أنسيات الطاقةالتقاريرتقارير النفطرئيسيةنفط

الصراع بين الصين وأميركا يتفاقم.. ودور مهم لمضيقي هرمز وباب المندب (تقرير)

أحمد بدر

أصبحت الصين الآن في صلب صراع دولي واسع، لا يقتصر على التجارة أو الطاقة فقط، بل يمتد إلى الذكاء الاصطناعي والممرات البحرية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تحجيم نفوذها بأدوات أقل كلفة عسكرية.

وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن الصراع بين واشنطن وبكين تاريخي ومتعدد المستويات، وتدركه بكين بعمق، خاصة في ما يتعلق بأمن الإمدادات والطاقة وسلاسل التوريد البحرية.

وأوضح أن الصين كانت دائمًا مدركة لمخاطر الاعتماد على مضيق ملقا، الذي يمرّ عبره نحو 80% من تجارتها، إلى جانب ملف تايوان، ما جعل التفكير الأميركي ينتقل إلى بدائل ضغط أقل تكلفة بشرية.

ولفت إلى أن البحر الأحمر أصبح أداة ضغط غير مباشرة، لأن السيطرة عليه تسمح بتقييد التجارة الآسيوية دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو ما يندرج ضمن إستراتيجية احتواء طويلة الأمد تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى.

جاءت تصريحات الحجي خلال حلقة جديدة من برنامجه الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، قدّمها بمساحات منصة التواصل الاجتماعي "إكس" (تويتر سابقًا) بعنوان: "اليمن وأرض الصومال وترمب وأسواق النفط والغاز والكهرباء".

المضايق البحرية في قلب الصراع بين أميركا والصين

يؤكد أنس الحجي أن الصين فهمت مبكرًا أن أيّ مواجهة كبرى مع الولايات المتحدة لن تبدأ ضرورةً بالسلاح، بل بالتحكم في الممرات البحرية، وفي مقدّمتها المضايق التي تمرّ عبرها الطاقة والمواد الخام.

وشرح أن الحديث الأميركي المتكرر عن إغلاق مضيق هرمز بعد ضرب إيران لم يكن صادرًا عن طهران، بل رُوِّج له إعلاميًا بطريقة منظمة، ما كشف عن رسالة سياسية موجهة للأسواق والدول المستهلكة.

وأوضح أن الصين قرأت تلك الرسالة بدقّة، وأدركت أن إغلاق المضايق، إن حدث، فلن يكون بقرار إيراني، بل ضمن أدوات الضغط الأميركية، ما يرفع من الأهمية الإستراتيجية لمضيقَي هرمز وباب المندب.

رسوم ناقلات النفط
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز - الصورة من رويترز

وأشار أنس الحجي إلى أن تكرار الخطاب الإعلامي بالعبارات نفسها حول إغلاق هرمز كان مؤشرًا واضحًا على حملة موجهة، هدفها تهيئة الرأي العام العالمي لاحتمال استعمال المضايق بوصفها سلاحًا اقتصاديًا.

وأضاف أن الصين تعاملت مع هذه الإشارات على أنها تحذير مبكر، ما دفعها إلى إعادة تقييم أمن الطاقة، ليس فقط من زاوية الأسعار، بل من زاوية الجغرافيا السياسية والتحكم في طرق الإمداد.

وشدّد على أن مضيق باب المندب لا يقل أهمية عن هرمز، لأن أيّ اضطراب فيه يعني شلّ حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وهو ما يجعله جزءًا أساسيًا في أيّ صراع مستقبلي بين القوى الكبرى.

كيف أعادت الصين رسم إستراتيجية الطاقة؟

أوضح أنس الحجي أن الصين تحركت سريعًا بعد الهجوم الأميركي على إيران، إذ سارعت إلى تعميق التعاون مع روسيا، وهو ما تُوِّج باتفاق مفاجئ على إنشاء خط أنابيب غاز كان يُعدّ مشروعًا ميتًا سابقًا.

وبيّنَ أن هذا التحول يعكس قناعة صينية بأن الاعتماد على الغاز المسال القادم بحرًا من قطر والإمارات بات محفوفًا بالمخاطر في حال استعمال مضيق هرمز من جانب الولايات المتحدة بوصفه ورقة ضغط سياسية.

وأكد أن الصين تبنّت منذ سنوات إستراتيجية واضحة تقوم على تقليل واردات الطاقة البحرية، سواء النفط أو الغاز أو الفحم، وتعويض ذلك بالإنتاج المحلي والاستيراد البري عبر الأنابيب والسكك الحديدية.

ناقلة لنقل واردات الصين من النفط الخليجي
ناقلة نفط - الصورة من ماربروكرز

ولفت خبير اقتصادات الطاقة إلى أن هذه السياسة نجحت بشكل لافت، خاصةً في قطاع الغاز، ما أدى إلى فشل كثير من التوقعات العالمية بشأن نمو واردات الغاز المسال الصينية المنقولة بحرًا.

وأضاف أن بكين ركّزت أيضًا على بناء مخزونات ضخمة من كل ما يمكن تخزينه، من نفط وغاز وفحم، حتى وصلت مخزونات النفط إلى نحو 1.2 مليار برميل، وهو رقم تاريخي غير مسبوق.

ويرى الدكتور أنس الحجي أن هذه المخزونات تمثّل خط دفاع إستراتيجيًا في حال إغلاق مضيق باب المندب أو مضيق هرمز، وتمنح بكين هامش مناورة واسعًا في أيّ أزمة طويلة الأمد.

الطاقة المتجددة والفحم في الحسابات الجيوسياسية

أكد أنس الحجي أن الصين لم تركّز على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بدوافع بيئية فقط، بل لأنهما موارد طاقة محلية يمكن أن تساعدها في خفض الاعتماد على البحر، وتعزز أمن الطاقة في مواجهة أيّ حصار محتمل.

وأشار إلى أن توقعات وكالة الطاقة الدولية بشأن تراجع الطلب على الفحم لم تتحقق، لأن بكين واصلت التوسع في استعماله ضمن مزيج الطاقة، إدراكًا منها لأهميته بوصفه وقودًا محليًا يمكن التحكم فيه.

وكالة الطاقة الدولية تتوقع استقرار الطلب على الفحم خلال 2025 و2026

وأوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن الصين جمعت بين زيادة الإنتاج المحلي، والتخزين المكثف، وتوسيع الاستيراد البري من روسيا ومنغوليا، ما خلق منظومة طاقة أقل تعرّضًا للمخاطر البحرية.

وأضاف أن هذا التوجه من جانب بكين يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الصراع، إذ تتحول المضايق المائية إلى أدوات حرب غير مباشرة، تمامًا كما كان الحال أيام الاستعمار القديمة.

وشدد على أن الصين تنظر إلى مضيقَي هرمز وباب المندب بوصفهما محورين أساسيين في أيّ مواجهة مستقبلية مع الغرب، ما يفسّر تحركاتها السريعة والمتعددة المسارات.

وخلص أنس الحجي إلى أن السيطرة على المضايق لم تعد قضية عسكرية فقط، بل معركة إستراتيجية شاملة، ومن ينجح في تحييد تأثيرها يضمن لنفسه تفوقًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا طويل الأمد.

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

المصدر:

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق