التقاريرتقارير الهيدروجينتقارير دوريةسلايدر الرئيسيةهيدروجينوحدة أبحاث الطاقة

البنية التحتية للتصدير.. هل المواني العربية جاهزة للأمونيا الخضراء؟

وحدة أبحاث الطاقة - سامر أبووردة

تمثّل البنية التحتية للتصدير العامل الحاسم في انتقال مشروعات الأمونيا الخضراء العربية من مرحلة الإعلان والتخطيط إلى مرحلة التدفقات التجارية الفعلية، إذ لم يعد التحدي مقتصرًا على قدرات الإنتاج فحسب، بل بات مرتبطًا بمدى جاهزية المواني لاستيعاب منتج عالي الحساسية، يتطلب معايير صارمة في التخزين والشحن.

يأتي ذلك في وقت تتسارع فيه الاستثمارات العربية بالهيدروجين والأمونيا الخضراء، وسط تنافس إقليمي على حجز مواقع مبكرة في الطلب العالمي، لا سيما الأسواق الأوروبية والآسيوية، التي تبحث عن بدائل منخفضة الكربون.

وفي هذا السياق، ووفقًا لبيانات وحدة أبحاث الطاقة (مقرّها واشنطن)، دخلت عدّة دول عربية خلال عام 2025 في مراحل متقدمة من تطوير المواني، سواء عبر تحديث الأرصفة القائمة أو إنشاء محطات تصدير متخصصة.

ورغم ذلك، فإن هذا التقدم لا يسير بوتيرة واحدة في الدول جميعها، إذ تتباين مستويات الجاهزية الفنية والتنظيمية، كما تختلف نماذج التصدير بين الشحن البحري المباشر، أو الدمج مع خطوط أنابيب عابرة للحدود، ما يفرض قراءة تفصيلية لحالة كل دولة على حدة.

مصر.. اختبار مبكر لجاهزية المواني

تتقدم مصر المشهد العربي في هذا الملف بفضل تكامل مشروعات الهيدروجين والأمونيا داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تحولت إلى منصة تجريبية متقدمة لاختبار البنية التحتية للتصدير، إذ تضم 6 موانٍ جرى تأهيلها أو قيد التطوير لهذا الغرض.

ويبرز ميناء شرق بورسعيد بوصفه أحد أكثر المواني جاهزية، بعد تصنيفه أول ميناء أفريقي والثالث عالميًا في مؤشر أداء مواني الحاويات (CPPI) لعام 2024، بالإضافة إلى الجاهزية لتموين السفن بالوقود الأخضر.

وفي ميناء السخنة، تقترب مصر من تصدير أول شحنة أمونيا خضراء، ضمن خطط لتصدير 27 شحنة إلى ألمانيا بحلول عام 2027، اعتمادًا على قرب الميناء من مناطق الإنتاج في خليج السويس، وهو ما يخفض تكاليف النقل الداخلي.

ميناء شرق بورسعيد
ميناء شرق بورسعيد - أرشيفية

وإلى جانب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يشهد ميناء دمياط تنفيذ خطوط أنابيب مباشرة لنقل الأمونيا الخضراء من مصانع الإنتاج، مثل "موبكو"، إلى أرصفة التصدير، بما يقلل المخاطر اللوجستية.

وفي غرب محافظة مرسى مطروح، يمثّل ميناء جرجوب ركيزة مستقبلية، بعد تخصيص استثمارات تُقدَّر بنحو 3.1 مليار دولار أميركي للمرحلة الأولى من مشروعات الهيدروجين والأمونيا المجاورة له.

البنية التحتية للتصدير في سلطنة عمان

تشكّل البنية التحتية للتصدير حجر الأساس في التحول الذي تقوده سلطنة عمان نحو تأدية دور محوري في سوق الهيدروجين العالمية.

ففي أبريل/نيسان 2025، أعلنت البلاد خطوة غير مسبوقة عبر توقيع اتفاقية تطوير مشتركة لإنشاء أول ممر تجاري للهيدروجين المسال في العالم يربطها بهولندا وألمانيا.

ويمثّل هذا الممر نقلة نوعية في تجارة الوقود المتجدد من أصل غير بيولوجي (RFNBO)، إذ يفتح مسارًا مباشرًا لتوريد الهيدروجين السائل المتوافق مع المعايير الأوروبية من منطقة الخليج إلى قلب الصناعة الثقيلة في شمال غرب أوروبا.

وتستهدف الاتفاقية بناء منظومة متكاملة تبدأ من الإنتاج والإسالة في ميناء الدقم، وتنتهي بتوزيع الهيدروجين على المستهلكين الصناعيين في أوروبا، ضمن جدول زمني يتماشى مع الخطط الوطنية العُمانية وإستراتيجيات إزالة الكربون الأوروبية.

في قلب المشروع تقف البنية التحتية للتصدير في ميناء الدقم، إذ أعلنت شركة هيدروجين عُمان "هايدروم" خططًا لإنشاء أكبر محطة لإسالة وتخزين وتصدير الهيدروجين عالميًا، لتربط بين مشروعات الإنتاج في المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم، والأسواق الخارجية ذات الطلب المتنامي.

ميناء الدقم
ميناء الدقم - الصورة من وكالة الأنباء العمانية

ويهدف هذا التكامل إلى ضمان جاهزية الصادرات منذ المراحل الأولى للإنتاج التجاري، وتقليل مخاطر الاختناقات اللوجستية.

ولا تقتصر أهمية هذه المنظومة على التصدير فحسب، بل تمتد إلى دعم الاستعمال المحلي للهيدروجين في الصناعات المستقبلية، بما يعزز القيمة المضافة داخل الاقتصاد العُماني.

وتعتمد البنية التحتية للتصدير في سلطنة عمان -أيضًا- على حلول نقل متقدمة، إذ ستُدعَم محطة الإسالة المركزية بسفن متخصصة طورتها شركة (Ecolog)، قادرة على نقل الهيدروجين المسال دون تبخُّر يُذكر، ما يعالج أحد أكبر تحديات تجارة هذا الوقود، ويخفض التكاليف التشغيلية.

السعودية.. بنية تصدير مرتبطة بالمشروعات العملاقة

تعتمد السعودية نموذجًا مختلفًا، يقوم على ربط البنية التحتية للتصدير مباشرة بمشروعات إنتاج ضخمة، في مقدّمتها مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، بلغت نسبة إنجاز المشروع نحو 90%، مع اكتمال جزء كبير من مرافق التخزين والتحميل.

وتضم منظومة نيوم 22 خزانًا عالي السعة لتخزين الهيدروجين والأمونيا، صُمِّمت خصوصًا لتلبية متطلبات التصدير البحري، تمهيدًا لبدء الشحنات التجارية في 2027، ويعكس تكاملًا بين الإنتاج والتخزين والتصدير.

وفي ينبع، يُطوَّر مركز مخصص للهيدروجين الأخضر، سيبدأ تشغيله التجاري عام 2030، ويضم محطة تصدير مستقلة، تربط وحدات الإنتاج مباشرة بالميناء، بما يخدم الأسواق الأوروبية والآسيوية، مستفيدًا من الموقع الإستراتيجي للميناء على البحر الأحمر.

مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر
مشروع نيوم للهيدروجين الأخضر - الصورة من الموقع الرسمي للمشروع

الإمارات.. موانٍ مرنة متعددة الاستعمال

تستند الإمارات إلى شبكة موانٍ متطورة تقنيًا، ما يمنحها مرونة عالية في تكييف البنية التحتية للتصدير مع متطلبات الأمونيا الخضراء.

ويُعدّ ميناء خليفة المحور الرئيس لهذا التوجه، بفضل امتلاكه منشآت تخزين حديثة وخطوط أنابيب تربط بين مناطق الإنتاج، مثل الرويس، وأرصفة التصدير، ما يجعله نقطة عبور إستراتيجية نحو أسواق شرق آسيا وأوروبا.

في خطوة تعكس تسارع الاستثمار في البنية التحتية للتصدير، وقّعت شركة أدنوك للخدمات اللوجستية وشركة تعزيز، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، اتفاقية إستراتيجية مدّتها 50 عامًا لتطوير وتشغيل ميناء متخصص للمواد الكيميائية في الرويس، ضمن رؤية إماراتية أوسع لتعزيز سلاسل الإمداد الصناعية.

وتُمثّل الاتفاقية محطة مفصلية في مساعي دولة الإمارات لبناء منظومة صناعية متكاملة، تدعم التوسع في الصناعات الكيميائية والوقود منخفض الكربون، وتربط الإنتاج المحلي بالأسواق العالمية عبر موانٍ متخصصة وعالية الكفاءة.

وتتولى أدنوك للخدمات اللوجستية بناء الميناء وتملكه وتشغيله، في حين تستفيد شركة تعزيز منه لتصدير منتجاتها الكيميائية ومشتقاتها، باستثمارات تتجاوز 300 مليون دولار أميركي، على أن يكتمل المشروع بنهاية الربع الأخير من 2026.

في سياق موازٍ، وقّعت مجموعة مواني أبوظبي في مايو/أيار 2025 اتفاقية مع شركة أدفاريو لتطوير وتشغيل مشروعات تخزين السوائل السائبة والطاقة الخضراء داخل الإمارات وخارجها، بما يدعم تحويل أبوظبي إلى مركز عالمي للتزويد بالوقود المتعدد.

وستُنشئ الشراكة خزانات تخزين كبيرة في ميناء خليفة، إلى جانب خطوط أنابيب لتخزين الأمونيا والميثانول والوقود البديل، في إطار توسُّع مدروس في البنية التحتية للتصدير، يواكب الطلب المتوقع على الوقود منخفض الانبعاثات في الأسواق العالمية.

سفينة في ميناء خليفة الإماراتي خلال تحميل الحاويات
سفينة في ميناء خليفة الإماراتي خلال تحميل الحاويات - أرشيفية

المغرب.. بوابة عربية نحو السوق الأوروبية

يمثّل المغرب نموذج "الجسر الأخضر" بين شمال أفريقيا وأوروبا، مستفيدًا من قربه الجغرافي وتنامي الطلب الأوروبي على الطاقة النظيفة.

وبحسب تقرير حديث أصدره البنك الدولي -حصلت عليه وحدة أبحاث الطاقة-، يكشف تحليل 4 موانٍ مغربية أن أيًا منها لا يمتلك منفردًا القدرة على تغطية سلسلة القيمة الكاملة للهيدروجين الأخضر، من الإنتاج حتى الاستعمال النهائي والتصدير.

غير أن المقاربة التكاملية، التي تُبنى على توزيع الأدوار وفق المزايا النسبية لكل ميناء، تتيح تطوير البنية التحتية للتصدير بصورة تقلل التكاليف الإجمالية، وتُعزز تنافسية المغرب إقليميًا ودوليًا.

ويُظهر تقييم الجدوى التقنية والمالية، الذي شمل إنتاج وقود الشحن القائم على الهيدروجين الأخضر، وتخزينه، ونقله، وتزويد السفن به، إضافة إلى إمكانات التصدير، أن دمج المواني الـ4 ضمن منظومة واحدة يُعدّ المسار الأكثر كفاءة لتطوير البنية التحتية للتصدير المرتبطة بالوقود النظيف.

ويبرز ميناء طنجة المتوسط بوصفه أحد أكثر مواني الحاويات ومراكز التزود بالوقود تطورًا في العالم.

وتشير التقديرات إلى نمو قوي في الطلب على الوقود الأخضر بالميناء، إذ يُتوقع أن يرتفع استهلاك الميثانول الأخضر من 0.8 مليون طن في 2030 إلى نحو 9 ملايين طن بحلول 2050، في حين قد يقفز الطلب على الأمونيا الخضراء من 0.2 مليون طن إلى 7 ملايين طن خلال المدة نفسها.

ورغم محدودية المساحة، التي تقلل من ملاءمته لإنتاج الهيدروجين الأخضر محليًا، فإن ميناء طنجة المتوسط يتمتع بإمكانات كبيرة ليكون مركزًا للاستيراد عند الضرورة.

أمّا ميناء المحمدية، الذي يُعدّ مركزًا لاستيراد وتخزين المنتجات النفطية، فيتمتع بميزة إستراتيجية تتمثل في قربه من كهوف الملح، ما يوفر أقل تكاليف تخزين للهيدروجين على المستوى الوطني.

وتشير الدراسات إلى إمكان تخزين نحو 500 طن من الهيدروجين في كل كهف، مع فرص للتوسع مستقبلًا.

وعلى الرغم من القيود المرتبطة بالكثافة السكانية وارتفاع تكاليف الكهرباء المتجددة، فإن المحمدية تمثّل حلقة تخزين محورية ستدعم البنية التحتية للتصدير وتغذّي المواني الصناعية ومراكز الاستهلاك القريبة.

ميناء الجرف الأصفر
ميناء الجرف الأصفر - الصورة من موقع مجموعة أو سي بي المغربية

ويُظهر ميناء الجرف الأصفر -بصفته ميناءً صناعيًا يضم إنتاجًا واسع النطاق للأسمدة ومحطة كهرباء تعمل بالفحم- أكبر إمكانات للاستهلاك الصناعي للهيدروجين الأخضر والأمونيا.

ويرتبط الطلب المستقبلي للهيدروجين بصناعة الصلب المحلية، بنحو 150 ألف طن سنويًا، إضافة إلى الطلب الحالي على الأمونيا، البالغ قرابة مليوني طن سنويًا لصناعة الأسمدة.

وتُمثّل الخبرة القائمة في مناولة الأمونيا والبنية الصناعية المتطورة عنصرًا داعمًا لتكامل البنية التحتية للتصدير.

في المقابل، يتمتع ميناء طانطان بأفضلية تنافسية واضحة في إنتاج الهيدروجين الأخضر بأقل تكلفة، إذ تشير التقديرات إلى انخفاض تكاليف الإنتاج بنسبة تتراوح بين 25% و38% مقارنة بالمواني الأخرى.

ويُعدّ نقل الهيدروجين المنتج في طانطان إلى باقي المواني عبر السفن أو خطوط الأنابيب أكثر جدوى اقتصاديًا من الإنتاج المحلي لديها، ما يمنحه دور قاعدة الإمداد الرئيسة لمنظومة البنية التحتية للتصدير، رغم الحاجة إلى استثمارات ضخمة وتحديات تتعلق بتوفير العمالة الماهرة.

البنية التحتية للتصدير في الجزائر وتونس

تتبنى الجزائر وتونس مسارًا تكميليًا عبر ممر الهيدروجين الجنوبي (SouthH2)، الذي يربط شمال أفريقيا بأوروبا عبر خط أنابيب بطول 3300 كيلومتر، وبطاقة نقل تُقدَّر بنحو 4 ملايين طن سنويًا.

ورغم تركيز المشروع على الهيدروجين، فإنه ينعكس على البنية التحتية للتصدير للأمونيا الخضراء، عبر تقليل الضغط على المواني، وتوفير مسار بديل للوصول إلى الأسواق الأوروبية، لا سيما في المراحل الأولى من تطور السوق.

ممر الهيدروجين

تحديات تصدير الأمونيا الخضراء في الدول العربية

يعكس تصدير الأمونيا الخضراء في الدول العربية تباينًا واضحًا في مستويات الجاهزية بين دولة وأخرى، لكنه في الوقت نفسه يؤكد دخول المواني العربية مرحلة التحول من منصات تقليدية لتصدير النفط والغاز إلى مراكز لوجستية لوقود منخفض الكربون.

ولا يقتصر تصدير الأمونيا الخضراء في الدول العربية على الجاهزية الفيزيائية للمواني، بل يمتدّ إلى الأطر التنظيمية، ومعايير السلامة، والتوافق مع اشتراطات المستوردين الأوروبيين والآسيويين، الذين يفرضون معايير صارمة تتعلق بسلاسل التوريد الخضراء.

على الرغم من التقدم المحقق، ما تزال البنية التحتية للتصدير للأمونيا الخضراء تواجه تحديات فنية، أبرزها طبيعة الأمونيا بوصفها مادة سامة، ما يفرض استثمارات كبيرة في أذرع التحميل وأنظمة الرصد وخطط الطوارئ.

كما يشكّل نقص السفن المتخصصة القادرة على التحكم في درجات الحرارة والضغط تحديًا إضافيًا، إلى جانب اعتماد التوسع في الصادرات على جاهزية منشآت التكسير في المواني المستقبلة، ولا سيما في ألمانيا وهولندا، لتحويل الأمونيا مجددًا إلى هيدروجين.

محطات تكسير الأمونيا
إحدى محطات تكسير الأمونيا - الصورة من منصة "هيدروجين إنسايت"

قراءة ختامية:

تكشف التجربة العربية أن البنية التحتية للتصدير ليست عنصرًا لاحقًا للإنتاج، بل هي شرط مسبق لنجاحه، فالدول التي استثمرت مبكرًا في المواني وخطوط الأنابيب والتخزين باتت أقرب إلى دخول السوق العالمية.

ومع اقتراب عام 2027، يُتوقع أن تتحول عدّة موانٍ عربية إلى نقاط ارتكاز في تجارة الأمونيا الخضراء، مستفيدةً من الموقع الجغرافي وتكلفة الإنتاج التنافسية، ليصبح تصدير الأمونيا الخضراء في الدول العربية أحد أعمدة التحول الطاقي الإقليمي خلال العقد المقبل.

وتشير تقديرات سوقية إلى أن المواني العربية القادرة على بدء التصدير التجاري بين 2026 و2027 قد تستحوذ على حصة مهمة من الطلب الأوروبي، لا سيما في ظل محدودية عدد الموردين القادرين على توفير كميات مستقرة بعقود طويلة الأجل.

موضوعات متعلقة..

نرشّح لكم..

المصادر:

  1. بيانات ميناء شرق بورسعيد، من مجلس الوزراء المصري
  2. إنتاج الهيدروجين الأخضر في سلطنة عمان، من موقع ميناء الدقم
  3. بيانات المواني المغربية، من تقرير للبنك الدولي
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق