واردات الهند من النفط الروسي.. هل تتوقف أم تنخفض وسط الضغوط والبدائل؟ (مقال)
فيلينا تشاكاروفا* – ترجمة: نوار صبح

- نظام تصدير النفط الروسي انحصر في عدد قليل من الوجهات المجدية
- لا يمكن فصل قضية النفط الروسي عن المواجهة التجارية الأوسع بين واشنطن ونيودلهي
- يُعاد توجيه النفط الروسي عبر وسطاء ثم يعود إلى الهند عبر طرق ملتوية
- موسكو لم تتلقَّ أي إخطار رسمي من نيودلهي بشأن وقف كامل لمشتريات النفط
تتابع الأسواق باهتمام التطورات المتعلقة بواردات الهند من النفط الروسي، وما إذا كانت ستتوقف أم ستنخفض وسط الضغوط والبدائل.
وعندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب علنًا أن الهند وافقت على التوقف عن شراء النفط من روسيا، بدا هذا التصريح وكأنه إشارة إلى انقطاع حاسم في أحد آخر شرايين التصدير المتبقية لموسكو.
وبعد 3 سنوات كاملة من ضغوط العقوبات التي طبّقها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، انحصر نظام تصدير النفط الروسي في عدد قليل من الوجهات المجدية.
وفي عام 2025، لم تكن هناك سوى سوقَيْن مهيمنتَيْن على نطاق واسع: الصين التي تستورد نحو مليونَي برميل يوميًا، والهند التي تستوعب نحو 1.8 مليون برميل يوميًا.
تداعيات توقف واردات الهند من النفط الروسي
نظريًا، سيمثّل توقف واردات الهند من النفط الروسي صدمة كبيرة.
ويقدّر محللو شركة "يولر" (Euler) إجمالي إنتاج روسيا من النفط بـ9.5 مليون برميل يوميًا العام الماضي. وقد شُحن ما يقرب من خُمس هذا الإنتاج -نحو 19%- إلى الهند.
ولا تزال إيرادات النفط إحدى أهم ركائز الموازنة الفيدرالية الروسية.
وحسب وزارة المالية، بلغت إيرادات ضريبة استخراج المعادن المرتبطة بالنفط 7.265 تريليون روبل (94 مليارًا و445 مليون دولار) في عام 2025.
وبالتالي، فإن التوقف التام للمشتريات الهندية سيؤدي إلى خسارة في الإيرادات تُقدّر بنحو 1.38 تريليون روبل، وهو مبلغ يُعادل تقريبًا الموازنة السنوية لمدينة سانت بطرسبرغ.
* (روبل روسي = 0.013 دولارًا أميركيًا)
إلا أن الواقع العملي منذ إعلان ترمب يُشير إلى خلاف ذلك، فما يحدث ليس قطعًا مفاجئًا للعقود، بل إعادة هيكلة مُحكمة، تُعيد توزيع التكاليف، وتُخفي مسارات الاستيراد، وتحافظ على حجم الإنتاج مع تقليص هوامش الربح.

النفط الروسي ورقة ضغط
لا يمكن فصل قضية النفط الروسي عن المواجهة التجارية الأوسع بين واشنطن ونيودلهي، ففي عام 2025، صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها الجمركية على الهند على مرحلتَيْن.
أولًا، رفعت رسوم الاستيراد بنسبة 25%. وفي أغسطس/آب الماضي، فرضت رسومًا إضافية بنسبة 25%، ليصل إجمالي الرسوم الجمركية على البضائع الهندية الواردة إلى السوق الأميركية إلى 50%.
واستهدفت هذه الخطوة بصفة مباشرة أهم مورد خارجي للهند، فالولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري للهند، إذ تستحوذ على نحو 18% من صادراتها، بقيمة تقارب 79.5 مليار دولار.
ولذلك، عمل نظام الرسوم الجمركية بمثابة إكراه اقتصادي كلي، لا بصفته عقابًا لقطاعات محددة.
وعندما أعلن ترمب في أوائل عام 2026 خفض الرسوم الجمركية -بإلغاء الرسوم الإضافية وخفض المعدل الأساسي إلى 18%- كانت الرسالة واضحة: تم التوصل إلى تسوية تجارية أوسع.
وقدّم ترمب هذا التنازل مشروطًا بوقف الهند واردات النفط الروسي، وإحلال إمدادات من الولايات المتحدة، وربما من فنزويلا، محلها.
ورغم ذلك لم يؤكد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هذا الالتزام النفطي علنًا، وأقرّ في ردّه على وسائل التواصل الاجتماعي بتخفيض الرسوم الجمركية، وأبدى تأييده الدبلوماسي لخطاب ترمب السلمي، لكنه التزم الصمت حيال التزامات الطاقة.
ولهذا الصمت دلالة تحليلية مهمة، ففي الممارسة الدبلوماسية الهندية لا يُعدّ الإغفال في مثل هذه السياقات صدفة، بل هو إشارة إلى أن القرارات التشغيلية تخضع للإجراءات البيروقراطية والمنطق التجاري، لا القرارات السياسية.
انخفاض لا توقف
خفّضت الهند وارداتها الرسمية من النفط الروسي، ولكن على مراحل، ولأسباب تعود إلى ما قبل إعلان ترمب.
ووفقًا لوزير البترول والغاز الطبيعي الهندي، هارديب سينغ بوري، انخفضت واردات بلادنا من الخام الروسي بنسبة 28%، من 1.8 مليون برميل يوميًا إلى نحو 1.2 مليون برميل.
وتشير مصادر وكالة "رويترز" إلى أن هناك مناقشات جارية حول تخفيضات إضافية، قد تصل إلى 0.8 مليون برميل يوميًا، أو حتى 0.5 إلى 0.6 مليون برميل يوميًا.
وشهد شهر يناير/كانون الثاني 2026 أكبر انخفاض، فقد أفادت مؤسسة إس آند بي غلوبال كوموديتيز آت سي (S&P Global Commodities at Sea) أن واردات الهند من النفط الروسي انخفضت إلى نحو 436 ألف برميل يوميًا، أي بانخفاض قدره 57% شهريًا، و3.5 أضعاف سنويًا.
وتزامن هذا مع تطورَيْن سياسيين ملموسين:
أولًا، فرض عقوبات أميركية في نوفمبر/تشرين الثاني على اثنين من كبار منتجي النفط الروسي.
ثانيًا، حظر الاتحاد الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ في 21 يناير/كانون الثاني الماضي، على واردات المنتجات البترولية المكررة من النفط الروسي.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الإجراءات استهدفت شركات محددة ومنتجات تكريرية، وليس النفط الخام بحد ذاته. وحسبما يؤكد العديد من المحللين، لا يوجد حظر شامل من جانب الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الهند على شراء النفط الروسي، فالقيود التجارية تُطبق على جهات محددة، ما يُسبب صعوبات في الامتثال بدلًا من الحظر المطلق.

وهم انخفاض حجم الصادرات.. طرق ملتوية و"مشترون مجهولون"
لو كانت الهند تتخلّص فعلًا من النفط الروسي، لكان ذلك واضحًا في إجمالي صادرات روسيا، لكن ما حدث هو عكس ذلك تمامًا.
بحسب شركة أرغوس (Argus)، صدّرت روسيا 17.67 مليون طن من النفط إلى دول خارج رابطة الدول المستقلة في يناير/كانون الثاني 2026، أي بزيادة قدرها 7.9% عن يناير/كانون الثاني 2025.
وبالمقارنة مع يناير/كانون الثاني 2024، زادت الصادرات بصورة ملحوظة. يُفسَّر هذا التناقض الظاهري بآلية حاسمة سُلّط الضوء عليها مرارًا وتكرارًا: غموض وجهة التصدير.
ولم تعد روسيا تنشر بيانات مفصلة عن وجهة التصدير، وبدلًا من ذلك، تسجل وكالات الرصد أحجامًا متزايدة من الشحنات إلى "مشترين مجهولين في آسيا".
وحسبما يوضح إيغور يوشكوف من الصندوق الوطني لأمن الطاقة، فإن هذه الأحجام تتطابق بصورة كبيرة مع انخفاض واردات الهند الرسمية.
والاستنتاج واضح: يُعاد توجيه النفط الروسي عبر وسطاء، ثم يعود إلى الهند عبر طرق ملتوية.
بدوره، يؤكد رئيس تحرير مجلة "أويل آند كابيتال"، فلاديمير بوبيلوف، الحافز الاقتصادي.
وعلى مدى السنوات الـ3 الماضية، حققت الهند أرباحًا تُقدّر بنحو 12.6 مليار دولار من شراء النفط الروسي بأسعار مخفّضة.
ولا يختفي هذا الربح بمجرد ازدياد الضغوط السياسية، بل ينتقل -غالبًا إلى التجار والوسطاء- ولكنه يبقى متجذرًا في النظام.
صعوبة استبدال النفط الروسي
ينهار ادعاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الهند قادرة على استبدال إمدادات أميركية أو فنزويلية بالنفط الروسي أمام التدقيق التقني.
ويتميز خام الأورال الروسي بكثافته وغناه بالكبريت، ما يجعله مناسبًا تمامًا لتكوينات مصافي التكرير الهندية.
في المقابل، تُعدّ صادرات النفط الصخري الأميركي خفيفة جدًا ومنخفضة الكبريت، أقرب إلى مكثفات الغاز. وحسبما يُشير إيغور يوشكوف، فإن استبدال النفط الأميركي بالخام الروسي يتطلّب مزجه بأنواع أثقل، ما يزيد من تكاليف التشغيل ويُقلّل من هوامش ربح المصافي.
وتُفاقم قيود الكميات المشكلة، إذ تُزوّد روسيا الهند بما بين 1.5 و2 مليون برميل يوميًا.
ولا تستطيع الولايات المتحدة توفير كميات مماثلة من النفط الخام المناسب على المدى القريب.
ويُشكّل النفط الفنزويلي قيودًا أشدّ، وبالكاد يتجاوز إنتاجه 900 ألف برميل يوميًا، وقد تمّ التعاقد على معظمه بالفعل مع الصين.
ولم تحصل مصافي التكرير الهندية حتى الآن على إذن من الولايات المتحدة لاستيراد النفط الخام الفنزويلي بكميات كبيرة.
ويُشكّل النفط الفنزويلي قيودًا أشدّ، ويُعدّ منتجو الشرق الأوسط -العراق والسعودية والإمارات- البديل الواقعي الوحيد من حيث الكمية، إلا أن هذه البراميل عادةً ما تكون أغلى ثمنًا، كما أن ميزة قربها الجغرافي لا تُعوّض تمامًا الخصومات الكبيرة التي تُقدّمها روسيا.
اقتصادات الخصومات.. الخسارة الحقيقية لروسيا
لا يكمن الأثر الحاسم لتراجع الهند الجزئي في انخفاض حجم المبيعات، بل في تقلص هوامش الربح، ويُتداول خام الأورال حاليًا عند نحو 54 دولارًا للبرميل.
ورغم ذلك، يحصل تجار الجملة الذين يشترون من المواني الروسية على خصومات كبيرة، لتعويض تكاليف الخدمات اللوجستية المعقّدة والتأمين وإعادة توجيه الشحنات.
وقد ارتفعت هذه الخصومات من نحو 15 دولارًا للبرميل العام الماضي إلى ما يصل إلى 24 دولارًا للبرميل.
وتشير التوقعات المجمعة من 60 شركة تحليلية إلى انخفاض أسعار النفط إلى ما بين 42 و47 دولارًا للبرميل هذا العام.
