سيناريوهات إنتاج أوبك+.. وتوقعات الطلب على النفط في المناسبات الدينية (تقرير)
أحمد بدر

تعيش أسواق الطاقة مرحلة حساسة تتداخل فيها قرارات المنتجين مع العوامل الموسمية والدينية، ويبرز تحالف أوبك+ بوصفه اللاعب الأهم في موازنة السوق بين استقرار الأسعار وتلبية الطلب، وسط قراءات متباينة لمستقبل المعروض والطلب عالميًا.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن أسواق النفط تمر بمرحلة انتقالية دقيقة، تتأثر فيها القرارات الإنتاجية بعوامل غير تقليدية، تتجاوز المؤشرات الاقتصادية المعتادة، لتشمل مواسم دينية وسلوكية تؤثر مباشرة في الاستهلاك.
وأوضح أن قرارات خفض أو زيادة الإنتاج لا يمكن قراءتها بمعزل عن تحركات أوبك+ الأخيرة، خاصة في ظل التخفيضات الطوعية السابقة، ومحاولات إعادة كميات تدريجية إلى السوق، مع مراقبة دقيقة لتوازن العرض والطلب خلال الربع الأول من العام.
وأضاف أن التقديرات الغربية غالبًا ما تُغفل عوامل محلية وإقليمية مؤثرة؛ ما يؤدي إلى قراءة غير مكتملة لحجم الفائض أو العجز الحقيقي في السوق، خصوصًا عندما تتزامن المواسم الدينية مع أوقات يُفترض تقليديًا أن تشهد تراجعًا في الطلب.
جاءت تلك التصريحات خلال حلقة جديدة من برنامج "أنسيات الطاقة"، قدّمها أنس الحجي على مساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" بعنوان "النفط بين رمضان والحج والصيف والانتخابات الأمريكية: هل ترتفع الأسعار؟"، متناولًا دور أوبك+ في المرحلة المقبلة.
تطورات إنتاج مجموعة الـ8 داخل أوبك+
قال أنس الحجي إن مجموعة الـ8 نفّذت التخفيضات الطوعية منذ عامي 2022 و2023، وبدأت في أبريل/نيسان 2025 بإعادة هذه التخفيضات تدريجيًا إلى السوق، ضمن مسارين مختلفين لإجمالي كميات 3.8 مليون برميل يوميًا.
وأشار إلى أن هذه الدول، ضمن إطار أوبك+، أنهت إعادة 2.2 مليون برميل يوميًا، وبدأت فعليًا المجموعة الثانية البالغة 1.6 مليون برميل يوميًا، قبل أن تتوقف الزيادات مؤقتًا بسبب توقعات انخفاض الطلب في الربع الأول من العام الحالي.
ولفت إلى أن القرار الرسمي كان التوقف عن زيادة الإنتاج حتى نهاية مارس/آذار 2026، وهو ما انسجم مع معطيات السوق آنذاك؛ إذ إن استمرار الزيادات كان سيضغط على الأسعار في مدة تشهد عادة ضعفًا موسميًا في الطلب العالمي.

وبيّن أنس الحجي أن اجتماع مجموعة الـ8 الأخير، المنعقد ضمن اجتماعات أوبك+ الشهرية، لم يشهد أي تغيير، وكان متوقعًا أن يُبقي على الوضع القائم، بانتظار اجتماع مارس/آذار الحاسم الذي سيقرر مصير إنتاج شهر أبريل/نيسان وما بعده.
وشرح أن اجتماع شهر مارس/آذار المقبل، المرجح عقده مطلع الشهر المقبل، سيحسم خيارين أساسيين، إما تمديد التوقف عن الزيادات، وإما العودة إلى مسار رفع الإنتاج وفق الخطة الأصلية التي وُضعت قبل تعديلات نهاية 2025.
وأكد أن القراءة الأولية للسوق، وفق بيانات أوبك+ نفسها، تُظهر أن أوضاع المعروض لا تستدعي زيادة فورية، إلا أن هناك عوامل أخرى تمنح المنتجين مبررًا فنيًا ونفسيًا لإعادة الضخ التدريجي خلال الربع الثاني من العام الجاري 2026.
وأضاف أن من أبرز هذه العوامل النقص الكبير الذي سُجل في شهري ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، والذي أسهم في تقليص الفائض الموسمي، ما أتاح للدول المعنية مساحة أوسع لتبرير أي زيادة مقبلة دون الإضرار بتوازن السوق.
رمضان وتغير أنماط الطلب على النفط
قال أنس الحجي إن حسابات الطلب لدى أوبك+ لا تعكس بدقة تأثير شهر رمضان، خاصة مع قدومه في الربع الأول، وهي مدة يُفترض عادة أن تشهد تراجعًا في الاستهلاك، أما الواقع في الدول الإسلامية فيشير إلى عكس ذلك.
وأوضح أن استهلاك الطاقة يرتفع تاريخيًا خلال شهر رمضان في دول الخليج والدول العربية، ومعه يزداد استهلاك النفط، سواء لتوليد الكهرباء أو للنقل، ما يعني أن جزءًا من الإنتاج يُستهلك محليًا بدلًا من توجيهه للتصدير.
وبيّن أن هذه الزيادة غير محسوبة في توقعات البنوك ووكالة الطاقة الدولية، رغم أن أثرها واضح في صادرات بعض الدول الأعضاء في أوبك+؛ ما يؤدي عمليًا إلى انخفاض المعروض العالمي دون قرارات رسمية بالخفض.

ولفت أنس الحجي إلى أن اختلاف توقيت رمضان عن فصل الصيف كشف عن هذا الأثر بوضوح، بعدما كان الطلب الإضافي سابقًا مختبئًا ضمن ذروة التكييف الصيفية، أما اليوم فهو يظهر في مدة يُفترض أنها منخفضة الطلب.
وأضاف أن السعودية تمثل حالة خاصة ضمن دول أوبك+، في ظل رؤية 2030 التي تركز على السياحة الدينية؛ ما يرفع أعداد المعتمرين إلى مستويات قياسية، ويعني زيادة استهلاك وقود الطائرات والبنزين والديزل.
وأكد أن هذه الزيادة المركبة، بين الاستهلاك العام والسياحة الدينية، تجعل من رمضان عاملًا ضاغطًا على الصادرات، وهو ما لا يظهر في النماذج الغربية، لكنه حاضر بقوة في الواقع التشغيلي للدول المنتجة.
وشدد مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة على أن تجاهل هذه العوامل يخلق انطباعًا مضللًا عن وجود فائض كبير، أما الأرقام الفعلية، من منظور أوبك+، فتشير إلى سوق أكثر شحًا مما يُتداول في التقارير الدولية.
تأثير الحج والصيف في الأسعار العالمية
قال أنس الحجي إن موسم الحج يمثل موجة ثانية من زيادة الطلب؛ إذ يتوافد ملايين الحجاج إلى السعودية؛ ما يرفع استهلاك وقود الطائرات والديزل والبنزين وزيت الوقود، إضافة إلى الطلب المكثف على الكهرباء في المدن المقدسة.
وأوضح أن البيانات التاريخية تُظهر ارتفاعًا ملموسًا في استهلاك النفط داخل السعودية خلال الحج، نتيجة تشغيل مئات الآلاف من الغرف الفندقية على مدار الساعة، إلى جانب النقل والخدمات والبنية التحتية المرتبطة بالمشاعر المقدسة.
وأشار إلى أن التخطيط للحج يبدأ مبكرًا؛ إذ تُخزن المنتجات النفطية بعد انتهاء شهر رمضان مباشرة، ما يعني أن الطلب على النفط يبدأ قبل موسم الحج نفسه، ويستمر حتى نهايته، مؤثرًا في الصادرات خلال عدة أشهر.

وأضاف خبير اقتصادات الطاقة أن انتهاء الحج يتزامن عادة مع دخول فصل الصيف، حيث يرتفع الطلب على الكهرباء في الخليج وشمال أفريقيا بشكل حاد، وتعتمد هذه الزيادة بدرجة كبيرة على حرق النفط لتوليد الطاقة.
ولفت إلى أن دولًا مثل الخليج وإيران والعراق تشهد زيادة مشتركة في الاستهلاك قد تتجاوز مليون برميل يوميًا خلال الصيف؛ ما يعني انخفاض الكميات المتاحة للتصدير، ومن ثَم تقلص المعروض في السوق العالمية.
وأكد أن تتابع هذه الموجات، من انخفاض الإنتاج شتاءً، إلى طلب رمضان، ثم الحج، ثم الصيف، يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مكان الفائض التاريخي الذي تتحدث عنه بعض المؤسسات، معتبرًا أنه غير موجود فعليًا.
وختم أنس الحجي بتوقع أن تبقى أسعار خام برنت في نطاق الستينيات خلال معظم العام، مع احتمالات ارتفاع مؤقت، دون تجاوز السبعين دولارًا لأوقات طويلة، مرجعًا ذلك إلى سحب الصين من مخزوناتها لكبح أي صعود حاد.
موضوعات متعلقة..
- السعودية و7 دول في أوبك+ تواصل تعليق زيادة إنتاج النفط
- إنتاج أوبك+ النفطي في ديسمبر يهبط 238 ألف برميل يوميًا بقيادة قازاخستان
- توقعات أسواق النفط في 2026 ودور أوبك+.. 10 خبراء يتحدثون
اقرأ أيضًا..
- الطاقة المتجددة في المغرب تسابق الزمن.. تقرير يكشف نجاحات وعقبات
- مسح: اكتشافات النفط والغاز العربية في يناير 2026 تتركز بـ3 دول
- التنقيب عن النفط والغاز في المياه السورية يشهد خطوة مهمة
المصدر:





