سياسات التحول الأخضر الأوروبية "طاردة للاستثمارات".. وأميركا وآسيا تستفيدان
هبة مصطفى
تسبّبت سياسات التحول الأخضر الأوروبية في حالة من الاضطراب الاقتصادي والصناعي لعدد من كبريات دول القارة العجوز، رغم الغايات الإيجابية من الأهداف البيئية.
وسلّط مقال -تابعت منصة الطاقة المتخصصة تفاصيله- الضوء على الجانب الآخر من "نبل" شعارات الانتقال الطاقي، وخفض الانبعاثات، وتداعيات الاندفاع الأوروبي المناخي.
ورصد كاتب المقال حجم تراجع الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا مقارنة باقتصادات عالمية كبرى، مشيرًا إلى هروب عدد كبير من المُصنعين إلى أميركا وآسيا في ظل التخبط وارتفاع أسعار الطاقة.
ولم يكتفِ الكاتب بالحديث حول التبعات الاقتصادية للتحول فقط، لكن هناك أيضًا قدرًا لا بأس به من الانعكاسات الاجتماعية والصحية.
تراجع اقتصادي.. وهروب للاستثمارات
ظهرت آثار اقتصادية واستثمارية واضحة لسياسات التحول الأخضر الأوروبية، رصدها رئيس لجنة من أجل غدٍ بناء الأميركية غير الربحية "كريغ روكر" في مقاله المنشور بصحيفة "ذا هيل".
وأوضح كاتب المقال أن وزن الاقتصاد الأوروبي يتراجع حاليًا مقابل الأميركي، مشيرًا إلى أن الفجوة بين الناتج المحلي الإجمالي لكل منهما تزداد اتساعًا.

وبعد أن كان ناتج القارة العجوز يقترب بنسبة 90% من نظيره الأميركي، تراجع إلى 65%، حسب ما نقله كاتب المقال عن الرئيس التنفيذي لبنك جيه بي مورغان "جيمي ديمون".
وتناولت تقارير إعلامية أيضًا بيانات تربط آليات أوروبا لخفض الانبعاثات بـ"تعطيل الاقتصاد"، خاصة مع إلغاء أو تأجيل عدد كبير من المشروعات الضخمة.
وأرجع كاتب المقال تراجع الاقتصاد الأوروبي والفجوة الملموسة مقارنة بأميركا إلى:
- أسعار الكهرباء
ترجع الفجوة في المقام الأول إلى ارتفاع أسعار الكهرباء، إذ سجلت ألمانيا (أكبر الاقتصادات الأوروبية) أعلى مستوى سعري محلي بين الدول المتقدمة، وظهر ذلك أيضًا على صعيد التكلفة الصناعية في بريطانيا وإيطاليا.
فمتوسط أسعار تزويد الصناعات الثقيلة الأوروبية بالكهرباء يصل إلى ضعف الأسعار الأميركية، خاصة مع زيادة حصة الطاقة المتجددة إلى 54% وإضافة التكلفة التي كبّدها ذلك إلى الفواتير.
- التوقعات غير الدقيقة
خلال اعتمادها للسياسات والقرارات، استندت أوروبا إلى توقعات غير دقيقة بشأن الكوارث المناخية، وافتراضات "مثالية" حول الطاقة المتجددة والنظيفة، طرحتها نُخب وفئات وصفها الكاتب بأنها "منفصلة عن الواقع".
نتائج كارثية
رغم توافر الموارد الطبيعية للشمس والرياح؛ فإن تأهيل البنية التحتية وأدوات للاستفادة من هذه الإمكانات يتطلب استثمارات هائلة، مثل بطاريات التخزين.
ويتحمّل المستهلك للكهرباء النظيفة هذه الأعباء الإضافية، في صورة فواتير كهرباء مرتفعة أو ضرائب كربون.
ومع تفاقم هذه الاضطرابات الناجمة عن التراجع الاقتصادي، قد تؤدي إلى "ضربة عكسية" لخطط وسياسات التحول الأخضر الأوروبية.
وهناك أمثلة عدة على ذلك تناولها المقال؛ من بينها:
- اضطرار شركة ألمانية إلى تأجيل تطوير مركزي بيانات لمدة 10 سنوات، لحين توافر إمدادات الكهرباء المتجددة والمكلفة اللازمة للتشغيل دون انبعاثات.
- اتجاه شركة كيماويات بريطانية إلى إغلاق محطتين في بريطانيا، نتيجة زيادة أسعار الطاقة.
- عزم شركة إكسون موبيل الأميركية إغلاق محطة كيماويات تابعة لها في إسكتلندا، والتخلي عن الاستثمار في الصناعة الأوروبية.
وبجانب الإجراءات الفعلية، هناك مخاوف أخرى لفت إليها وزير الطاقة الأميركي "كريس رايت" في حدث سابق، تضمنت:
- انكماش صناعات كثيفة الاستهلاك مثل: الصلب، والألومنيوم، والبتروكيماويات، والسيارات.
- نقل مراكز التطوير الصناعية من أوروبا، إلى كل من: أميركا وآسيا.
- تراجع فرص الوظائف مرتفعة الأجور.

أزمة اجتماعية
يبدو أن عددًا من كبار سياسيي القارة بدأوا يدركون خطورة سياسات التحول الأخضر الأوروبية وفق وضعها الحالي؛ إذ سبق أن أشار المستشار الألماني "فريدريش ميرتس" إلى أن انبعاثات بلاده تشكل 2% فقط من الإجمالي العالمي، موضحًا أن إجراءات برلين لن تمنع وقوع الكوارث المناخية.
واتفق معه قائد حزب الإصلاح البريطاني، محمّلًا تقديم الدعم للطاقة المتجددة مسؤولية "إهدار أموال دافعي الضرائب في المملكة المتحدة".
وعلى الصعيد الاجتماعي، سلّط كاتب المقال الضوء على عدد من النتائج المتوقعة لسياسات التحول الأخضر الأوروبية، وتشمل:
- تراجع الوظائف.
- عجز الأسر عن الحصول على التدفئة.
- ضغط برامج الرعاية الاجتماعية.
- تزايد معدل الوفيات بسبب البرد، خاصة من فئات كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، مستندًا إلى رصد 5 آلاف وفاة خلال شتاء 2022-2023، والذي قد يرتفع لمستويات أعلى خاصة في بريطانيا.
أين الخلل؟
بعد استعراض عدد من التداعيات الاقتصادية والصناعية والاستثمارية والاجتماعية لسياسات التحول الأخضر الأوروبية، طرح "كريغ روكر" في مقاله تساؤلًا حول "لماذا تحولت الأهداف المناخية إلى كارثة؟".
ولفت "روكر" إلى تناقض حُجج المدافعين عن التحول بهذه الوتيرة، إذ شددوا على أن تنويع الموارد ضروري في ظل افتقار القارة لموارد النفط والغاز مقارنة بأميركا وغيرها من المراكز الصناعية العالمية.

وقال إن من يشكون نقص الموارد دعموا إجراءات قوية، مثل:
- خفض ووقف التنقيب عن النفط في المياه العميقة.
- حظر التكسير المائي (الهيدروليكي) خلال استخراج الغاز الطبيعي.
- منع تعدين الفحم أو حرقه.
- إغلاق 37 محطة طاقة نووية بصورة نهائية.
فرغم امتلاك القارة الأوروبية لموارد الطاقة؛ فقد قرر صانعو السياسات التغاضي عنها، وبدلًا من ذلك زادوا من اعتمادهم على الغاز الروسي وحاليًا الأميركي.
وقال إن أوروبا لم تفطن إلى أسباب انقطاع الكهرباء الكارثي في إسبانيا والبرتغال العام الماضي (2025)، ولم تتعلم من الدروس المستفادة.
موضوعات متعلقة..
- سياسات تحول الطاقة في أوروبا تهدّد بزيادة الانقسام الداخلي (دراسة)
- تحول الطاقة في أوروبا يواجه تحديات تزايد الحاجة للوقود الأحفوري
- فواتير الطاقة في بريطانيا تدفع جونسون للتراجع: التحول الأخضر مكلف
اقرأ أيضًا..
المصادر..





