التغير المناخيتقارير التغير المناخيرئيسية

لخفض الانبعاثات الكربونية.. خبير يبرز 5 تجارب دولية للزراعة التجديدية

داليا الهمشري

في ظل تصاعد التحديات المناخية وارتفاع معدلات الانبعاثات الكربونية عالميًا، تتجه الأنظار إلى حلول قائمة على الطبيعة، قادرة على تحقيق الأمن الغذائي بالتوازي مع حماية البيئة.

وفي هذا السياق، تبرز الزراعة التجديدية بوصفها أحد أكثر النماذج الزراعية فاعلية في خفض الانبعاثات الكربونية، واستعادة صحة التربة، وتعزيز قدرة النظم البيئية على التكيّف مع تغيّر المناخ.

ويؤكد الخبير الدولي في الزراعة التجديدية وتغير المناخ، أستاذ الزراعة العضوية والبيئة بجامعة الأزهر، الدكتور خالد غانم، أن الزراعة التجديدية لم تعد مجرد اتجاه زراعي حديث، بل أصبحت ضرورة بيئية واقتصادية؛ نظرًا إلى دورها المحوري في عزل الكربون، والحد من تدهور الأراضي، وتقليل الاعتماد على المدخلات الصناعية كثيفة الانبعاثات.

وأوضح غانم -في تصريحات إلى منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- أن الزراعة التجديدية تتجاوز مفهوم الاستدامة التقليدي، إذ لا تكتفي بالحفاظ على الموارد، بل تعمل على إعادة بنائها بصورة فاعلة من خلال ممارسات زراعية متكاملة تشمل تقليل اضطراب التربة، وزراعة محاصيل التغطية، وتناوب المحاصيل، ودمج الثروة الحيوانية في المنظومة الزراعية.

خفض الانبعاثات الكربونية

أشار الدكتور خالد غانم إلى أن هذا النهج يهدف إلى إنتاج غذاء عالي القيمة الغذائية، مع تحسين الجدوى الاقتصادية للمزارع، وتقليل الاعتماد على الأسمدة والمبيدات، فضلًا عن تعزيز قدرة التربة على تخزين الكربون، وهو ما يجعل الزراعة التجديدية إحدى الأدوات المهمة في جهود خفض الانبعاثات الكربونية عالميًا.

وربط غانم بين الزراعة التجديدية ومفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على إعادة استعمال الموارد وتدويرها باستمرار، إذ تتحول المخلفات إلى مدخلات جديدة بدلًا من إهدارها.

وأوضح أن هذا النموذج يُسهم في تقليل النفايات والملوثات، والحفاظ على الموارد الطبيعية والطاقة، ودعم الاقتصاد الأخضر، وتوفير فرص عمل جديدة في مجالات الابتكار البيئي.

خبير يبرز دور الزراعة التجديدية في خفض الانبعاثات الكربونية

وأكد أن الزراعة التجديدية والاقتصاد الدائري ينطلقان من فلسفة واحدة، مفادها أنه لا نفايات في الطبيعة، بل كل عنصر يعود ليغذّي دورة جديدة من الحياة، وهو ما ينتج نموذجًا تنمويًا قادرًا على الإنتاج دون الإضرار بالبيئة.

تجارب دولية رائدة

استعرض غانم -خلال تصريحاته إلى منصة الطاقة المتخصصة- 5 تجارب دولية ناجحة تُجسّد التكامل بين الزراعة التجديدية والاقتصاد الدائري، وتبرهن على قدرتهما في خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز مرونة النظم البيئية، وهي:

1- مزرعة غابي براون في الولايات المتحدة:

في ولاية داكوتا الشمالية الأميركية، تمثّل مزرعة غابي براون (Gabe Brown) أحد أبرز نماذج التحول إلى الزراعة التجديدية، فبعد أعوام من فشل المحاصيل نتيجة التقلبات المناخية، بدأ براون منذ أوائل التسعينيات تطبيق مبادئ الزراعة التجديدية، ما أسفر عن قفزة نوعية في صحة التربة.

