية في سياق شراكتها المتنامية مع واشنطن. في 10 فبراير/شباط 2026، زار نائب الرئيس الأميركي جيمس ديفيد فانس باكو، حيث وقّع مع الرئيس إلهام علييف ميثاق الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان، الذي يشمل مجالات الطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي والتجارة ومكافحة الإرهاب.

ووصف علييف الاتفاقية بأنها تُمثّل "مرحلة جديدة كليًا" في العلاقات الثنائية، وأعرب عن تقديره للوساطة الأميركية في عملية السلام لعام 2025.

واتَّسمت التغطية الإعلامية الأذربيجانية للاتفاق النووي بالحياد إلى حدّ كبير، حيث صوّرت الاتفاقية على أنها متوافقة مع جهود التكامل الإقليمي الأوسع.

ويبدو أن باكو تنظر إلى تنويع مصادر الطاقة في أرمينيا على أنه عامل استقرار محتمل، لا سيما إذا سهّلت البنية التحتية المحسّنة التجارة والعبور عبر ممر "تريب"، ما يعزّز دور أذربيجان مركزًا إقليميًا.

ويعكس هذا الموقف العملي تعزيز مكانة أذربيجان بعد استعادة سيطرتها على منطقة ناغورنو كاراباخ عام 2023، مدعومةً بإيرادات الطاقة والعلاقات الوثيقة مع تركيا.

رغم ذلك، ما تزال بعض المخاوف قائمة بشأن التداعيات العسكرية أو التكنولوجية طويلة الأمد لتوسيع التعاون الأميركي الأرميني، حتى مع تقليل إطار السلام لاحتمال التصعيد الفوري.

التحديات والشكوك

على الرغم من إمكاناتها، تواجه الاتفاقية عقبات كبيرة، فما زال التصديق على اتفاقية السلام لعام 2025 غير مكتمل في البرلمانين الأرميني والأذربيجاني، وقد تُعرقل الحوادث الحدودية المتفرقة التقدم.

وتُعدّ التحديات التقنية والمالية كبيرة: إذ يتعين على أرمينيا تحديث البنية التحتية لشبكة الكهرباء، وتعزيز المؤسسات التنظيمية، وتأمين التمويل لمشروعات قد تصل تكلفتها الإجمالية إلى 9 مليارات دولار.

وقد تزيد المناقشات البيئية والأمنية المحيطة بالمنشآت النووية الجديدة من تعقيد التخطيط والقبول الشعبي.

بالنسبة لتركيا وأذربيجان، تختبر الاتفاقية ديناميكيات التحالف والأولويات الإستراتيجية.

ويتعين على تركيا الموازنة بين التزاماتها تجاه حلف الناتو وشراكتها الوثيقة مع أذربيجان، بينما تواصل أذربيجان انتهاج سياسة خارجية واقعية تُراعي التعاون مع الشركاء الغربيين والإقليميين على حدّ سواء.

إعادة التوازن في جنوب القوقاز

تُمثّل اتفاقية التعاون النووي بين الولايات المتحدة وأرمينيا، التي أُبرِمت خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي، جيمس ديفيد فانس، خطوةً مهمة في جهود أرمينيا لتعزيز أمن الطاقة، وتنويع الشراكات الإستراتيجية، وتوطيد السلام الهش الناشئ في جنوب القوقاز.

ومن خلال تشجيع الاستثمار والتحديث التكنولوجي والترابط الإقليمي، تمتلك الاتفاقية القدرة على تحفيز التنمية الاقتصادية مع تقليل الاعتماد على روسيا.

وفي الوقت نفسه، تُدخل الاتفاقية ديناميكيات جيوسياسية جديدة سيواصل الفاعلون الإقليميون التعامل معها بحذر. وإذا اقترنت الاتفاقية بجهود دبلوماسية مستدامة وتنفيذ ناجح لمبادرات البنية التحتية، مثل ممر "تريب"، فإنها قد يُسهم في بناء جنوب قوقاز أكثر تكاملًا واستقرارًا.

وكما هو الحال في معظم مناطق ما بعد الحروب، لن يكون العامل الحاسم هو توقيع الاتفاقيات، بل عملية التنفيذ والتنسيق وبناء الثقة التي تليها، وهي عملية أبطأ وأكثر غموضًا.

الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

 اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق