تحول الطاقة في الساحل الأفريقي.. أزمات تهدد الطموحات الخضراء (مقال)
د. منال سخري*

تُعدّ منطقة الساحل الأفريقي، التي تمتد من موريتانيا إلى تشاد، من أكثر مناطق العالم تعرضًا للإشعاع الشمسي، ومع ذلك، تعاني من تأخُّر في تحول الطاقة، وتعدّ من الأقاليم الأقل استفادة من القدرات النظيفة.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقريرها الصادر بعنوان "التحول إلى الطاقة النظيفة في الساحل" ديسمبر/كانون الأول 2025، إلى أن مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الإقليمي لا تتجاوز 5%، بينما تتمتع المنطقة بإمكانات كافية لتغطية احتياجات القارة بأكملها.
هذا التناقض بين الإمكانات والواقع لا يرتبط فقط بعوامل اقتصادية، بل أيضًا بتركيبة معقّدة من الأزمات الأمنية والسياسية وضعف البنية التحتية، ما يحرمها من السير في خطط تحول الطاقة عالميًا.
فالساحل، الذي يضم أكثر من 150 مليون نسمة، يواجه اليوم تحديًا مزدوجًا يتمثل في توسيع الوصول إلى الطاقة، مع الحفاظ على الاستقرار الأمني.
فقر الطاقة وتأثيره بالتنمية
يُعدّ فقر الطاقة أحد أبرز مظاهر التفاوت في أفريقيا، ووفق تقرير البنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية بعنوان "تتبع التقدم في الوصول إلى الطاقة 2025"، يعيش نحو 600 مليون أفريقي دون كهرباء مستقرة، بينهم عشرات الملايين في دول الساحل.
ففي دول مثل مالي والنيجر وتشاد، لا يتجاوز معدل الوصول إلى الكهرباء في المناطق الريفية 30%، وهذا العجز لا يقتصر على تعطيل الحياة اليومية، بل يعوق النمو الاقتصادي، ويُضعف قدرة الحكومات على تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويعني غياب الكهرباء ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الخدمات الصحية، وتقلُّص فرص التعليم والعمل.
هذه التجارب الميدانية توضح أن الطاقة ليست شرطًا للتنمية فقط، بل أداة لتقليص التوترات الاجتماعية، ووفقًا لتقرير البنك الدولي حول التنمية الريفية في الساحل لعام 2025، فكل زيادة بنسبة 10% في الوصول إلى الكهرباء تقلل مخاطر النزوح الداخلي بنحو 6%.
إمكانات متجددة قيد التفعيل
تشير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "آيرينا" (IRENA) في تقريرها "القدرات الكامنة للطاقة الشمسية في أفريقيا (2025)" إلى أن دول الساحل تمتلك قدرة كامنة لتوليد أكثر من 10 آلاف غيغاواط من الطاقة الشمسية، إلّا أن ما يتحقق فعليًا لا يتجاوز بضعة مئات من الميغاواط، معظمها في مشروعات صغيرة تموَّل من مؤسسات تنموية.
على سبيل المثال، في السنغال، تعمل محطة دياس للطاقة الشمسية بقدرة 23 ميغاواط على تزويد العاصمة دكار بجزء من احتياجاتها.
وفي بوركينا فاسو، تنتج محطة زاغتولي (33 ميغاواط) كهرباء تغطي نحو 40 ألف أسرة.
أمّا مالي، فقد اتجهت إلى الشبكات المصغّرة لتزويد مليوني مواطن بالكهرباء عبر أنظمة مستقلة.
هذه النماذج، رغم محدوديتها، تُظهر أن التحول التدريجي عبر حلول لامركزية قد يكون أكثر واقعية من انتظار مشروعات كبرى تحتاج إلى استقرار سياسي طويل الأمد.
الأزمات الأمنية كابح تحول الطاقة
يُعدّ العامل الأمني من أبرز القيود التي تواجه الاستثمار في قطاع الطاقة في الساحل، وبحسب دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2025 بعنوان "الطاقة من أجل السلام في الساحل"، تَعرَّض أكثر من 60% من مشروعات الطاقة المتجددة في مالي وبوركينا فاسو وتشاد لتأجيل أو توقُّف بسبب النزاعات المسلحة وانعدام الأمن.
وفي شمال مالي، عُلِّقَت مشروعات الطاقة الشمسية في تمبكتو وكيدال بعد انسحاب الشركات الأجنبية نتيجة المخاطر الأمنية.

وفي تشاد، تواجه مشروعات الرياح تحديات مشابهة بسبب هشاشة البنية التحتية وغياب الحماية الكافية للمواقع النائية.
يجعل هذا الوضع المنطقة من الأسواق عالية المخاطر في نظر المستثمرين، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة التمويل وتراجع جدوى المشروعات الاقتصادية.
الطاقة اللامركزية خيارًا إستراتيجيًا
تؤكد بيانات البنك الأفريقي للتنمية (AfDB) في تقريره "الطاقة للجميع في أفريقيا 2025" أن الأنظمة اللامركزية أصبحت الخيار الأكثر فاعلية لتوسيع الوصول إلى الكهرباء في مناطق النزاعات.
ففي النيجر وحدها، رُكِّب 250 ألف لوح شمسي منزلي خلال 3 سنوات، ما مكّن 1.5 مليون مواطن من الحصول على الكهرباء لأول مرة.
كما يقود البنك الإفريقي للتنمية مشروع "صحراء إلى طاقة" (Desert to Power)، الذي يهدف إلى توليد 10 غيغاواط من الكهرباء المتجددة عبر 11 دولة في الساحل، لتغطية احتياجات 250 مليون شخص بحلول عام 2030.
توضح هذه المبادرات أنّ تحوُّل الطاقة في الساحل لن يتحقق عبر نموذج مركزي تقليدي، بل من خلال مشروعات مرنة ومجتمعية ترتبط مباشرةً باحتياجات السكان المحليين.

التحديات البنيوية: ضعف الحوكمة وتبعية التمويل
رغم وجود مشروعات واعدة، تعاني دول الساحل من اختلالات هيكلية تحدّ من استدامة تحول الطاقة، إذ يشير تقرير منتدى الطاقة الأفريقي (2025) إلى أن أكثر من 70% من مشروعات الطاقة المتجددة في المنطقة تعتمد على تمويل خارجي قصير الأجل، وغالبًا ما تتوقف عند تغير أولويات المانحين أو الأوضاع السياسية.
كما تعاني المؤسسات الوطنية من ضعف التنسيق وغياب الأطر التشريعية المستقرة، مما يثني القطاع الخاص عن الدخول بقوة في السوق.
ويُضاف إلى ذلك النقص الحادّ في الكفاءات التقنية المحلية، إذ يشكّل الخبراء الأجانب نحو 80% من القوى العاملة في مشروعات الطاقة المتجددة.
ويمثّل بناء قدرات وطنية متخصصة وتبنّي تشريعات واضحة للاستثمار في الطاقة النظيفة شرطين أساسين لتجاوز مرحلة "المشروعات التجريبية" نحو سياسات طاقية مستقرة طويلة المدى.
الطاقة رافعة للاستقرار والتنمية
في دراسة للبنك الدولي حول العلاقة بين الطاقة والاستقرار الاجتماعي( 2025) تبيَّنَ أن توفير الكهرباء يخلق تأثيرات مضاعفة تتجاوز الجانب الاقتصادي، فالمجتمعات التي تحصل على كهرباء مستقرة تشهد تحسّنًا في الخدمات التعليمية والصحية، وزيادة في النشاط الاقتصادي المحلي، وانخفاضًا في معدلات الهجرة.
وبذلك، تتحول الطاقة النظيفة إلى أداة سياسية للتنمية والاستقرار، فتعزيز البنية الطاقية في المناطق الهشة يسهم في تقليص نفوذ الجماعات المسلحة، ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
ختاما: يمكننا القول، إن تحوّل الطاقة في الساحل الأفريقي ليس مسألة تكنولوجية فحسب، بل قضية حوكمة وتنمية بشرية، فوجود مشروعات كبرى مثل Desert to Power والتحالف من أجل الساحل يشير إلى إدراك متزايد لأهمية التكامل الإقليمي في إدارة الموارد، لكن نجاح هذه المبادرات مرهون بقدرة الدول على إدماج الطاقة في إستراتيجيات الأمن والتنمية الاقتصادية.
كما أن الانتقال إلى الطاقة النظيفة في الساحل لا يمثّل ترفًا بيئيًا، بل شرطًا لتحقيق الاستقرار طويل الأمد، فكل محطة طاقة شمسية تُبنى هي استثمار في السلام، وكل كيلوواط من الكهرباء المتجددة هو خطوة نحو اقتصاد أكثر عدالة واستدامة.
* د. منال سخري - خبيرة وباحثة في السياسات البيئية.
* هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- قمة المناخ كوب 31.. تركيا بين دبلوماسية الوساطة وتحديات تحول الطاقة (مقال)
- مفارقة تحول الطاقة.. فائض مُهدَر وملايين تغرق في الظلام (مقال)
- تحول الطاقة العادل في أفريقيا.. ضرورة بيئية وعدالة اجتماعية (مقال)
اقرأ أيضًا..
- الغاز في بريطانيا يعتمد على 4 خطوط إمداد رئيسة.. هل ينفد قريبًا؟
- 3 خطوط ربط كهربائي عربية معطلة.. أبرزها المغرب والجزائر
- النفط مقابل السلع.. تحركات أميركية جديدة للسيطرة على موارد فنزويلا