وارتفعت نسبة المادة العضوية في التربة من أقل من 2% إلى أكثر من 6%، كما تحسّن معدل تسرّب المياه بصورة لافتة، وارتفع مخزون الكربون في أعماق التربة إلى مستويات تفوق بكثير الأراضي التقليدية المجاورة.

ونتيجة لذلك، زادت غلة المحاصيل بنسب ملحوظة، مع الاستغناء شبه الكامل عن الأسمدة الصناعية والمبيدات.

2- مزرعة فارم إيد في المملكة المتحدة:

في مقاطعة أوكسفوردشاير البريطانية، تمثّل مزرعة فارم إيد (FarmED) مركزًا تعليميًا وتطبيقيًا للزراعة التجديدية، حيث تطبق ممارسات متقدمة مثل الزراعة دون حرث، ومحاصيل التغطية، والرعي المتنقل، وإعادة تأهيل الأراضي الرطبة.

مزرعة فارم إيد (FarmED) بالمملكة المتحدة
مزرعة فارم إيد (FarmED) في المملكة المتحدة - الصورة من الموقع الرسمي للمزرعة

ولا يقتصر دور المزرعة على الإنتاج الزراعي، بل يمتد إلى التوعية المجتمعية وبناء القدرات، من خلال ورشات العمل والشراكات البحثية مع جامعات ومؤسسات علمية، فضلًا عن تصميم معماري منخفض الكربون؛ ما جعلها نموذجًا متكاملًا للزراعة منخفضة الانبعاثات الكربونية.

3- الزراعة المحافظة في زامبيا:

في أفريقيا، تسلّط تجربة الزراعة المحافظة في زامبيا الضوء على البعد الاجتماعي والاقتصادي للزراعة التجديدية، فبدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، أسهم المشروع في تحسين إنتاجية المحاصيل لأكثر من 229 ألف مزارع، مع التركيز على النساء.

وتبرز قصة المزارعة مارغريت تشيسانغانو بصفتها نموذجًا ملهمًا، إذ قفز إنتاج الذرة لديها من 10 أكياس فقط إلى 120 كيسًا للهكتار الواحد، بعد تبني ممارسات الزراعة المحافظة، ما انعكس مباشرة على الأمن الغذائي والدخل الأسري.

4- صحة الغابات لصحة البحار في اليابان:

في اليابان، تجسّد تجربة العالم كاتسوهيكو ماتسوناغا وصياد المحار شيجياتسو هاتاكياما العلاقة الوثيقة بين النظم البرية والبحرية، فقد أثبتت الأبحاث أن تدهور الغابات على ضفاف الأنهار يؤثر سلبًا في الحياة البحرية، نتيجة نقص الحديد المتوفر بيولوجيًا اللازم لنمو العوالق النباتية.

وأدت حملات إعادة تشجير ضفاف الأنهار إلى استعادة التوازن البيئي، وزيادة إنتاجية مصايد المحار، في نموذج يوضح كيف يمكن لحلول قائمة على الطبيعة أن تعزّز النظم البيئية وتدعم الاقتصاد المحلي.

5- تقنية "الزاي" في بوركينا فاسو:

أما في بوركينا فاسو فقد طوّر المزارع يعقوبا ساوادوغو تقنية "الزاي" التقليدية لمواجهة الجوع والتصحر، عبر حفر صغيرة تُجمع فيها مياه الأمطار وتُدعم بالمواد العضوية، وأسهمت هذه التقنية في استعادة خصوبة التربة وزيادة إنتاجية المحاصيل بنسبة تصل إلى 500%، وانتشرت لاحقًا في دول أفريقية مجاورة.

وأكد الدكتور خالد غانم أن هذه التجارب الدولية تثبت أن الزراعة التجديدية ليست مجرد حل زراعي، بل أداة مناخية فاعلة قادرة على خفض الانبعاثات الكربونية، وتعزيز الأمن الغذائي، وبناء اقتصاد أكثر مرونة وتوازنًا مع الطبيعة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق