رئيسيةالتغير المناخيتقارير التغير المناخي

تغير المناخ يهدد نصيب الفرد من الناتج المحلي.. هل الاقتصاد في خطر؟

نوار صبح

اقرأ في هذا المقال

  • تغير المناخ يُقلّل من استعمال الوقود الأحفوري ويُشجّع على استعمال مصادر الطاقة المتجددة
  • دون تفكير تبنّى الكثيرون فكرة أن العالم سيتحول سريعًا إلى كرة نارية غير صالحة للسكن
  • ادّعاء أن تغير المناخ سيؤثّر بشكل خطير في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي
  • درجات الحرارة العالمية ارتفعت بنحو درجة مئوية واحدة، وما يزال النشاط الاقتصادي العالمي قويًا

يراقب الخبراء والمحللون دور تغير المناخ في انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، خصوًصا مع نشر بعض المجلات العلمية العالمية المرموقة دراسات وأبحاثًا تؤيد هذه الفكرة دون تنقيح لمحتواها.

وفي إطار التركيز على سياسات مكافحة التغير المناخي، يواجه وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، معركة قضائية في المحكمة العليا بشأن خطط بناء مزرعة ضخمة للطاقة الشمسية، التي حذّر السكان المحليون من أنها ستدمّر الريف، حسب مصادر تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.

وحصلت مزرعة هيليوس للطاقة الشمسية، بالقرب من بلدة سيلبي، شمال مقاطعة يوركشاير، على موافقة وزير الطاقة الشهر الماضي، ويقوم الناشطون بحملة مكثفة لجمع التبرعات لرفع دعوى قضائية ضدها.

في حال اكتمالها، ستكون هذه المزرعة من أكبر المزارع من نوعها في المملكة المتحدة، إذ ستغطي 1175 هكتارًا (11.75 كيلومترًا مربعًا) من الأراضي الزراعية غرب قرية كامبلزفورث، وتنتج 190 ميغاواط من الكهرباء، ورغم ذلك عبّر السكان المحلّيون عن معاناتهم من جراء المشروعات الخضراء الأخيرة.

قصة تغير المناخ

قال الخبير الاقتصادي السابق لدى بنك إنجلترا بالمملكة المتحدة، نيل ريكورد: "لقد كانت قصة تغير المناخ لافتة، وعرفنا منذ مئة عام على الأقل أن ثاني أكسيد الكربون غازٌ مُسبِّبٌ للاحتباس الحراري".

وأضاف: "في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، بدأ العلماء في وضع فرضية مفادها أن الزيادة الناتجة عن النشاط البشري، أو "الناثروبوجينية"، في تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي قد تؤدي إلى مناخ أكثر دفئًا".

وأكد أن "الاحتباس الحراري -أو "تغير المناخ" بحسب ما يُطلَق عليه الآن- لم يبدأ في التطور ليصبح الحركة القوية التي هو عليها اليوم إلّا في أوائل تسعينيات القرن الماضي".

وأردف: "اليوم، ورغم رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يُعدّ تغير المناخ -والحل المُختار، "الحياد الكربوني"- محركًا للعمل والتغيير والإنفاق الضخم على البنية التحتية في جميع أنحاء العالم".

تأثير تغير المناخ

يرى الخبير الاقتصادي السابق لدى بنك إنجلترا بالمملكة المتحدة، نيل ريكورد، أنه لا يكاد يوجد مكان لم يتأثر بتغير المناخ، إذ يُقلّل من استهلاك الوقود الأحفوري ويُشجّع على استعمال مصادر الطاقة المتجددة لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وهذا ما يُفترض نظريًا على الأقل".

وتساءل نيل ريكورد: "وسط الضجيج والعاطفة والخوف والتحرك، ما الذي نتوقع أن يجلبه تغير المناخ تحديدًا؟"

وأوضح أنه "دون تفكير، تبنّى الكثيرون فكرة أن العالم سيتحول سريعًا إلى كرة نارية غير صالحة للسكن، تقضي على كل أشكال الحياة ما لم نتحرك الآن".

الخبير الاقتصادي السابق لدى بنك إنجلترا بالمملكة المتحدة، نيل ريكورد
الخبير الاقتصادي السابق لدى بنك إنجلترا بالمملكة المتحدة، نيل ريكورد – الصورة من وكالة الطاقة الدولية

وأضاف: "إلى جانب ذلك، نسمع تنبؤات مقلقة عن هجرة جماعية شمالًا، وحروب مائية، وعواصف وجفاف وفيضانات، وانهيار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومجاعات ووفيات".

