المقالاترئيسيةسلايدر الرئيسيةمقالات النفطنفط

مقال – علاقة التضخم بالنفط وتداعياته على الطاقة المتجددة

صبري ناجح*

لا يمكن الحديث عن التضخم الاقتصادي بمعزل عن الأسعار، كما لا يمكن الحديث عن الأسعار بمعزل عن العرض والطلب، ولا يمكن الحديث عن العرض والطلب بمعزل عن سياسات الإنتاج.

التضخم

أما عن التضخم فهو مرشح للارتفاع بقوة خلال مدة مقبلة ممتدة، وفق سيناريو "الدورة الفائقة للسلع"، الذي يتوقع صعودًا مستمرًا في أسعار السلع الأولية الأساسية، ما يهدّد جميع الدول المستوردة لها، ويربط استيراد السلع باستيراد التضخم معه.

وتختلف نسبة التضخم من دولة إلى أخرى، كلٌّ على حسب اعتمادها واحتياجها للسلع، وفق سيناريو "الدورة الفائقة"، الذي يعني ارتفاعًا مستمرًا في الأسعار لمدة من الزمن قد تمتد إلى عقد كامل وأحيانًا أكثر من ذلك.

ولن يتحقّق هذا السيناريو إلا إذا كان الطلب يتخطّى العرض، مع استبعاد المؤثرات الاستثنائية التي تزول بمجرد زوال الحادثة الظرفية، أقصد هنا كوفيد-19.

وللتوضيح أكثر، نذكر هنا المؤثرات التي طالت جميع الدول حول العالم جرّاء تفشي فيروس كورونا، وهو ما ضرب الإنتاج في مقتل، فتأثرت اقتصادات الدول والشركات والأفراد أيضًا، ما أسهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة في سلوكياتهم الشرائية.

وما دام أن هناك حادثة ظرفية -أي مرتبطة بتوقيت محدد- فلا يجوز البناء عليها لسنوات، كما يدّعي مروجو "الدورة الفائقة للسلع"، غير أن هناك جزءًا من الطلب عاد بالفعل وارتفعت الأسعار.

الأسعار

ارتفعت أسعار السلع الأولية -مثل النحاس والفحم والحديد الخام- هذا العام، نتيجة لتعافي الطلب بعد عودة فتح اقتصادات دول كبرى، والتيسير النقدي في العديد من الدول بأنحاء العالم، وأيضًا لتلبية الطلب الموسمي على المنتجات النهائية التي تصنعها.

ولكل ارتفاع سبب، فإعادة فتح الاقتصادات عادت بالصين -الأكثر استهلاكًا للحديد في العالم- إلى البناء والتشييد، ما زاد الطلب على الحديد، فارتفعت أسعاره.

بينما بلغ سعر خام الحديد أكثر من 200 دولار في سابقة، وفق المعطيات التي جمعها المؤشر المرجعي ستاندارد آند بورز بلاتس منذ 2008.

وسجّلت أسعار النحاس ارتفاعات بأكثر من 90% خلال 12 شهرًا تقريبًا، نظرًا إلى دخوله في صناعة المحولات التي تُستخدم بكثرة في السيارات الكهربائية، التي زاد الطلب عليها المدة الأخيرة مع التحوّل الطاقي وسياسات مكافحة التغيّر المناخي، لأن كهربة كل شيء تتطلّب كمية هائلة من النحاس.

ويُستخدم النحاس بكثرة في الصناعة، خصوصًا في صناعة الدوائر الكهربائية، وهو يعكس الحالة الصحية للاقتصاد العالمي، وارتفاعه هنا مدفوع بالطلب القوي خصوصًا من قِبل الصين، وبضعف الدولار.

وبلغ سعر النحاس أكثر من 10.260 ألف دولار للطن في بورصة لندن للمعادن، وحطّم بذلك الرقم القياسي السابق الذي سجّله في فبراير/شباط 2011، ويسجّل أكبر طلب على المعدن الأحمر من الصين التي تحتاج إلى نصف إنتاج العالم.

كما قفزت أسعار الغذاء إلى أعلى مستوياتها للشهر التاسع على التوالي، خلال أبريل/نيسان، مدفوعة بارتفاع عدد من السلع الأساسية، ومنها القمح والذرة وفول الصويا.

ولاحظ المتعاملون في الأسواق ارتفاع خام البلاديوم بنسب ملحوظة، وهذا يرجع -ببساطة- إلى زيادة الطلب على السيارات الكهربائية أيضًا، وهو مكون رئيس في المحولات التي تستخدم في هذه السيارات.

ورغم أن هناك أشياء تبدو طبيعية في ارتفاعات الأسعار في الوقت الحالي الذي يتميز بضبابية شديدة، فإن مروجي نظرية "الدورة الفائقة للسلع" استندوا إلى الارتفاعات القياسية التي بلغها الذهب عند مستويات تخطّت 1900 دولار للأوقية، رغم أنه كسر هذا الحاجز قبل تفشّي فيروس كورونا.

أما عن النفط فقد ارتفعت أسعاره أكثر من 260% منذ انهياره في مارس/آذار 2020، ويرجع ذلك إلى عودة جزء من الطلب بجانب وجود قائد في أسواق النفط يقود نحو استقرار السوق، وهو هنا منظمة أوبك وحلفاؤها، وهو ما يظهر قوة النفط.

ولا يُعتدّ هنا بالسيناريوهات التي تتحدّث عن تحركات مفاجئة ولمدة من الزمن في أسعار النفط، لأن أوبك تمسك بزمام الأمور، كما أن قراراتها تُبنى على حجم العرض والطلب، الذي تحدّد إطاره مسبقًا.

ويراهن المستثمرون -بعيدًا عن نظرية الدورة الفائقة- على التعافي السريع والكامل لسوق النفط والاقتصاد العالمي، مع بقاء مخاطر التضخم التي تساعد -أيضًا- على رفع الأسعار.

ووفق رؤية "الدورة الفائقة" فإن مصر -على سبيل المثال- أكبر مستورد للقمح في العالم ستعاني تضخمًا، نظرًا إلى ارتفاع الأسعار المستمر، غير أن فريقًا من غولدمان ساكس -البنك الأميركي- الذي يتبنّى نظرية الدورة الفائقة، أثنى -مؤخرًا- على الحكومة المصرية في احتوائها التضخم، وبلوغه المستهدف من البنك المركزي المصري وهو 7% (+-2).

في الوقت الذي تعاني فيه بعض الدول الأوروبية تضخمًا سلبيًا، وتضع نصب أعينها الوصول بالتضخم العام إلى 2%.

العرض والطلب

أي ظرف استثنائي لا بد أن تكون هناك حسابات استثنائية له أيضًا، ولا يجب البناء عليه لمدة قد تتخطى وقت الظرف نفسه، لأن تداعيات هذا الظرف أو الحادث ستزول بمرور الوقت أو بمجرد زوال الظرف الاستثنائي.

وهنا لا يمكن التعويل الكامل على عرض أو طلب منقوصين، ومن يعوّل على حجم العرض والطلب الآن ويبني عليه توقعاته المستقبلية -غير آخذ في الاعتبار ظروف كورونا وما سببه الفيروس من تعطّل خطوط إنتاج وإغلاق مصانع بشكل كامل، التي لم تعد حتى الآن بكامل طاقتها حتى مع عودة الطلب الذي تأتّى بفتح اقتصادات حول العالم- لديه رؤية منقوصة.

وما دام أن الفتح جزئي لا كلي، فمن هذا المنطلق فإن ارتفاع الأسعار هنا يأتي من عودة جزء من الطلب هو في الحقيقة ما زال أعلى من العرض.

ويوضح كتاب "ECONOMIC DEMAND IS BACK.. SUPPLY IS THE PROBLEM"، أي "الطلب الاقتصادي عاد.. لكن العرض هو المشكلة"، الذي صدر -مؤخرًا- للخبير الاقتصادي العالمي الدكتور محمد العريان، أن صعوبة الحصول على المواد الخام والعمالة لها آثار طويلة الأجل على الأسعار، والنمو وميزانيات الدول والشركات.

ويشير الكتاب إلى أن قوة الاستهلاك والاستثمار -بدعم من إعادة فتح الاقتصادات وصلابة ميزانيات الشركات والأسر- أدّت إلى تعزيز الطلب الكلي، لدرجة أدهشت الكثيرين، سواء من التنفيذيين أو الخبراء الاقتصاديين أو صانعي السياسات أو محللي وول ستريت، وذلك في ظاهرة سوف تستمر على الأرجح خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا في الدول التي لديها القدرة على احتواء الاصابات بكوفيد-19، وتلقيح عدد كبير من المواطنين والوقاية من السلالات الجديدة للفيروس.

