لون السيارات يفاقم تغير المناخ.. دراسة تصدم مالكي المركبات
محمد عبد السند

- السيارات داكنة اللون تمتص أشعة الشمس
- السيارات فاتحة اللون تعكس أشعة الشمس
- يمكن للون السيارات أن يغيّر درجة الحرارة في الشوارع
- تمتص الأرض الممهدة الحرارة وتخزنها
- تغير المناخ يضاعف حصيلة المتوفين بسبب موجات الحرارة
قد لا يبقى لون السيارة المُفضّل لدى العملاء خيارًا يبحثون عنه عند اقتناء المركبات، بعد ثبوت علاقته بتفاقم ظاهرة تغير المناخ.
ووفق نتائج دراسة حديثة طالعتها منصة الطاقة المتخصصة (مقرّها واشنطن)، فإن السيارات داكنة اللون يمكن أن تُحدِث فرقًا واضحًا في درجة حرارة الهواء في المنطقة القريبة، بل يمكن أن تتسبّب المدن التي يقطنها ملايين الأشخاص في ارتفاع درجات الحرارة بها.
ويُعزى الفرق في درجة حرارة الهواء المحيط الذي تُحدثه السيارات داكنة اللون إلى قدرة تلك المركبات على امتصاص أشعة الشمس وإطلاق حرارة أكبر من نظيراتها فاتحة اللون عند وقوفها في الشارع أو في الساحات المخصصة لانتظار السيارات.
وبناءً على ذلك، فإن التأثير الجماعي لمئات الآلاف أو الملايين من السيارات في المدن قد ينعكس بصورة كبيرة فيما يُطلَق عليه "جزيرة الحرارة الحضرية"، بل ربما يؤدي إلى زيادة الإجهاد الحراري على المشاة خلال الأيام المشمسة.
و"جزيرة الحرارة الحضرية" هي ظاهرة تحدث في المناطق الحضرية؛ إذ تكون درجات الحرارة فيها أعلى بكثير من المناطق الريفية المحيطة بها.
زيادة الحرارة 7 درجات
تشع السيارات داكنة اللون كميات كبيرة من الحرارة تزيد كثيرًا جدًا على نظيرتها ذات الألوان الفاتحة؛ ما يرفع درجة حرارة الهواء في المناطق المحيطة 7 درجات، ويفاقم بدوره تأثيرات تغير المناخ، حسب الدراسة المنشورة في مجلة نيو ساينتيست (New Scientist).
وحال تطبيق هذا المعيار على آلاف السيارات الواقفة في ساحات الانتظار، يمكن أن يفاقم هذا العامل تأثير "جزيرة الحرارة الحضرية"، حينما تصبح المدن أكثر سخونة بكثير من المناطق الريفية المحيطة بها.
وعلى سبيل التجربة قاست الباحثة في جامعة لشبونة البرتغالية، مارسيا ماتياس، درجة حرارة الهواء حول سيارتَيْن، إحداهما سوداء اللون والأخرى بيضاء تُركتا واقفتين بالخارج لأكثر من 5 ساعات في ظروف طقس صيفية.
وعند 36 درجة مئوية تسبّبت السيارة سوداء اللون برفع درجة حرارة الهواء المحيط بواقع 3.8 درجة مئوية، مقارنةً بالأسفلت الموجود بجانب المركبة.
في المقابل لم يكن للسيارة بيضاء اللون سوى تأثير طفيف جدًا قياسًا بنظيرتها السوداء.
ويُعزى الفرق في تأثير السيارتَيْن إلى الضوء الذي يعكسه اللونان، وفق نتائج الدراسة التي طالعتها منصة الطاقة المتخصصة.

انعكاس الضوء
يعكس لون الطلاء الأبيض ما بين 75% و 85% من أشعة الشمس الساقطة عليه؛ في حين يعكس اللون الأسود من 5% إلى 10% فقط ويمتص بقية الأشعة.
وعكْس الأسفلت الذي يكون ذا طبقة سميكة، ويَسخن ببطء، يتسم الغلاف المعدن الرقيق للسيارة بسرعة التسخين، ليطلق حرارة مباشرةً إلى الهواء المحيط.
وقالت الباحثة في جامعة لشبونة البرتغالية، مارسيا ماتياس: "لك أن تتخيل الآن آلاف السيارات المتوقفة في مدينة، وكل سيارة تكون إما مصدرًا صغيرًا للحرارة وإما درعًا للوقاية منها".
وأضافت: "يمكن للون السيارات أن يغيّر درجات الحرارة في الشوارع"، وفق تصريحات رصدتها منصة الطاقة المتخصصة.
تأثير جزيرة الحرارة الحضرية
يصف برنامج كوبرنيكوس (Copernicus) لرصد الأرض التابع للاتحاد الأوروبي، "جزيرة الحرارة الحضرية" بأنها منطقة مدينة أكثر سخونة بكثير من المناطق الريفية المحيطة بها بسبب النشاط البشري والبنية التحتية.
وتمتص الأرض الممهدة الحرارة وتخزنها، في حين تخفّض المباني الكثيفة من دوران الهواء، وتحبس الحرارة. كما تضيف السيارات وأجهزة التكييف الهوائي والأنشطة الصناعية مزيدًا من الحرارة.
وفي المساء يكون تأثير "جزيرة الحرارة الحضرية" في أقوى درجاته؛ إذ تستطيع المدن البقاء عند درجة حرارة تزيد بواقع 10 درجات مئوية على الريف المجاور؛ ما يُعزى إلى حقيقة مؤداها أن الأسمنت والأسفلت والحديد كلها مواد تطلق الحرارة التي تخزّنها في أثناء اليوم ببطء.
وخلال الصيف، يمكن أن ترتفع درجة حرارة السطح في المدن الأوروبية بما يتراوح من 10 إلى 15 درجة مئوية على نظيرتها في المناطق الريفية المحيطة؛ إذ تعمل النباتات والغابات والحقول على تبريد الهواء.
ويجعل هذا الفرق تأثير "جزيرة الحرارة الحضرية" مصدرًا باعثًا على القلق بالنسبة إلى الصحة العامة في ضوء أن نحو 70% من الأوروبيين يقطنون في المناطق الحضرية، حسب الدراسة.

أوروبا الأكثر عُرضة للخطورة
سجلت أوروبا موجات حر قياسية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في العديد من مدن القارة هذا الصيف وحده.
وأظهرت دراسة بحثية منفصلة أُجريت في الصيف الماضي أن تغيّر المناخ ضاعف حصيلة المتوفين جراء موجة حرارة متطرفة واحدة بواقع 3 مرات.
ولا يقتصر الإجهاد الحراري على الشعور بعدم الراحة فحسب، بل إن التعرّض المتكرر له قد يُسرع الشيخوخة البيولوجية، ويؤثر في الصحة النفسية، ويجعل الأطفال أكثر عرضةً للجفاف وأمراض الجهاز التنفسي، بل حتى الموت.
ويكون كبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنةً هم أعلى الفئات العُرضة للمخاطر.
وفي مدن مثل لندن وباريس؛ حيث يمكن أن تبقى درجات الحرارة أعلى من المناطق المحيطة بواقع 4 درجات مئوية.
حلول عملية
تسابق بعض المدن الأوروبية حاليًا الزمن من أجل التكيف مع ظاهرة تغير المناخ الممثلة هنا في ارتفاع درجات الحرارة بصورة متطرفة.
فقد خصصت مدن مثل برشلونة الإسبانية ملاجئ مناخية، وهي عبارة عن مبانٍ عامة مثل المكتبات أو المتاحف التي تكون مفتوحة في أثناء الموجات الحرارية، لتوفير مساحات باردة للمواطنين.
وتتجه مدن أخرى نحو تكثيف زراعة النباتات والأشجار في الشوارع، كما هو الحال في مدينة بريدا الهولندية التي تحولت إلى حدائق عبر استبدالها الحشائش والأشجار بالبلاط الأسمنتي، حتى وصلت نسبة المساحات الخضراء في المدينة إلى 60%.
وبحلول عام 2030 يستهدف القادة المحليون في بريدا تحويلها إلى إحدى أكثر المدن اخضرارًا وصداقة للبيئة في أوروبا.
موضوعات متعلقة..
- توني بلير يفتح النار على جهود مكافحة تغير المناخ: لا عقلانية وهستيريّة
- تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى وقود.. تقنية تحارب تغير المناخ في 15 دقيقة
- إلغاء ترمب تمويل برنامج أبحاث تغير المناخ العالمي الأميركي.. ما الخطر؟ (تقرير)
اقرأ أيضًَا..
- سفينة غاز مسال عائمة تتجه إلى مشروع أفريقي سعته 2.4 مليون طن سنويًا
- تطورات قضية الجزائر وكيف يسدد لبنان قيمة شحنات الوقود الجديدة (خاص)
- شحنة من النفط السوداني عالقة في البحر بسبب الإمارات
المصدر:
1.آثار لون السيارات في تعميق ظاهرة تغير المناخ من دراسة منشورة في مجلة مجلة نيو ساينتيست.