وفي ظل هذه الظروف، تبقى الموازنة الفيدرالية الروسية بمنأى نسبيًا عن التأثيرات السلبية -حيث تبقى إيرادات وزارة الطاقة مستقرة- لكن منتجي النفط والغاز يتحمّلون الصدمة.
وهذا يفسّر اعتراف نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، بوجود فائض في الوقود بالسوق المحلية، ورفع حظر التصدير عن المنتجين.
ومع تقلّص هوامش الربح في الأسواق الخارجية، يسعى المنتجون إلى إعادة التوازن محليًا، ما يزيد من احتمالية ارتفاع أسعار البنزين في محطات الوقود للمستهلكين الروس.

إشارات الكرملين: هدوء مُتعمّد
كان رد الكرملين مُتعمّدًا بالهدوء، فقد صرّح المتحدث باسمه، ديمتري بيسكوف، مرارًا وتكرارًا بأن موسكو لم تتلقَّ أي إخطار رسمي من نيودلهي بشأن وقف كامل لمشتريات النفط، وأنها لا ترى "أي شيء غير عادي" في سلوك الهند.
ويعكس هذا الموقف ثقةً بالقدرة على التكيف، لا إنكارًا.
ويدرك المسؤولون الروس أن تدفقات النفط تتشكل بفعل القرارات التجارية، لا التصريحات السياسية. وما دام لم يُفرض حظر رسمي، يبقى التجار -لا الحكومات- هم الفاعلين الرئيسين.
النقاش الداخلي في الهند.. الامتثال دون استسلام
تؤكد ردود الفعل العامة في الهند الطبيعة المؤقتة لهذا التحول.
ويتساءل المحللون عن سبب فرض رسوم جمركية تصل إلى 18% على البضائع الهندية في الولايات المتحدة، في حين تدخل البضائع الأميركية إلى الهند معفاة من الرسوم.
ويشكّك آخرون علنًا في تصريحات ترمب، مشيرين إلى عدم توقيع أي اتفاق، وأن رد مودي كان دبلوماسيًا غير مُلزم.
وعلى الصعيد المؤسسي، تتخذ الهند إجراءات احترازية، فقد أوقفت بعض مصافي التكرير عمليات الشراء، في حين تواصل مصافٍ أخرى -بما في ذلك الشركات المملوكة للدولة وشركة نايارا إنرجي (Nayara Energy) المرتبطة بموسكو- عمليات الشراء.
وأوقفت شركة ريلاينس إندستريز (Reliance Industries) الواردات لمجمع جامناغار التابع لها والموجه للتصدير، لكن شركتي إنديان أويل (Indian Oil) وبهارات بتروليوم (BPCL) لم تفعلا ذلك.
في يناير/كانون الثاني الماضي، رفعت الهند إجمالي وارداتها من النفط الخام إلى مستوى قياسي بلغ 5.2 مليون برميل يوميًا.
وارتفعت الواردات من الولايات المتحدة إلى نحو 235 ألف برميل يوميًا، في حين زادت الإمدادات من الشرق الأوسط إلى 3 ملايين برميل يوميًا، ويعكس هذا النمط تنويعًا للمصادر، وليس استبدالًا.
صدمة إيرادات النفط والغاز في روسيا
لطالما استندت قدرة روسيا على دعم الإنفاق الحربي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي على قيد أساسي واحد: تدفق إيرادات الموارد إلى الموازنة الفيدرالية.
ولذلك، فإن أرقام شهر يناير/كانون الثاني الماضي مهمة.
وهي لا تصف مجرد شهر ضعيف، بل تشير إلى انخفاض في الإيرادات نتيجة لتضافر عوامل عدة، منها الخصومات المرتبطة بالعقوبات، وانخفاض أسعار النفط (خصوصًا خام الأورال)، وتأثير سعر الصرف الذي يُقلل بصفة مباشرة من قيمة كل برميل مُصدّر بالروبل لأغراض ضريبية.
انخفاض إيرادات النفط والغاز إلى النصف في يناير/كانون الثاني 2026
انخفضت إيرادات الضرائب من إنتاج النفط والغاز وبيعهما في الموازنة الفيدرالية إلى 393 مليار روبل في يناير/كانون الثاني الماضي، وهو أدنى مستوى اسمي منذ منتصف عام 2020.
وهذا يعني:
- انخفاضًا بنسبة 50% تقريبًا عن يناير/كانون الثاني 2025: 393 مليار روبل مقابل 789 مليار روبل في العام السابق.
- انخفاضًا بنسبة 12% عن ديسمبر/كانون الأول 2025.
- انخفاضًا كبيرًا عن الحد الأدنى المطلوب لهذا الشهر: 576 مليار روبل (الحد الأدنى لإيرادات النفط والغاز اللازمة لتغطية نفقات الموازنة المخططة، والإيرادات التي تتجاوز هذا الحد؛ تُعدّ إيرادات "إضافية").
وتكمن الأهمية الهيكلية في جانبَيْن:
- أولًا، لم يُسفر شهر يناير/كانون الثاني عن أي إيرادات "إضافية" من النفط والغاز، ما يعني أن آلية قاعدة الموازنة لا تزال في "وضع دفاعي" بدلًا من وضع تراكمي.
- ثانيًا، لا يُعد انخفاض الإيرادات مجرد خطأ محاسبي عابر؛ بل يُعزى صراحةً إلى عوامل مستمرة لم تتغير بصورة جوهرية.
أسباب الانهيار.. تسعير خام الأورال + الخصم + قوة الروبل
تتعرّض القاعدة الضريبية الروسية لضغوط من جانبَيْن:
الأول السعر: وفقًا لوزارة الاقتصاد، بلغ السعر الخاضع للضريبة لخام الأورال في ديسمبر/كانون الأول الماضي 39.2 دولارًا أميركيًا للبرميل فقط، بانخفاض عن 63.4 دولارًا أميركيًا في العام السابق.
(يُعدّ شهر ديسمبر/كانون الأول مهمًا، لأن الشركات احتسبت الضرائب في يناير/كانون الثاني بناءً على سعر النفط وسعر صرف الروبل في الشهر السابق).
الآخر الخصم: في نهاية العام الماضي، اتسعت الخصومات على النفط الروسي مقارنةً بالأسعار المرجعية، لتصل إلى 28 دولارًا أميركيًا للبرميل، وهو ما يرتبط بصفة مباشرة بالعقوبات.
تحديث أسعار يناير/كانون الثاني: أفادت وزارة الاقتصاد في 4 فبراير/شباط الجاري أن سعر خام الأورال في يناير/كانون الثاني الماضي ارتفع ارتفاعًا طفيفًا إلى 41 دولارًا أميركيًا للبرميل، ما أعطى الموازنة "أملًا" في تحسّن طفيف في فبراير/شباط الجاري، ولكن من قاعدة منخفضة للغاية.
ويُعدّ هذا التسلسل مهمًا لأنه يُبرز سبب عدم كفاية "التحركات الرئيسية لخام برنت" لتحسين الوضع المالي لروسيا.
حتى عندما تستقر أسعار النفط العالمية أو ترتفع بصورة طفيفة، يمكن أن تظل القاعدة الضريبية الفعلية للموازنة متضررة بشدة إذا ظلّت قيمة النفط بالروبل منخفضة.
آلية الضرائب: انخفض سعر النفط بالروبل انخفاضًا حادًا عن القيمة المتوقعة في الموازنة.
تُبرز بيانات وزارة المالية وتعليقات المحللين ذات الصلة مؤشرًا ماليًا بالغ الأهمية: سعر النفط بالروبل المستعمل في حساب الضرائب.
وانخفض سعر النفط بالروبل إلى 3 آلاف و73 روبلًا للبرميل، مقابل القيمة المستهدفة في الموازنة البالغة 5 آلاف و440 روبلًا.
ويمثّل هذا الفارق "قناة التحويل" الضريبية من أسواق النفط العالمية إلى الموازنة الروسية. وحتى في حال ثبات أحجام الإنتاج، فإن انخفاض القاعدة الضريبية بالروبل للبرميل يؤدي إلى انخفاض فوري في الإيرادات من خلال ضريبة استخراج المعادن ورسوم التصدير.

تحليل مفصل.. تراجع حاد في إيرادات ضريبة استخراج المعادن ورسوم التصدير
يظهر انهيار يناير/كانون الثاني الماضي جليًا في أهم أداتَين من الناحيتَين السياسية والمالية:
وانخفضت إيرادات ضريبة استخراج المعادن بنسبة تقارب 60% على أساس سنوي:
- يناير/كانون الثاني 2026: 440.3 مليار روبل.
- يناير/كانون الثاني 2025: 1.05 تريليون روبل.
انخفضت إيرادات رسوم التصدير بنسبة 44%:
- يناير/كانون الثاني 2026: 40.7 مليار روبل.
- يناير/كانون الثاني 2025: 73 مليار روبل.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تُظهر أن الصدمة التي لحقت بالموازنة لا تقتصر على أداة واحدة، بل هي واسعة النطاق وتشمل جميع جوانب هيكلية استغلال الموارد.
إطار "مخالف للأرقام القياسية".. تدفقات منخفضة تاريخيًا لإيرادات الموارد
من الناحية الاسمية، كانت تدفقات إيرادات النفط والغاز إلى الموازنة هي الأدنى منذ يوليو/تموز 2020.
أما من الناحية النسبية فيبدو أن مستوى يناير/كانون الثاني الماضي هو أدنى مستوى قياسي "خلال فترة حكم فلاديمير بوتين بأكملها".
ويُعد هذا الإطار -النسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي- ذا أهمية إستراتيجية، لأنه يقيس التقلبات، ويقيس الوزن المالي المتناقص لمحرك الريع التقليدي في روسيا، في وقت يتزايد فيه جمود الإنفاق.
قانون الموازنة يتحول إلى أداة استقرار، ولكن بتكلفة.
نظرًا إلى عدم وجود إيرادات إضافية من النفط والغاز في يناير/كانون الثاني الماضي، ستواصل وزارة المالية بيع العملات الأجنبية في فبراير/شباط بموجب قانون الموازنة:
- إجمالي المبلغ المُخصّص: 226.8 مليار روبل.
- 11.9 مليار روبل يوميًا من 6 فبراير/شباط الجاري إلى 5 مارس/آذار المقبل.
- مبيعات الشهر السابق: 12.8 مليار روبل يوميًا.
وتُستكمل هذه العمليات بمبيعات البنك المركزي:
- 4.6 مليار روبل يوميًا في النصف الأول من العام (لتعويض نفقات صندوق الرعاية الاجتماعية الوطني).
- إجمالي مبيعات العملات الأجنبية اليومية: 16.5 مليار روبل يوميًا، بانخفاض طفيف عن 17.4 مليار روبل في الفترة السابقة.
ويتمثّل الأثر الثانوي الحاسم في أن هذا الحجم من بيع العملات الأجنبية يدفع الروبل نحو الارتفاع، ما يؤثر سلبًا في سعر النفط بالروبل، وبالتالي على الإيرادات الضريبية.
بعبارة أخرى، قد تُفاقم آلية الاستقرار، دون قصد، الضغط على الإيرادات.
ويصف محللو البيانات بأنها تشير إلى "كارثة في الموازنة".
يربط فلاديمير تشيرنوف من مؤسسة فريدوم فاينانس صراحةً بين الخصومات الناجمة عن العقوبات (التي بلغت 27 دولارًا للبرميل في يناير/كانون الثاني الماضي) وضعف إيرادات ضريبة المناجم والتصدير، وتزايد مخاطر العجز.
وافترضت الخطة الاقتصادية الكلية للدولة ما يلي:
- سعر 59 دولارًا للبرميل من خام الأورال في الموازنة.
- سعر صرف 92.2 روبلًا للدولار.
متوسط سعر خام الأورال لعام 2025 (وفقًا للبيانات الشهرية للوكالة): 55.6 دولارًا، مقابل 67.9 دولارًا في عام 2024.
لكن المستويات الفعلية الخاضعة للضريبة من خام الأورال المذكورة: 39 دولارًا في ديسمبر/كانون الأول، و40-41 دولارًا في يناير/كانون الثاني الماضيين.
وهذا ليس خطأ بسيطًا في التوقعات؛ بل هو عجز مالي كبير بما يكفي لإعادة طرح السؤال حول مقدار العجز الذي يمكن تمويله من خلال الأدوات التقليدية دون استنزاف الاحتياطيات أو زيادة الإنتاج المحلي.
العجز والاحتياطي.. نقطة ضغط على صندوق الرفاه الوطني
خططت الحكومة لتقليص عجز الموازنة:
من 5.7 تريليون روبل العام الماضي إلى 3.8 تريليون روبل هذا العام، باستعمال ضريبة القيمة المضافة المرتفعة وضرائب أعلى على الشركات الصغيرة.
رغم ذلك، قد تخسر وزارة المالية ما بين 3 و3.5 تريليون روبل من إيرادات النفط والغاز، أي ما يقارب 40% من المبلغ المُدرج في الموازنة.
وهنا تبرز أهمية القيد الإستراتيجي، إذ يمتلك صندوق الرفاه الوطني 4.1 تريليون روبل من الأصول السائلة المتبقية.
ويُعد هذا الأمر بالغ الأهمية، لأنه بمجرد انخفاض السيولة المتاحة بصورة ملحوظة، تتقلص الخيارات المالية إلى إجراءات أكثر صرامة سياسيًا (زيادة الضرائب، وتعديلات الأسعار المحلية، وآليات شبه مالية، أو ديناميكيات اقتراض أكثر جرأة).
البحث المُلحّ عن الإيرادات وافتراض سياسي قاتم
تسعى الحكومة الروسية بصفة عاجلة إلى توفير 1.2 تريليون روبل بوصفها إيرادات إضافية لسدّ العجز.
ولا يتوقع الكرملين نجاح محادثات السلام مع أوكرانيا، ويعتقد أن الإنفاق العسكري قد لا يفي بالأهداف المُخطط لها.
وتكمن أهمية هذا الأمر في بنيته، فإذا افترضت القيادة السياسية استمرار الإنفاق الأمني المُكثّف والحدّ من التدخل الدبلوماسي، فإنّ صدمة الإيرادات لن تكون دورية، بل ستتحوّل إلى مشكلة تخطيط إستراتيجي.
العلاقة مع الهند.. توقعات العرض والعجز
يرتبط الوضع المالي ارتباطًا وثيقًا بجغرافية التصدير والمخاطر التي تواجه الهند.
وتستعد الحكومة لخفض إمدادات النفط إلى الهند بنسبة 30%، وهذا يزيد من احتمالية أن يتضاعف العجز تقريبًا مقارنةً بالعام الماضي، ليصل إلى 8-10 تريليونات روبل.
وتشير تقديرات داخلية أخرى، نقلًا عن "رويترز"، إلى انخفاض متوقع في إيرادات النفط والغاز عام 2026 بنسبة 18% مقارنةً بالهدف المخطط له، وانخفاض متوقع في إجمالي الإيرادات بنسبة 6%.
وتفترض هذه التقديرات أن الإنفاق يتجاوز معايير قانون الموازنة بنسبة تتراوح بين 4.1% و8.4%.
انهيار الإيرادات
يؤكد انهيار الإيرادات في يناير/كانون الثاني الماضي (إلى 393 مليار روبل، أي ما يقرب من نصف عام سابق وأقل من خط الأساس البالغ 576 مليار روبل) أن نقطة الضعف الأساسية لروسيا لم تعد استمرارية الإنتاج بل الكفاءة المالية لكل برميل.
فخفض أسعار خام الأورال (39.2 دولارًا خاضعة للضريبة في ديسمبر/كانون الأول الماضي؛ نحو 41 دولارًا في يناير/كانون الثاني الماضي).
بالإضافة إلى خصومات العقوبات الموسعة (تصل إلى 28 دولارًا للبرميل) وديناميكية قوة الروبل المعززة بمبيعات العملات الأجنبية (16.5 مليار روبل/يوميًا مجتمعة من وزارة المالية والبنك المركزي) تضغط على القاعدة الضريبية.
وتدفع إيرادات ضريبة القيمة المضافة ورسوم التصدير إلى انخفاض حاد (انخفضت ضريبة القيمة المضافة بنسبة 60% تقريبًا على أساس سنوي، وانخفضت الرسوم بنسبة 44%).
وفي حال انخفاض مشتريات الهند رسميًا وتحول الكميات إلى قنوات غير رسمية، فقد تحافظ روسيا على حجم الإنتاج، لكنها ستفعل ذلك عبر نقل القيمة إلى الوسطاء وشركات الخدمات اللوجستية، تحديدًا في الوقت الذي تسعى فيه الدولة لتقليص العجز من 5.7 إلى 3.8 تريليون روبل.
وتواجه البلاد سيناريوهات (نقلتها وكالة رويترز/ومؤسسة إم إم آي) تصل فيها خسائر إيرادات النفط والغاز إلى 3-3.5 تريليون روبل، ما قد يستنزف معظم الأصول السائلة المتبقية من صندوق الرفاه الوطني البالغة 4.1 تريليون روبل.
من الناحية الجيوسياسية، يمثّل هذا تحولًا من "الصمود" أمام العقوبات إلى "الإنهاك": ليس انهيارًا مفاجئًا، بل تضييق تدريجي للنطاق المالي يقلّص من هامش مناورة موسكو، خصوصًا إذا أصبحت قناة الهند أكثر تكلفة، وانحرف العجز نحو نطاق 8-10 تريليون روبل المذكور في التقرير.
وفي الوقت نفسه، فإن روسيا لا تخسر سوق النفط الهندية، بل تخسر قدرتها على تحديد الأسعار داخلها. وستستمر تدفقات السلع -جزئيًا بصفة مباشرة، وجزئيًا عبر الوسطاء- ولكن بخصومات أكبر وتكاليف لوجستية أعلى.
ولن يشعر الاقتصاد الروسي بذلك من خلال انهيار مالي فوري، بل من خلال تآكل مستمر في هوامش الربح للمنتجين وتزايد الضغط على الأسعار المحلية.
بالنسبة إلى الهند، تؤكد هذه الحادثة إستراتيجيتها: استيعاب الضغوط الأميركية خطابيًا مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية عمليًا.
ستكون التخفيضات تدريجية، وقابلة للتراجع، ومطبقة بصفة انتقائية، وليست مطلقة.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فتكشف هذه القضية حدود الإكراه في مجال الطاقة ضمن نظام متعدد الأقطاب. وقد تُغيّر التصريحات السياسية مسارات الاستيراد وتعيد توزيع الإيرادات، لكنها لا تستطيع بسهولة تغيير تكوينات المصافي، أو حوافز الأسعار، أو الطلب العالمي. وبهذا المعنى، فإن النفط الروسي يغادر الهند حاليًا، ولكن على الورق فقط.
فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.
*هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- مصافي التكرير الهندية قد تتحول من النفط الروسي إلى الأميركي.. باتفاق تجاري (تقرير)
- إيرادات صادرات النفط الروسي في 2025 تهبط 29 مليار دولار
- مشتريات 3 شركات هندية من النفط الروسي تقفز في يناير 2026
اقرأ أيضًا..
- احتياطيات الهيليوم في الدول العربية.. وخريطة تحركات 4 بلدان (تقرير)
- حقل عجيل العراقي.. إنتاج واعد يترقب استثمارات لتطويره
- بي واي دي الصينية تركز على الشرق الأوسط وتحدد نقطة الانطلاق





