أهم المقالاتالمقالاترئيسيةطاقة متجددةمقالات الطاقة المتجددة

الطاقة المتجددة في تركيا.. استثمارات سعودية ستحقق طفرةً ضخمةً (مقال)

أومود شوكري* - ترجمة: نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • السعودية خصصت نحو ملياري دولار لتمويل بناء محطتين ضخمتين للطاقة الشمسية في تركيا
  • المملكة العربية السعودية ملتزمة بالتحول نحو الطاقة المتجددة في إطار رؤية 2030
  • مصادر الطاقة المتجددة تُشكّل حاليًا نحو 55% من القدرة الإنتاجية المركبة في تركيا

من المرتقب أن يتوسع نطاق الطاقة المتجددة في تركيا بدعم من الاستثمارات السعودية في هذا القطاع الذي يُسهم في تحقيق الأهداف المناخية العالمية.

في اتفاقية تاريخية وُقِّعت في 3 فبراير/شباط 2026 خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرياض، خصصت المملكة العربية السعودية نحو ملياري دولار لتمويل بناء محطتين ضخمتين للطاقة الشمسية في محافظتي سيواس وكرمان بوسط تركيا.

وبقدرة إنتاجية أولية تبلغ 2000 ميغاواط، تُشكل هذه المشروعات المرحلة الأولى من شراكة أوسع نطاقًا في مجال الطاقة المتجددة في تركيا، يُمكن أن تتوسع لتصل إلى 5000 ميغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وتعكس هذه المبادرة، التي تقودها شركة سعودية، التزام المملكة بالتحول نحو الطاقة المتجددة في إطار رؤية 2030، والأهمية المتزايدة لاستثمارات الطاقة بصفتها أداة للدبلوماسية الإقليمية.

تحول الطاقة في تركيا والعلاقات الثنائية

من المتوقع أن تُزوّد ​​محطتا الطاقة الشمسية أكثر من مليوني منزل بالكهرباء، وأن تُقدّمها بأسعار تنافسية للغاية بموجب اتفاقيات شراء كهرباء طويلة الأجل.

وتُشير التقارير إلى أن الأسعار المُعلنة، التي تبلغ نحو 19.95 يورو (23.66 دولارًا)/ميغاواط/ساعة لمشروع كرمان و23.415 يورو (27.77 دولارًا)/ميغاواط ساعة لمحطة سيواس، تجعل هذه المشروعات من بين أقل مشروعات الطاقة المتجددة تكلفةً في المنطقة.

ومن المتوقع أن تبدأ أعمال إنشاء مشروعات الطاقة المتجددة في تركيا، في عام 2027، على أن تُستكمل بين عامي 2028 و2029.

وتركّز المرحلة الأولى على تركيب الألواح الكهروضوئية في منطقة الأناضول، بينما قد تُضيف المراحل اللاحقة ما يصل إلى 3000 ميغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

من ناحيته، وصف وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، الاتفاقية بأنها علامة فارقة بالتعاون الثنائي في مجال الطاقة، مُؤكدًا دورها في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز محفظة الطاقة المتجددة في تركيا.

تُشكّل مصادر الطاقة المتجددة حاليًا نحو 55% من القدرة الإنتاجية المركبة في تركيا، إلّا أن البلاد ما تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري المستورد، ولا سيما الغاز الطبيعي والنفط.

مزرعة طاقة شمسية في شرق تركيا
مزرعة طاقة شمسية في شرق تركيا – الصورة من رويترز

خطة تركيا طويلة الأجل للطاقة

تتوافق هذه المشروعات مع خطة تركيا طويلة الأجل للطاقة، وتهدف أنقرة إلى الوصول إلى نحو 120 غيغاواط من القدرة الإنتاجية المُجمّعة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح بحلول عام 2035، ارتفاعًا من نحو 40 غيغاواط في أوائل عام 2026.

ويتطلب تحقيق هذا الهدف إضافة ما بين 6 و7 غيغاواط سنويًا.

ولذلك، تُمثّل المساهمة الأولية البالغة 2 غيغاواط من المشروعات المدعومة سعوديًا تقدمًا ملموسًا، إذ تُشكّل نحو 1.7% من القدرة المتبقية المطلوبة.

ومن المتوقع أن تُحفّز البنود التي تُلزم بنسبة 50% من المحتوى المحلي التصنيع المحلي وتدعم قطاع معدات الطاقة في تركيا.

من الناحية الاقتصادية، تُقدّم الاتفاقية فوائد متبادلة واضحة، فقد ارتفعت أسهم شركات الطاقة التركية عقب الإعلان، ما يعكس ثقة المستثمرين في توسّع القطاع.

وبالنسبة للسعودية، تُتيح هذه المشروعات الوصول إلى سوق الكهرباء سريع النمو، مع خلق فرص في مجالات الهندسة والإنشاء والتشغيل.

من الناحية البيئية، من المتوقع أن تعوّض هذه المنشآت ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، ما يدعم هدف تركيا المتمثل في الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2053.

