خفض الانبعاثات الكربونية ضمن أهداف دراسة مصرية جديدة
داليا الهمشري

تتجه سياسات الطاقة العالمية -حاليًا- إلى خفض الانبعاثات الكربونية، ولا سيما في قطاع البناء والتشييد كونه أحد أكبر التحديات؛ نظرًا لدوره المحوري في استهلاك الكهرباء، مما جعل المباني محورًا أساسيًا في معركة المناخ.
ومع تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع متوسط درجات الحرارة، باتت العمارة التقليدية جزءًا من المشكلة؛ ما دفع العالم إلى إعادة التفكير في شكل المدن والمباني، والانتقال نحو العمران الأخضر المستدام.
وفي هذا السياق، يبرز دور أنظمة تقييم وقياس المباني الخضرا (Rating Systems)، التي لم تعد مجرد أدوات تصنيف، بل تحولت إلى آليات عملية لخفض الانبعاثات الكربونية، وتحسين كفاءة استعمال الموارد، ورفع جودة الحياة داخل المدن.
وأشارت الدراسة -التي أعدّتها مُدرِّسة العمارة والتصميم والتخطيط البيئي، الدكتورة داليا مجدي قاسم، واطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)- إلى أن تطبيق أنظمة تقييم المباني الخضراء، مثل LEED، يوفر إطارًا فنيًا لقياس الأداء البيئي للمباني، وجودة البيئة الداخلية؛ ما يسهم في تقليل البصمة الكربونية وتعزيز الاستدامة التشغيلية على المدى الطويل.
خفض الانبعاثات الكربونية
تشير البيانات العالمية إلى أن قطاع البناء والتشييد مسؤول عن نحو 39% من إجمالي الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالطاقة، عند احتساب الانبعاثات التشغيلية للمباني، إلى جانب الانبعاثات الناتجة عن صناعة مواد البناء والتشييد.
وبحسب المسار المناخي العالمي، يتطلب تحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050 خفض الانبعاثات الكربونية المباشرة لقطاع المباني إلى النصف بحلول عام 2030، وهو هدف لا يمكن تحقيقه دون تغيير جذري في أسلوب التصميم والتنفيذ والتشغيل.
وتوقعت الدراسة المصرية أن تضيف المباني نحو 7 غيغا طن إضافية من الانبعاثات بحلول 2030 إذا استمرت أنماط البناء التقليدية دون تدخُّل، مشيرةً إلى أن أزمة المباني لا تقتصر على الانبعاثات فقط، بل تمتد إلى الاستهلاك المكثف للطاقة.
وأوضحت أن قطاع البناء والتشييد يستهلك ما يقرب من 40% من إجمالي الطاقة النهائية عالميًا، متقدمًا على قطاع النقل (28%)، ومنافسًا قويًا للقطاع الصناعي (32%).

ويتجسد هذا الاستهلاك المرتفع في قطاعات فرعية مختلفة داخل منظومة البناء، تشمل المباني السكنية والمباني غير السكنية وصناعة مواد البناء؛ ما يجعل أي تحسّن في كفاءة المباني فرصة مباشرة لخفض الطلب على الطاقة وتقليل الضغط على الشبكات الكهربائية.
أنظمة تقييم المباني الخضراء
أفادت الدكتورة داليا مجدي -في تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- بأن المباني تستهلك نحو 25% من المياه العذبة عالميًا، سواء في الاستعمالات اليومية مثل الاستحمام والمطابخ ودورات المياه، أو في التكييف وتنسيق المواقع والمساحات الخضراء، لافتةً إلى أنه مع تصاعد أزمة ندرة المياه، ولا سيما في دول الشرق الأوسط، بات هذا الرقم جرس إنذار حقيقيًا.
كما أظهرت الدراسة أن المباني تعتمد كثيرًا على مواد تتسبب في الكثير من الانبعاثات الكربونية، أبرزها: الخرسانة والطوب والصلب والألومنيوم والزجاج، وهي مواد تمثّل العمود الفقري للبناء الحديث، لكنها في الوقت ذاته من أكثر مصادر الانبعاثات خلال التصنيع والنقل.

وأمام هذه التحديات، أكدت الدراسة أنّ تبنّي مفهوم المباني الخضراء لم يعد ترفًا هندسيًا، بل ضرورة إستراتيجية، مبرزةً دور أنظمة قياس وتقييم المباني الخضراء، وعلى رأسها نظام LEED، الذي يُعدّ من أكثر الأنظمة انتشارًا عالميًا، في تغطية مراحل التصميم والتنفيذ والتشغيل.
نظام LEED
يشمل نظام LEED تصنيفات متعددة للمباني القائمة، مثل: المباني التشغيلية والصيانة والمدارس ومراكز البيانات ومنشآت التجزئة والفنادق والضيافة، ويسهم في تحسين أداء المباني بعد تشغيلها، وليس فقط في مرحلة التصميم.
ويعتمد النظام على مجموعة من المحاور الرئيسة، من بينها:
المواقع المستدامة: للحدّ من تأثير المبنى بالبيئة المحيطة، عبر إدارة مياه الأمطار، وتقليل الجزر الحرارية، والحدّ من التلوث الضوئي.
كفاءة استعمال المياه: من خلال تقنيات الري الذكي، واستعمال تجهيزات منخفضة التدفق، وتركيب عدادات لمراقبة الاستهلاك واكتشاف الفاقد.
الطاقة والغلاف الجوي: بهدف تحسين الأداء الطاقي، وتشجيع استعمال الطاقة المتجددة، وضمان كفاءة أنظمة التكييف والكهرباء.
جودة البيئة الداخلية: للارتقاء بصحة وراحة المستهلكين، عبر تحسين التهوية، وزيادة الإضاءة الطبيعية، واستعمال مواد منخفضة الانبعاثات.
كما يمنح النظام نقاطًا إضافية للابتكار في التصميم، ولمراعاة الأولويات الإقليمية، مثل ندرة المياه في المناطق الصحراوية.
العمارة الخضراء
تؤكد الدراسة أن إدخال البعد البيئي في قطاع البناء يمكن أن يسهم في خفض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 30%، وتقليل تكاليف التشغيل والصيانة، ورفع إنتاج المستهلكين، وزيادة العمر الافتراضي للمباني.
كما تسهم الحلول التقنية الحديثة في صناعة مواد البناء بخفض التكلفة الإجمالية للمشروعات بنحو 45%، إلى جانب معالجة مشكلات التربة والمياه التي تؤثّر بالبُنية التحتية.

وأكدت الدكتورة داليا مجدي -في تصريحاتها إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن المباني لم تعد مجرد هياكل صامتة، بل تحولت إلى عنصر فاعل في معادلة الطاقة والمناخ.
وأوضحت أن قطاع البناء -أحد أكبر مسببات الانبعاثات الكربونية- يمتلك في الوقت نفسه أكبر فرصة للتحول، عبر تبنّي أنظمة قياس المباني الخضراء، التي تُمثّل اليوم أحد أهم أدوات الانتقال نحو مدن أكثر كفاءة واستدامة.
موضوعات متعلقة..
- مسابقة عالمية لأفضل تصاميم المباني الخضراء يشارك فيها 7 مصريين
- المباني الخضراء مفهوم جديد لجمال التصميم وحماية الكوكب من الانبعاثات (صور)
- خفض الانبعاثات الكربونية بقطاع البناء.. تقنية مصرية مبتكرة
اقرأ أيضًا..
- أكبر صفقات الغاز في 2025.. السعودية والإمارات بالمقدمة (تقرير)
- تقرير إسرائيلي: بيع الغاز إلى مصر خطر علينا
- الطلب على النفط في 2025.. نمو بطيء تقوده 3 دول
- قطاع الطاقة في الجزائر 2025.. صفقات كبرى لتعزيز احتياطيات النفط والغاز





