النفط مقابل السلع.. تحركات أميركية جديدة للسيطرة على موارد فنزويلا
تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إحداث تغييرات كبيرة في أسواق الطاقة من خلال التحولات السريعة في فنزويلا وطرحها مبدأ "النفط مقابل السلع" خيارًا للتعامل مع كاركاس في المرحلة الجديدة.
يعكس التحرك تحوّل النفط الفنزويلي من مورد سيادي إلى أداة ضغط جيوسياسي واقتصادي ضمن إستراتيجية واشنطن لإعادة رسم المشهد السياسي والاقتصادي في الدولة العضوة بمنظمة أوبك.
وبعد التطورات الدراماتيكية التي شهدتها كاراكاس مؤخرًا، بات النفط في فنزويلا -وفق بيانات اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- محورًا رئيسًا في مقاربة أميركية تقوم على مبدأ "النفط مقابل السلع"، بإشراف مباشر من الحكومة الأميركية، وإدارة عائداته بما يخدم مصالحها.
أثارت التحركات الجديدة، التي كشفتها تصريحات رسمية وتقارير إعلامية أميركية، تساؤلات عميقة بشأن مستقبل نفط فنزويلا، وحدود السيادة الاقتصادية، وانعكاسات هذا النهج على أسواق الطاقة العالمية.
النفط الفنزويلي
قال مسؤولون أميركيون كبار، إن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة على مبيعات النفط الفنزويلي وعائداتها "إلى أجل غير مسمى"، بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء قطاع الطاقة وضمان توافق سياسات كاراكاس مع المصالح الأميركية.
ويعكس الطرح أهمية النفط الخام في الإستراتيجية التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه فنزويلا، خاصة بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو في عملية عسكرية مفاجئة بالعاصمة كاراكاس.
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تتجاوز العقوبات التقليدية أو الضغوط الدبلوماسية، لتدخل مرحلة "الإدارة المباشرة للموارد"، في سابقة قد تعيد للأذهان نماذج تاريخية من السيطرة على الثروات الطبيعية في دول أميركا اللاتينية.

وقال وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، خلال مشاركته في مؤتمر غولدمان ساكس للطاقة والتكنولوجيا النظيفة والمرافق في ميامي: "نحن بحاجة إلى هذا النفوذ والسيطرة على مبيعات النفط لدفع التغييرات التي يجب أن تحدث في فنزويلا".
وأوضح أن عائدات النفط ستُستعمَل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، ثم لاحقًا لتعويض شركات نفط أميركية كبرى مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، التي تكبدت خسائر بعد تأميم أصولها في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز.
أمّا نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، فكان أكثر صراحة حين قال: إن "السيطرة على نفط فنزويلا تعني السيطرة على البلاد"، موضحًا أن واشنطن ستسمح ببيع النفط فقط إذا كان يخدم "المصلحة الوطنية الأميركية"، في إطار ضغط اقتصادي مكثّف دون تدخُّل عسكري مباشر أو خسائر بشرية أميركية.
انتقادات وتحذيرات
قوبلت التصريحات بانتقادات حادة من مشرّعين ديمقراطيين، إذ وصف السيناتور كريس مورفي ما يجري بأنه "سرقة نفط فنزويلا تحت تهديد السلاح"، محذرًا من تداعيات أخلاقية وقانونية قد تترتب على هذا النهج.
في المقابل، حذّر محللو صناعة الطاقة من أن فنزويلا تقف على حافة عدم استقرار سياسي واقتصادي، في ظل محاولات التوفيق بين إدانة التدخل الأميركي والسعي لتخفيف الضغوط الاقتصادية.
وتأتي التطورات في وقت تمتلك فيه فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكنها لا تسهم سوى بنحو 1% من الإمدادات العالمية، نتيجة عقود من سوء الإدارة ونقص الاستثمارات والعقوبات.
وأوضح وزير الطاقة الأميركي أن الخطة تبدأ بتسويق النفط الفنزويلي المخزن، قبل الانتقال إلى بيع الإنتاج المستقبلي المستمر، على أن تُودَع العائدات في حسابات تخضع لسيطرة الحكومة الأميركية.
وبحسب وزارة الطاقة، بدأت هذه المبيعات، بالاستعانة بكبرى شركات تسويق السلع الأساسية والبنوك العالمية لتوفير الدعم المالي واللوجستي.
وأكد رايت أن واشنطن تُجري محادثات مع شركات نفط أميركية لمعرفة الشروط التي قد تدفعها للعودة إلى فنزويلا والمشاركة في إعادة تأهيل القطاع النفطي، مشيرًا إلى أن البلاد تمتلك "موارد هائلة" يمكن أن تجعلها مركزًا غنيًا ومزدهرًا للطاقة إذا أُديرت بطريقة مختلفة.

النفط مقابل السلع الأميركية
في تطور لافت، أعلنت واشنطن اتفاقًا مبدئيًا مع كاراكاس لتصدير ما يصل إلى ملياري دولار من النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها بداية تطبيق عملي لآلية النفط مقابل السلع.
وأكد ترمب، في منشور على منصة "تروث سوشيال"، أن فنزويلا وافقت على استعمال عائدات النفط لشراء سلع أميركية الصنع، إذ يرى ذلك "خيارًا حكيمًا" يخدم مصلحة الشعبين.
ويعيد هذا النموذج إلى الأذهان ترتيبات مشابهة طُبِّقت سابقًا مع دول خاضعة للعقوبات، إذ يُعاد توجيه عائدات الموارد الطبيعية لتمويل واردات محددة، ما يحدّ من قدرة الدولة على إدارة مواردها بحرية.
ومن جهتها، أعلنت شركة النفط الفنزويلية الحكومية "بي دي في إس إيه"(PDVSA) أنها تُحرِز تقدمًا في المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن مبيعات النفط، مؤكدةً أن الشحنات ستُباع بأسعار السوق العادلة.
وقال عضو مجلس إدارتها ويلز رانجيل، إن أيّ اتفاق يجب أن يستند إلى أسعار دولية شفافة، في محاولة لطمأنة الشركاء التجاريين والأسواق.
وقد انعكست هذه التطورات سريعًا على أسهم شركات التكرير الأميركية، إذ ارتفعت أسهم ماراثون بتروليوم وفيليبس 66 وفاليرو إنرجي بنِسب تراوحت بين 2.5% و5%، في إشارة إلى توقعات بزيادة الإمدادات من الخام الثقيل الذي تحتاج إليه المصافي الأميركية.
اجتماعات البيت الأبيض
في سياق متصل، من المقرر أن يعقد ترمب اجتماعًا في البيت الأبيض مع رؤساء كبرى شركات النفط الأميركية لمناقشة سبل زيادة إنتاج النفط في فنزويلا.
وتشير المعلومات إلى مشاركة ممثلين عن إكسون موبيل وكونوكو فيليبس وشيفرون، وهي الشركات الثلاث الأكثر ارتباطًا تاريخيًا بالقطاع النفطي الفنزويلي.
وأكد رايت أنه تحدَّث مع الرؤساء التنفيذيين لهذه الشركات فور الإطاحة بمادورو، متوقعًا أن يكون لهم دور استشاري في إعادة تأهيل القطاع، حتى إن لم يضخّوا استثمارات ضخمة على المدى القريب.
وتُعدّ شيفرون شركة النفط الأميركية الكبرى الوحيدة التي ما تزال تعمل داخل فنزويلا، بموجب ترخيص خاص من الحكومة الأميركية.

وتُجري الشركة محادثات لتوسيع هذا الترخيص، بما يسمح بزيادة صادرات النفط الخام إلى مصافيها في الولايات المتحدة وبيع جزء منه لأسواق أخرى.
وتأتي المحادثات في ظل خطة أميركية لتأمين ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي، مع تحويل العائدات إلى جهة وصاية خاضعة للإشراف الأميركي لتمويل واردات السلع.
النفط في فنزويلا
بلغ إنتاج النفط في فنزويلا ذروته في سبعينيات القرن الماضي عند نحو 3.5 مليون برميل يوميًا، قبل أن يتراجع تدريجيًا بسبب ضعف الإدارة وتراجع الاستثمارات والعقوبات، ليصل متوسط الإنتاج في العام الماضي إلى نحو 1.1 مليون برميل يوميًا.
ويرى وزير الطاقة الأميركي أن زيادة الإنتاج ممكنة على المدى القصير عبر إدخال المعدّات والتكنولوجيا، لكن العودة إلى مستويات الإنتاج التاريخية ستتطلب سنوات من العمل والاستقرار السياسي والاستثماري.
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن إدارة ترمب تدرس خطة طويلة الأمد للسيطرة على صناعة النفط الفنزويلية، بما في ذلك ممارسة نفوذ مباشر على الشركة وتسويق معظم إنتاجها، بهدف خفض أسعار النفط العالمية إلى نحو 50 دولارًا للبرميل.
ورغم عدم تأكيد التقارير رسميًا، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن النفط الفنزويلي بات ورقة رئيسة في معادلة الطاقة والسياسة العالمية، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا النهج إلى مزيد من التوترات الإقليمية، أو إلى إعادة تشكيل دور فنزويلا داخل أوبك وأسواق الطاقة.
تعكس التحركات الأميركية الأخيرة تحولًا جذريًا في إدارة ملف نفط فنزويلا، عبر ربط العائدات النفطية مباشرةً بتوريد السلع والتحكم في مسارات التسويق والإنتاج.
وبينما تروّج واشنطن لهذا النهج بِعَدِّه وسيلة لتحقيق الاستقرار وإعادة البناء، يرى منتقدون أنه يمسّ جوهر السيادة الاقتصادية، ويسجّل سابقة خطيرة في سوق الطاقة العالمية.
موضوعات متعلقة..
- النفط مقابل السلع.. هل تنجح إيران في التحايل على العقوبات الأميركية؟
- توقعات إنتاج النفط في فنزويلا.. هل تتأثر الأسواق على المدى القريب؟ (تحليل)
اقرأ أيضًا..
- حقل غاز مصري احتياطياته تريليونا قدم مكعبة يستعد لحفر أول بئر
- الغاز في بريطانيا يعتمد على 4 خطوط إمداد رئيسة.. هل ينفد قريبًا؟
- انقطاع الكهرباء في أوروبا 2025.. تهديدات أمن الطاقة تؤرّق دول القارة
المصادر:
- الولايات المتحدة تسعي للسيطرة على مبيعات النفط الفنزويلية إلى أجل غير مسمى، من رويترز
- ترمب يدرس السيطرة على شركة النفط الفنزويلية، من رويترز
- شيفرون تُجري محادثات مع الولايات المتحدة لتوسيع رخصة النفط الفنزويلية، من رويترز