وهذا بدوره يدعم هدف المملكة العربية السعودية المتمثل في الوصول إلى حصة 50% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 في إطار المبادرة الخضراء السعودية.

الأهمية الإستراتيجية للعلاقات السعودية التركية

يُعدّ توقيت الاتفاقية ذا أهمية سياسية بالغة، فقد شهدت العلاقات بين السعودية وتركيا تحسنًا ملحوظًا منذ مدة التوتر التي أعقبت أزمة خاشقجي عام 2018 والخلافات حول الصراعات الإقليمية في ليبيا وسوريا.

وشمل التقارب الاقتصادي الأخير إيداعات مالية سعودية في البنك المركزي التركي، وتجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي 6 مليارات دولار أميركي بحلول عام 2025.

ويُضيف التعاون في مجال الطاقة بُعدًا هيكليًا لهذا التطبيع؛ فمن خلال الاستثمار في البنية التحتية للطاقة في تركيا، تُرسّخ السعودية مكانتها شريكًا في إستراتيجية تركيا لأمن الطاقة وتنويع مصادرها، ما يُسهم في تقليل الاعتماد على موردين خارجيين مثل روسيا وإيران.

بالمثل، تُتيح تركيا للمستثمرين السعوديين الوصول إلى أسواق الطاقة الأوروبية والأوراسية، ما يُعزز القيمة الجيوسياسية لهذه الشراكة.

وزير الطاقة السعودي ونظيره التركي
وزير الطاقة السعودي ونظيره التركي – الصورة من سولار كوارتر

توسعة قدرة الطاقة المتجددة في السعودية

تضطلع شركة أكوا باور السعودية بدور محوري في تنفيذ هذه الإستراتيجية.

وتأسست الشركة عام 2004، المملوكة جزئيًا لصندوق الاستثمارات العامة، وقد تطورت من شركة متخصصة في تحلية المياه إلى واحدة من الشركات الرائدة عالميًا في تطوير مشروعات الطاقة المتجددة.

وبحلول عام 2026، تجاوزت قيمة محفظتها 114 مليار دولار أميركي، بقدرة إنتاجية تبلغ نحو 78.85 غيغاواط موزعة على 14 دولة.

وأشارت إعادة هيكلة العلامة التجارية للشركة في عام 2025 إلى زيادة التركيز على الهيدروجين الأخضر، وتحلية المياه، وتخزين الكهرباء، إلى جانب طموحها لرفع إجمالي أصولها إلى 250 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

وتقود الشركة السعودية، حاليًا، نحو 70% من البرنامج الوطني للطاقة المتجددة في المملكة العربية السعودية، وقد وقّعت اتفاقيات شراء كهرباء بقيمة 8.3 مليار دولار أميركي في عام 2025 تغطي ما يقارب 15 غيغاواط من قدرة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وتشمل المشروعات الرئيسة في محفظتها مجمع نور إنرجي 1 للطاقة الشمسية المركزة في دبي، ومشروع نيوم للهيدروجين الأخضر الذي يهدف إلى إنتاج 1.2 مليون طن متري من الأمونيا سنويًا.

وعلى الصعيد الدولي، توسعت الشركة لتشمل آسيا الوسطى وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، بما في ذلك مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية في أذربيجان والمغرب وجنوب أفريقيا.

وفي تركيا، يعود تاريخ مشاركة أكوا باور إلى ما قبل اتفاقية 2026. وقد أشارت مبادرات ومفاوضات سابقة في عام 2025 إلى استثمارات تقارب 5 مليارات دولار في مشروعات الطاقة المتجددة التركية، ما يدل على اهتمام إستراتيجي مستمر بالسوق.

وقد جعلت قدرة الشركة على تنفيذ المشروعات بتعرفات تنافسية للغاية -غالبًا ما تقل عن سنتين لكل كيلوواط/ساعة- منها شريكًا جذابًا للأسواق الناشئة الحساسة للتكلفة.

وفي الوقت نفسه، ما تزال التحديات قائمة، فالتأخيرات التنظيمية، وإجراءات الترخيص المعقدة، والاعتماد على سلاسل التوريد، لا سيما على مكونات الخلايا الكهروضوئية الصينية، ما تزال تشكّل مخاطر.

بدورها، تؤثّر ظروف التمويل وتقلبات العملة لدى البلدان المضيفة في الجداول الزمنية للمشروعات وتكاليفها.

الاستثمارات السعودية في قطاع الطاقة المتجددة

تندرج استثمارات المملكة العربية السعودية في الطاقة المتجددة في الخارج ضمن الإطار الأوسع لمبادرة "رؤية 2030" وسياستها الخارجية المتطورة.

فمنذ إطلاقها عام 2016، سعت "رؤية 2030" إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، وجذب استثمارات أجنبية واسعة النطاق، وبناء قدرة محلية على توليد الكهرباء بالمصادر المتجددة تتجاوز 130 غيغاواط بحلول عام 2030.

وتخدم دبلوماسية الطاقة أهدافًا متعددة؛ فمن الناحية الاقتصادية، تُسهم في خلق مصادر دخل جديدة والحدّ من التعرُّض طويل الأجل لانخفاض الطلب على الوقود الأحفوري.

ومن الناحية السياسية، تُعزز العلاقات الثنائية وتُوسّع النفوذ السعودي في مناطق إستراتيجية، ومن الناحية الرمزية، تُحسّن صورة المملكة الدولية شريكًا مؤثرًا في التحولات المناخية والطاقة العالمية.

وعلى الصعيد الإقليمي، أسهمت الاستثمارات السعودية في البنية التحتية للطاقة في تحسين العلاقات مع العديد من الدول، بما فيها مصر والأردن، حيث عززت مشروعات الطاقة المتجددة شراكات سياسية واقتصادية أوسع.

وتكتسب الحالة التركية أهمية خاصة، لأنها تربط بين قوّتين إقليميتين رئيستين طالما اتّسمت علاقتهما تاريخيًا بالتنافس والتعاون.

وعلى الصعيد العالمي، تعكس إستراتيجية الطاقة السعودية نهجًا متوازنًا بين القوى الكبرى.

وتوفر الشراكات مع الشركات الصينية في مجال تصنيع الطاقة الشمسية وتطوير المشروعات تنويعًا تكنولوجيًا وماليًا، ما يسمح للرياض بالتحوط ضد الضغوط الجيوسياسية من الشركاء الغربيين، مع الحفاظ على مكانتها في أسواق الطاقة العالمية.

محطة الطاقة الشمسية في قرية العيينة بمنطقة الرياض في السعودية
محطة الطاقة الشمسية في قرية العيينة بمنطقة الرياض في السعودية – الصورة من رويترز

التحديات والآفاق المستقبلية

على الرغم من الزخم القوي، فإن هناك العديد من العوامل غير المؤكدة التي قد تؤثّر في نجاح الشراكة السعودية التركية بمجال الطاقة المتجددة في تركيا على المدى الطويل، فتقلّبات الاقتصاد الكلي في أنقرة، بما في ذلك انخفاض قيمة العملة، قد تزيد من تكاليف المشروعات ومخاطر التمويل.

وقد تؤثّر التوترات الجيوسياسية الإقليمية وأنظمة العقوبات المحتملة في استثمارات الطاقة وتخطيط البنية التحتية.

أمّا بالنسبة للسعودية، فيكمن التحدي الأكبر في إدارة عملية التحول من اقتصاد يعتمد على النفط مع الحفاظ على إيرادات كافية لتمويل التنويع الاقتصادي.

وتؤثّر تقلبات أسعار النفط العالمية مباشرةً في الموارد المتاحة لصندوق الاستثمارات العامة، ومن ثم في المشروعات الدولية واسعة النطاق.

وبالنظر إلى المستقبل، يمكن أن تتوسّع الشراكة لتشمل قطاعات ناشئة مثل الهيدروجين الأخضر، لا سيما بالنظر إلى موقع تركيا الجغرافي بصفته ممر تصدير محتملًا إلى أوروبا.

وفي حال نجاح تنفيذها، قد تُسهم هذه المبادرات في إعادة تشكيل ديناميكيات الطاقة الإقليمية من خلال تحويل التنافس على المحروقات إلى تعاون في مجال الطاقة المتجددة وتقنيات خفض الانبعاثات الكربونية.

الخلاصة

يُجسّد استثمار المملكة العربية السعودية في تركيا للطاقة الشمسية بقيمة ملياري دولار أميركي كيف أصبحت مشروعات الطاقة المتجددة محورية في كل من التنويع الاقتصادي والدبلوماسية الإقليمية.

ومن خلال محفظة أكوا باور العالمية المتنامية والإطار الإستراتيجي لرؤية 2030، ترسّخ الرياض مكانتها منتجًا رئيسًا للموارد الهيدروكربونية، وقائدًا صاعدًا في تطوير الطاقة المتجددة.

بالنسبة لتركيا، توفّر الاتفاقية رأس المال والتكنولوجيا والزخم اللازم لتحقيق أهداف طموحة في مجال الطاقة المتجددة.

أمّا بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فهي تعزز الشراكات الجيوسياسية وتفتح أسواقًا جديدة.

وعلى نطاق أوسع، يعكس المشروع تحولًا هيكليًا بات فيه التعاون في مجال الطاقة بمثابة جسر يربط بين المصالح الاقتصادية والالتزامات المناخية والاستقرار الإقليمي.

الدكتور أومود شوكري، الخبير الإستراتيجي في مجال الطاقة، الزميل الزائر الأول في جامعة جورج ميسون الأميركية، مؤلف كتاب "دبلوماسية الطاقة الأميركية في حوض بحر قزوين: الاتجاهات المتغيرة منذ عام 2001".

* هذا المقال يمثّل رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق