أنس الحجي: الغاز المسال الأميركي مسألة أمن قومي.. وهكذا ينهي نفوذ موسكو
أحمد بدر

يمثّل الغاز المسال الأميركي إحدى أبرز أدوات النفوذ في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، إذ لم يعد مجرد سلعة طاقة، بل تحوّل إلى عنصر فاعل في إعادة رسم التوازنات الجيوسياسية، خصوصًا في أوروبا.
وفي هذا الإطار قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي إن حماية هذا القطاع لم تكن مرتبطة يومًا بشعارات تغير المناخ، بل جاءت من قناعة راسخة داخل مؤسسات الحكم في أميركا بأن الطاقة أداة سيادية لا يمكن التفريط بها.
وأشار الحجي إلى أن الغاز المسال الأميركي ظل محميًا سياسيًا منذ لحظة دخوله معادلات التصدير، إذ جرى التعامل معه باعتباره ركيزة أساسية للأمن القومي، لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية أو التحالفات الإستراتيجية التقليدية.
وأوضح أن التحركات الأميركية في أسواق الطاقة لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع على النفوذ العالمي، خاصة مع روسيا والصين؛ حيث أصبح التحكم في الإمدادات وسلاسل النقل جزءًا من أدوات الردع غير المباشر.
وجاءت تصريحات الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، قدمها أنس الحجي على مساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا) تحت عنوان "ترمب يغير خريطة الطاقة العالمية".
أوروبا والغاز.. من السوق إلى الأمن القومي
يؤكد أنس الحجي أن الغاز المسال الأميركي دخل بقوة إلى أوروبا بعد إدراك واشنطن أن اعتماد القارة على الغاز الروسي يمنح موسكو نفوذًا سياسيًا خطيرًا، خاصة في ألمانيا التي كادت تنزلق إستراتيجيًا خارج المظلة الأميركية.
وأوضح أن وجود مسؤولين ألمان سابقين في مجالس إدارة شركات غاز روسية كشف عن حجم التشابك، ما دفع الولايات المتحدة إلى التحرك مبكرًا لكسر هذا الاعتماد، ليس بدوافع تجارية فقط، وإنما بدوافع أمن قومي واضحة.
وأشار إلى أن روسيا حاولت استباق الخطة الأميركية عبر الإسراع في بناء خطوط أنابيب جديدة، وعلى رأسها "نورد ستريم 2" بتمويل مباشر من موسكو، في محاولة لضمان السوق الأوروبية لعقود مقبلة.

لكن -وفق أنس الحجي- تعطيل الخط ثم تفجير "نورد ستريم 1" فتح الباب واسعًا أمام الغاز المسال الأميركي ليصبح الخيار شبه الوحيد أمام ألمانيا وأوروبا، بعد سنوات من تجاهل التحذيرات الأميركية بشأن بناء محطات إعادة التغويز.
وأضاف أن واشنطن استغلت الأزمة بأقصى قدر ممكن، إذ تحوّل الغاز إلى أداة ضغط فعالة، فرضت واقعًا جديدًا على أوروبا، على الرغم مما يحمله ذلك من مخاطر على أمنها الطاقي طويل الأمد.
وبيّن خبير اقتصادات الطاقة العالمية أن هذه التطورات أثبتت أن ملف الطاقة تجاوز منطق السوق الحرة، وأصبح جزءًا صريحًا من معادلة الصراع الدولي وإعادة توزيع النفوذ.
روسيا والبحث عن بدائل جغرافية
يرى أنس الحجي أن الغاز المسال الأميركي دفع روسيا إلى إعادة التفكير جذريًا في خريطة صادراتها، بعد أن أدرك الرئيس فلاديمير بوتين منذ 2014 أن أوروبا لم تعد سوقًا مضمونة للغاز الروسي على المدى الطويل.
وأوضح أن موسكو وجدت نفسها محاصرة جغرافيًا، فالتوجه إلى الصين عبر الأنابيب شكّل حلًا جزئيًا، لكنه محفوف بالمخاطر، في حال حدوث أزمات اقتصادية أو سياسية مع بكين مستقبلًا.
وأشار إلى أن الصين، بحكم موقعها البحري، قادرة على تنويع وارداتها بسهولة، ما جعل الاعتماد الروسي عليها مصدر قلق إستراتيجيًا، ودفع موسكو للتركيز على تصدير الغاز في صورة غاز مسال.

وأضاف أنس الحجي أن التحول إلى الغاز المسال يمنح مرونة أكبر، إذ يمكن توجيه الشحنات إلى أي سوق عالمية، متجاوزًا قيود الجغرافيا وخطوط الأنابيب الثابتة.
لكنه شدد على أن الولايات المتحدة تحركت سريعًا لعرقلة هذا المسار، في إطار حماية الغاز المسال الأميركي من أي تهديد محتمل، عبر فرض حظر على المحطات والسفن الروسية المتطورة.
وأكد مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن هذه القيود لا ترتبط بالحرب الأوكرانية بقدر ارتباطها بصراع طويل الأمد على السيطرة على أسواق الغاز العالمية.
البحر الأحمر والعقود الطويلة الأجل
أوضح أنس الحجي أن الغاز المسال الأميركي كان حاضرًا أيضًا في تطورات البحر الأحمر، إذ لم تمر ناقلات الغاز الروسية عبر هذا الممر بخلاف ناقلات النفط، نتيجة اعتبارات أمنية وسياسية تقودها البحرية الأميركية.
وأشار إلى أن الالتفاف حول أفريقيا يرفع التكاليف بنحو خمسة أسابيع، ما يقلص تنافسية الغاز الروسي ويعزز موقع الغاز الأميركي في السوق الأوروبية، ويفرض خيارات محدودة على المستوردين.
وأضاف أن هذا الواقع جعل اعتماد أوروبا على الغاز الأميركي يتضخم بشكل لافت، رغم التحذيرات من مخاطره على الأمن القومي الأوروبي، لكنها وجدت نفسها بلا بدائل واقعية في المدى المنظور.

ولفت الدكتور أنس الحجي إلى أن توسع أميركا في بناء محطات التسييل يستلزم عقودًا طويلة الأجل، نظرًا إلى الكلفة الضخمة للمشروعات، التي تصل إلى مليارات الدولارات للمحطة الواحدة.
وأوضح أن نموذج العمل يقوم على ضمان عقود شراء وبيع تمتد لـ25 عامًا، قبل التوجه إلى البنوك والحكومة للحصول على التمويلات والتراخيص اللازمة، في منظومة محكمة ومعقدة.
وختم الحجي تصريحاته بالتأكيد على أن الغاز المسال الأميركي أصبح اليوم سلاحًا إستراتيجيًا متكامل الأركان، يُدار بعقلية أمن قومي، ويُستخدم لإعادة تشكيل خريطة الطاقة والنفوذ العالمي لسنوات طويلة قادمة.
موضوعات متعلقة..
- كيف تحول الغاز المسال الأميركي إلى سلاح بيد ترمب؟ (تقرير)
- أوكرانيا تنتظر الغاز المسال الأميركي.. شحنات من مشروع مهم
- صادرات الغاز المسال الأميركية ترتفع 27%.. ومصر تقترب من صدارة المستوردين
اقرأ أيضًا..
- وكالة الطاقة الدولية ترفع توقعات نمو الطلب على النفط في 2026
- طرح ناقلة نفط عملاقة ترفع علم إيران للبيع في مزاد علني.. ما القصة؟
- الطاقة النووية في تركيا.. توسع مرتقب يمهد لتحقيق توازن جيوسياسي (مقال)
المصدر..