وأما على جانب العرض فيرى العريان أن التحدي أكبر بكثير، حتى وصفه بـ"الوضع شديد السوء"، إذ تعمل الاختناقات والجمود على تعطيل العديد من سلاسل الإمداد، وأصبحت عمليات الشحن -بما في ذلك توفير الحاويات- أصعب كثيرًا.

كما أن تفشّي الوباء في بعض الدول داخل سلاسل الإمدادات العالمية -مثل بنغلاديش والهند وفيتنام- وحالات عدم اليقين الحيوسياسي، بما في ذلك التوترات الدورية بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا، كلها أمور تضاف إلى المشكلات التي تواجه أولئك الساعين للحصول على المواد الخام من أجل مصانعهم.

وأضف إلى ذلك الضبابية التي تغلّف الاقتصاد العالمي، والحذر والحيطة من بعض الدول والشركات، وهو ما يوضح أن تلك الزيادة في الطلب نشأت بسبب احتمالية تفاقم النقص الهائل في العرض الذي شهدته السنوات القليلة الماضية، خصوصًا بعد أن أعلنت شركة Nornickel الروسية -أكبر منتج لمعدني البلاديوم والنيكل في العالم- أنها ستخفّض الإنتاج نتيجة لغرق أحد مناجمها.

ويجب ألا ننسى هنا حالة الجفاف التي تضرب البرازيل الآن، التي تؤثر بشكل مباشر على طاقتها الكهربائية، إذ تعتمد البرازيل على الطاقة الكهرومائية، التي تمدّ البلاد بأكثر من 60% من طاقتها الكهربائية، وحالة الجفاف تلك رفعت أسعار السكر والقهوة والإيثانول.

وفضلاً عن ذلك، محاولات بعض الدول زيادة مشترياتها من السلع الأولية، بسبب ضبابية المدة المقبلة، خشية عودة الإغلاق مرة أخرى، وهو ما حدث في بعض الدول الأوروبية والآسيوية والعربية.

أوبك للذهب وأوبك للنحاس

هناك سلع عادت أسعارها إلى مستويات ما قبل كورونا، مثل النفط، لعودة الطلب ومجهودات أوبك+، وسلع أخرى تخطت تلك المستويات التي كانت عليها قبل كورونا مثل بعض السلع الأولية، وتحديدًا النحاس والليثيوم والبلاتين، وذلك لعودة الطلب دون عودة المعروض.

ويجب الإشارة هنا إلى أن مصانع المعادن ما زالت تعمل بنحو نصف طاقتها الإنتاجية حتى الآن، أو أكثر قليلًا.

ومع ذلك، فقد تواصل أسعار المعادن الارتفاع، حتى مع عودة الإنتاج بشكل كامل، وذلك لعدم وجود قائد للتك السلع، مثل أوبك التي تقود سوق النفط، فلا يوجد أوبك للذهب أو أوبك للنحاس.

ولذلك ينبغي زيادة الإمدادات من هذه المعادن، لتلبية الطلب الذي تدعمه عوامل عدة أبرزها التحوّل الطاقي، وبعبارة أخرى، يمكن أن ترتفع احتياجات قطاع الطاقة لاستخدام المعادن الحيوية في السنوات المقبلة، في حين أن الإمدادات الحالية غير كافية، وهو ما قد يؤخّر عملية التحول، فضلًا عن التكاليف الإضافية.

ويشير تقرير يرصد كيفية استخدام العالم المعادن الرئيسة خلال انتقاله نحو الطاقة المتجددة، إلى أنه يجب زيادة استخدام المعادن الحيوية 4 مرات بحلول عام 2040، إذا كان العالم سيحقّق أهداف اتفاقية باريس.

ويعني ذلك أن الشركات والحكومات بحاجة إلى العمل الآن والعمل معًا، من أجل الحد من مخاطر تقلّب الأسعار واضطراب الإمدادات من المعادن، حسبما أظهر تقرير وكالة الطاقة.

*المقال خاص لـ"الطاقة"

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى