إنتاج الهيدروجين الوردي عبر المفاعلات المعيارية.. دراسة مصرية واعدة
داليا الهمشري

يشكل إنتاج الهيدروجين الوردي عبر المفاعلات المعيارية الصغيرة واحدًا من الحلول الإستراتيجية لخفض الانبعاثات في العديد من القطاعات بما يدعم الجهود العالمية للوصول إلى الحياد الكربوني.
وتخطو مصر خطوات متسارعة نحو ترسيخ مكانتها بصفتها مركزًا إقليميًا لإنتاج الهيدروجين وتصديره، مدفوعة بمزيج من الموارد الطبيعية الواعدة، والرؤية الإستراتيجية للتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون، إلى جانب التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.
وتتواكب الطموحات البحثية والأكاديمية مع الجهود الحكومية في هذا الإطار، إذ يشهد ملف الهيدروجين في مصر نشاطًا متزايدًا على مستوى الدراسات العلمية والتطبيقات التقنية، في إطار السعي إلى تنويع مزيج الطاقة، وتعزيز أمن الإمدادات، وفتح آفاق جديدة للاستثمار.
ولا يقتصر الاهتمام البحثي على رفع كفاءة الإنتاج المعتمد على الطاقة المتجددة فحسب، بل يمتد إلى استكشاف مسارات تكنولوجية مبتكرة تضمن الاستدامة والجدوى الاقتصادية، بما يعزز تنافسية مصر في هذا القطاع الواعد.
وفي هذا السياق، قدم مهندس المتابعة الفنية بديوان عام وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة محمد الخلفي، رسالة لنيل درجة الدكتوراه من كلية الهندسة بشبرا التابعة لجامعة بنها، بعنوان "النمذجة التقنية والاقتصادية لمفاعل معياري صغير لتوليد الهيدروجين مرتبط بشبكة الجهد العالي"، التي تستكشف أحد المسارات غير التقليدية لإنتاج الهيدروجين الوردي.
ونُفذت الرسالة -التي اطلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرها واشنطن)- تحت إشراف أستاذ الجهد العالي بالجامعة الدكتور موسى عوض الله عبدالله، والأستاذ المساعد الدكتور عبدالرحمن سعيد.
دمج المفاعلات المعيارية الصغيرة
توضح الدراسة أن الهيدروجين يُعد من أهم حوامل الطاقة في مسار التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، نظرًا لما يتمتع به من كثافة طاقية مرتفعة، واحتراق خالٍ من الانبعاثات الكربونية، إذ يقتصر ناتج الاحتراق على بخار الماء فقط، فضلًا عن تعدد استعمالاته في القطاعات الصناعية ووسائل النقل وغيرها.
وأشارت إلى أن تحقيق الاستفادة المثلى من هذه المزايا يرتبط بتطوير مسارات إنتاج منخفضة أو معدومة الانبعاثات.
وأبرزت الدراسة أهمية دمج المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs) مع تقنيات التحليل الكهربائي للماء، لا سيما خلايا التحليل الكهربائي ذات الأكسيد الصلب (SOECs) وتقنية التحليل الكهربائي بالبخار عالي الحرارة (HTSE)، كونها خيارًا واعدًا لإنتاج الهيدروجين الوردي بكفاءة مرتفعة.

وتتمتع المفاعلات المعيارية الصغيرة بقدرات أقل مقارنة بالمفاعلات النووية التقليدية، إلى جانب تصاميم معيارية وخصائص متقدمة في مجال السلامة، ما يتيح لها توفير كل من الطاقة الحرارية والكهربائية اللازمة لعمليات التحليل الكهربائي، لإنتاج الهيدروجين الوردي.
كما تسمح طبيعة المفاعلات المعيارية بنشرها بالقرب من التجمعات الصناعية المستهلكة للهيدروجين، بما يسهم في خفض تكاليف النقل والبنية التحتية.
ومن الناحية التقنية والاقتصادية تُظهر نتائج الدراسة أن دمج المفاعلات المعيارية الصغيرة مع تقنية التحليل الكهربائي بالبخار عالي الحرارة عند درجات حرارة مرتفعة تتراوح بين 700 و900 درجة مئوية، يقلل الطلب على الكهرباء من خلال الاستفادة من الحرارة الفائضة للمفاعل في تسريع التفاعلات، وهو ما ينعكس على خفض التكلفة المستوية للهيدروجين (LCOH).
إنتاج الهيدروجين
تشير المقارنات الواردة في الرسالة إلى أن إنتاج الهيدروجين الوردي بالاعتماد على المفاعلات المعيارية الصغيرة يمكن أن يكون منافسًا لبدائل أخرى، مثل الهيدروجين الأزرق الناتج عن إعادة تشكيل الغاز الطبيعي بالبخار مع احتجاز الكربون، وكذلك الهيدروجين الأخضر المعتمد على مصادر الطاقة المتجددة، خاصة في الدول التي تمتلك سياسات نووية مستقرة وأطرًا تنظيمية داعمة، إلى جانب آليات تسعير الكربون والحوافز المالية.
وعلى مستوى النمذجة والتحسين، اعتمدت الدراسة على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، من بينها الشبكات العصبية الاصطناعية (ANN)، والغابات العشوائية (RF)، وآلة الدعم للانحدار (SVR)، للتنبؤ بأداء خلايا SOEC وتحسينه.
وأظهرت النتائج قدرة هذه النماذج على تحديد العوامل الأكثر تأثيرًا في الأداء، مثل الجهد الكهربائي، ودرجة الحرارة، والمساحة الفعالة، وانعكاسها على مؤشرات مثل كثافة التيار الكهربائي، والمقاومة، ومعدل إنتاج الهيدروجين.
وحققت نماذج الشبكات العصبية الاصطناعية المحسنة أعلى دقة تنبؤية، حيث تجاوز معامل التحديد (R² > 0.93)، كما أسهمت خوارزميات التحسين متعددة الأهداف، مثل تحسين أسراب الجسيمات (PSO)، في تحديد الظروف التشغيلية المثلى، وزيادة إنتاج الهيدروجين عند درجات حرارة وضغوط مرتفعة.
وتظهر دراسات الحالة التي تناولتها الرسالة قدرة هذه الأنظمة على تحقيق تكلفة مستوية للهيدروجين تتراوح بين 3.9 و4.24 دولارًا للكيلوغرام، مع المساهمة في خفض الانبعاثات الكربونية بما يزيد على 1.5 مليون طن سنويًا في بعض السيناريوهات.

وتخلص الدراسة إلى أن دمج المفاعلات المعيارية الصغيرة مع تقنيات التحليل الكهربائي المتقدمة، مدعومًا بنماذج الذكاء الاصطناعي وأدوات التحسين، يمثل مسارًا واعدًا لإنتاج الهيدروجين النظيف على نطاق واسع، بطريقة مستدامة وذات جدوى اقتصادية.
غير أن الدراسة ربطت تحقيق المسار بتجاوز بعض التحديات مثل قابلية التوسع، ومعوقات المواد المستعملة في وحدات التحليل الكهربائي، إلى جانب توافر الدعم السياسي والتنظيمي، لا سيما مع تطور الجيل الجديد من تصاميم المفاعلات المعيارية الصغيرة والأنظمة النووية المتجددة المتكاملة.
موضوعات متعلقة..
- إنتاج الهيدروجين من الطاقة النووية.. خبير يتحدث عن تقنية مهمة قيد التطوير
- إنتاج الهيدروجين من الطاقة النووية.. ثورة صامتة قد ترى النور خلال 10 سنوات
- التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين ينقذ محطات الطاقة النووية
اقرأ أيضًا..
- 3 دول خليجية تبرم صفقات طاقة ضخمة خلال 48 ساعة
- التنقيب عن الغاز في البحر الأسود يصدم شركة إسرائيلية
- احتياطيات الهيليوم في الدول العربية.. وخريطة تحركات 4 بلدان (تقرير)
- أكبر صفقات الغاز في يناير 2026… الإمارات وقطر بالمقدمة (تقرير)