وتساءل عن رأي العلماء والاقتصاديين الرصينين فيما يحدث، وقال: "سأترك علم الأرصاد الجوية للخبراء، وسأتناول الادّعاء بأنّ تغير المناخ سيؤثّر بشكل خطير في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي".

وأوضح أن "الأبحاث الأكاديمية في هذا المجال حديثة نسبيًا، لكنها واسعة النطاق الآن".

الأثر الاقتصادي العالمي لتغير المناخ

في عام 2024، نُشرت ورقة بحثية من تأليف كوتز وليفرمان ووينز، تتناول الأثر الاقتصادي العالمي لتغير المناخ، في مجلة "نيتشر"، وهي من أعرق المجلات العلمية.

ويعمل كوتز وليفيرمان في معهد الفيزياء في بوتسدام، بألمانيا، بينما يعمل وينز في معهد ميركاتور للأبحاث حول المشاعات العالمية وتغير المناخ في برلين (وجميعهم يعمل تحت مظلة معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ).

وقال الخبير الاقتصادي السابق لدى بنك إنجلترا بالمملكة المتحدة، نيل ريكورد: "من النادر نشر كتاب في الاقتصاد في مجلة نيتشر، ولكن أعتقد أن الحجة كانت أن هذا يمثّل التقاءً بين علم المناخ والاقتصاد".

وأكد أنه لا ينتمي أيٌّ من مؤلفي الدراسة إلى فئة الاقتصاديين المتخصصين: كوتز (فيزيائي) ووينز (رياضي) يتناولان العلاقة بين المناخ والاقتصاد، أمّا ليفرمان فهو فيزيائي.

وأوضح أن "نتائج الدراسة كانت متشائمة للغاية، إذ توقعت انخفاضًا دائمًا في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 19% بحلول عام 2050، مقارنةً بسيناريو "عدم وجود تغير مناخي".

وبحلول عام 2100، توقعت الدراسة أنه في حال عدم اتخاذ أيّ إجراءات لخفض استهلاك الوقود الأحفوري، سيصل الانخفاض الدائم في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 60% مقارنةً بسيناريو "عدم وجود تغير مناخي".

وأشار نيل ريكورد إلى أن هذا يُنذر بمستقبلٍ يُنذر بمجاعة جماعية.

وتابع: "يشير المؤلفون إلى أنه نظرًا للمُدَد الطويلة جدًا بين تغير المناخ وتأثيره الاقتصادي، فإن أيّ إجراء نتخذه الآن لن يُغيّر الوضع المتوقع في عام 2050، إذ سينخفض ​​الدخل العالمي حتمًا (مقارنةً بسيناريو "عدم وجود تغير مناخي").

وأوضح أن الدراسة حظيت بشعبية واسعة واعتمدت نتائجها منظمات مالية وتنظيمية بالغة الأهمية، من بينها: مكتب الموازنة في الكونغرس الأميركي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والبنك الدولي، ومكتب مسؤولية الموازنة في المملكة المتحدة، والأهم من ذلك، شبكة ترشيد النظام المالي.

وأكد أن هذه الأخيرة عبارة عن اتحاد يضم (بشكل رئيس) بنوكًا مركزية، وهي التي تحدد "دالة الضرر" لتغير المناخ، أي إنها تحدد ما إذا كان بإمكان البنوك الإقراض بناءً على توقعاتها المستقبلية.

وقال، إن هذا التنسيق العالمي انهار تمامًا في 3 ديسمبر/كانون الأول المنصرم، عندما سحبت مجلة "نيتشر" الدراسة، مشيرةً إلى أخطاء في البيانات والمنهجية.

وألمح إلى أنه نادرًا ما تُسحب المقالات في مجلة مرموقة مثل "نيتشر"، فأيّ ورقة بحثية أصلية تُنشر في "نيتشر" تخضع لمراجعة الأقران، ما يعني أن المراجعين لم يلحظوا الأخطاء.

تغير المناخ
نضوب مخزون مياه إحدى البحيرات بجزيرة غران كناريا في إسبانيا بسبب تغير المناخ – الصورة من رويترز

الضمانات المدمجة للجودة

تساءل الخبير الاقتصادي السابق لدى بنك إنجلترا بالمملكة المتحدة، نيل ريكورد: "لماذا لم تُجدِ الضمانات المدمجة للجودة نفعًا هنا، لا سيما في ورقة بحثية قادرة على التأثير في السلوك المالي والحكومي العالمي؟".

وبعد اطّلاعه على الورقة البحثية المسحوبة، والبيانات التي استندت إليها، قال: "في رأيي، تستغل هذه الورقة البحثية قوة تقنيات النماذج الإحصائية الحديثة لتعزيز وجهة نظر محددة، وهي أن تغير المناخ يُحدث آثارًا اقتصادية مدمرة للغاية، ومن ثم يتطلب جهدًا هائلًا ("تكاليف التخفيف") لإبطائه أو إيقافه".

وأشار إلى أن المؤلفين يستعملون الاقتصاد القياسي (أي ملاءمة النماذج الرياضية) على مجموعة بيانات ضخمة من المتغيرات الاقتصادية العالمية، بعضها (مثل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي) على دراية تامة به.

وأضاف: "فحصتُ البيانات التي استعملها كوتز وزملاؤه، واكتشفتُ أن هناك خيارات متعددة أمام مُعدّ النموذج للوصول إلى الإجابة التي يختارها".

هل تستعملون نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مُحوّلًا إلى الدولار الأميركي بأسعار السوق أم بأسعار "تعادل القوة الشرائية"؟ هل تفترض أن الظروف الاقتصادية السائدة خلال المدة المحددة (1950-2020) ستستمر في المستقبل؟ هل تُراعي الركود الاقتصادي الناجم عن الأزمة المالية العالمية عام 2008؟

أراهن أنه لو توفرت لديّ البيانات المستعمَلة في البحث نفسها، ولكن مع خيارات مختلفة لما سبق (وخيارات أخرى كثيرة)، لتمكنتُ من بناء نماذج اقتصادية تُشير إلى أن تغير المناخ لن يُحدث أيّ فرق على الإطلاق، أو على العكس، تُشير إلى أنه سيُحسّن مستوى معيشتنا!

وأكد: "لا أدّعي صحة نماذجي، بل أقول فقط إنني أراهن على قدرتي على فعل ذلك".

جودة النماذج

قال الخبير الاقتصادي السابق لدى بنك إنجلترا بالمملكة المتحدة، نيل ريكورد: "من المثير للاهتمام أن أيًا من الأخطاء المذكورة في قرار سحب الورقة البحثية لا علاقة له بتقييمي لجودة النماذج، التي أراها ضعيفة"، وأردف "لقد أمضيت معظم حياتي المهنية في استعمال التقنيات الرياضية لنماذج المتغيرات الاقتصادية، أو في نقد نماذج الآخرين، وأعتقد أن المسعى برمّته في هذه الورقة البحثية مُضلل".

فالمؤلفون لم يكلفوا أنفسهم عناء شرح -بلغة سهلة- سببَ اعتقادهم بأن تغير المناخ (الذي لا يشمل فقط ارتفاع درجات الحرارة، بل يشمل، وفقًا لهم: التباين اليومي في درجات الحرارة، وإجمالي هطول الأمطار السنوي، وعدد الأيام الممطرة، وهطول الأمطار الغزيرة يوميًا) قد يُلحق ضررًا كارثيًا بالأداء الاقتصادي.

وتابع: "في نهاية المطاف، ارتفعت درجات الحرارة العالمية بنحو درجة مئوية واحدة، لكن النشاط الاقتصادي العالمي ما يزال قويًا"، بحسب مقال طالعته منصة الطاقة المتخصصة.

وتساءل: "كيف يمكن لورقة بحثية رئيسة، منشورة في مجلة أكاديمية مرموقة، أن تكون مليئة بالأخطاء لدرجة أن تُسحَب من قِبل الناشر؟".

وقال: "في رأيي، فإنّ الاعتقاد السائد، وهو أن تغيّر المناخ سيُخلّف آثارًا كارثية على كوكبنا وسكانه، قد أثّر سلبًا بتفكير جيلٍ كامل من العلماء".

وأوضح أنه بالنسبة للكثيرين، أصبح هذا النمط من التفكير هو السائد، في المقابل، يبدأ البحث العلمي الأمثل بفرضيات محايدة تسمح للعلماء بتتبّع الأدلة في أثناء ظهورها.

وتفاءل بسحب مجلة "نيتشر" لهذه الورقة البحثية، فلعلّ ذلك يُشير إلى عودة الممارسات العلمية السليمة.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصادر:

  1. هل سيؤدي تغير المناخ حقًا إلى فقرنا؟، من ذا تيليغراف
  2. إد ميليباند يواجه معركة قضائية بشأن إحدى أكبر مزارع الطاقة الشمسية في بريطانيا، من ديلي ميل
إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق