التقاريرتقارير الغازسلايدر الرئيسيةغاز

الغاز في شرق المتوسط.. قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار أو الحل

الاحتياطيات الهائلة تضع المنطقة أمام أخطر مواجهة منذ 20 عامًا

حازم العمدة

اقرأ في هذا المقال

  • اكتشافات الغاز في شرق المتوسط تعيد رسم مشهد الطاقة الإقليمي
  • إيني تغير قواعد اللعبة باكتشاف حقل "ظهر" في المياه المصرية
  • محاولات مستميتة من تركيا للسيطرة على موارد الغاز في شرق المتوسط

122 تريليون قدم مكعبة من احتياطيات الغاز الطبيعي في شرق المتوسط و1.7 تريليون برميل من النفط- وفق دراسات مسحية- كفيلة بأن تُسيل لعاب دول المنطقة وشركات الطاقة، بل تحولّها إلى ما يشبه برميل وقود قابل للاشتعال في أي لحظة.

وبالرغم من أن الحديث عن الاكتشافات والأطماع بشأن الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط ليس جديداً، لكن التوترات بشأنها زادت سخونة خلال عام 2020.

وما بين سفن استكشاف تركية ومناوشات بحرية بين أنقرة وأثينا، واتفافات ثنائية وثلاثية لترسيم الحدود البحرية واستخدام ورقة العقوبات ضد تركيا، وأخيراً -وليس آخراً- تحويل منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة تستبعد أنقرة- تتسارع دوامة الصراع في المنطقة.

وقبل تناول الصراع المحموم على ثروات الطاقة في شرق المتوسط، والتعريج على جوانبه المختلفة والتوقعات بشأن مستقبله، يتناول الإنفوغرافيك التالي أبرز محطات الصراع خلال عام 2020:

شرق المتوسط

كنز علي بابا

في شرق البحر المتوسط، تتجه أنظار الدول المطلة عليه إلى ما يصفه البعض بـ "كنز علي بابا"؛ ففي جنوبه مصر، وفي شرقه فلسطين، وإسرائيل، ولبنان، وسوريا.

وفي وسطه تقع قبرص واليونان، بينما توجد تركيا في شمال المنطقة، ولكل من هذه الدول منطقتها الاقتصادية الخاصة بها.

قاد اكتشاف هذه الثروات الطبيعية في شرق المتوسط إلى مطالب بترسيم المناطق الاقتصادية لكل من هذه الدول؛ فظهرت الخلافات.

إسرائيل ولبنان

كان الخلاف الأول يدور بين إسرائيل ولبنان، بينما ينذر الخلاف الثاني باندلاع صراع واسع النطاق، ويدور حول قبرص.

ودخلت الولايات المتحدة على خط الوساطة بين لبنان وإسرائيل من أجل التوصل لحلٍّ للنزاع على المنطقة الاقتصادية لكل منهما، دون تحقيق أي تقدم ملموس.

وشكّل اكتشاف إسرائيل حقل تمار ثم حقلي داليت وليفياثان، الذي تتقاسمه إسرائيل وقبرص ولبنان، بداية التوتر مع لبنان.

اللجوء للأمم المتحدة

طالبت كل من لبنان وإسرائيل -في البداية- الأمم المتحدة بترسيم الحدود البحريةلكل منهما، لكن البلدين لم يتفقا فيما بينهما؛ إذ اشترطت إسرائيل ترسيم كل من الحدود البرية-البحرية مع لبنان.

إذن، فالتهديد الأكثر خطورةً هو ذلك الذي تمثله إسرائيل التي تشترك مع لبنان في الحدود البحرية، حيث تتداخل الخزَّانات الغازية الجوفية تحت البحر بين لبنان وفلسطين المحتلة.

يُبرز ذلك التهديدٌ الحاجة إلى نموذجٍ لبناني فريد من المواجهة يقوم على المضي بمشروع الغاز من جهة، وحمايته من جهةٍ ثانية، لحماية حقوق اللبنانيين في ثرواتهم.

ويخوض لبنان نزاعاً مع إسرائيل على منطقة في البحر المتوسط تبلغ نحو 860 كيلو متراً مربعاً تُعرف بالقطاع رقم 9، وهي غنية بالنفط والغاز، حيث كانت قد أعلنت بيروت في يناير/كانون الثاني 2016 إطلاق أول جولة تراخيص للتنقيب فيها.

تركيا وقبرص

وفيما يتعلق بالنزاع التركي-القبرصي، فإن أنقرة تعد جزيرة قبرص ومنطقتها الاقتصادية الخاصة بها جزءاً من الجرف القاري التركي.

قامت تركيا بتوسيع نطاق منطقتها الاقتصادية على حساب قبرص، وذهبت أبعد من ذلك عندما رسمت حدوداً لمنطقةٍ اقتصاديةٍ لقبرص التركية.

وكان لاكتشاف حقلي الغاز الطبيعي أفرودايت وكاليبسو في المنطقة الاقتصادية القبرصية دور في زيادة آمال القبارصة بجعلها مركزاً لإنتاج الطاقة في شرق المتوسط، وربما حل نزاع القبارصة الأتراك في شمالي الجزيرة المقسمة منذ عام 1974.

فورين بوليسي: موارد الطاقة تحوّل شرق المتوسط إلى عاصفة جيوسياسية

غير أن الأمور جاءت مخالفة للتوقعات؛ فقد اتخذت أنقرة موقفاً عدائياً، ولم تتردد في توظيف قوتها العسكرية لحماية ما تصفه بأنه يمثل "مصالحها".

ويبدو أن تركيا تسعى بالقوة من أجل تحقيق "استقلالها" في الطاقة، مدفوعة بالإمكانيات والاحتياطيات الهائلة من مصادر الطاقة في شرق المتوسط، ومن هذا المنطلق أرسلت سفنها أكثر من مرة هذا العام للتنقيب عن النفط بالقرب من جزيرة قبرص؛ الأمر الذي دفع نيقوسيا إلى توجيه احتجاج شديد اللهجة لأنقرة، كما انتقد الاتحاد الأوروبي ذلك الإجراء.

اليونان في قلب الصراع

تقع أثينا في قلب الصراع على ثروات الغاز والنفط بشرق المتوسط، وتتنازع اليونان وتركيا -الحليفتان في حلف شمال الأطلسي (الناتو)– بشأن حقوق التنقيب في المنطقة.

تتّهم تركيا اليونان بمحاولة استبعادها من فوائد اكتشافات النفط والغاز في بحر إيجة وشرق البحر المتوسّط.

وبينما تشدد أنقرة على ضرورة تقسيم الحدود البحريّة للاستثمار التجاري بين البرّ الرئيس لكلا البلدين، وعدم تضمين الجزر اليونانية على قدم المساواة، تؤكّد أثينا أن موقف تركيا انتهاك للقانون الدولي.

الغاز في شرق المتوسط
سفينة التنقيب التركية أوروتش رئيس

واقترب الخصمان الإقليميان التاريخيان (تركيا واليونان) من الحرب ثلاث مرّات منذ أوائل السبعينيات، لاسيّما على حقوق الاستثمار البحري، وملكيّة جزيرة بحر إيجة غير المأهولة.

وكانت أخطر مواجهة عام 1974، عندما غزت تركيا دولة قبرص الواقعة في شرق البحر المتوسّط​، بعد انقلاب فاشل قام به أنصار الاتّحاد مع اليونان.

الدور المصري

وسط هذه الصراعات، تعمل مصر بتعاون وثيق مع قبرص واليونان؛ على أمل أن تصبح مركزًا مهمًا لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي في المنطقة.

وتعارض مصر -إلى جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة- التحركات التركية وتهديدات أنقرة لشركات النفط والغاز التي تحاول التنقيب في المنطقة.

والحقيقة أن اكتشافات الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسّط، وتحديدًا قبالة قبرص ومصر وإسرائيل، فجرت -مجدداً- التوتّرات والصراعات الإقليمية.

ووسط ترقّب دولي لما سينتهي إليه هذا المشهد، تأتي كل هذه التوترات في إطار محاولة لنيل أكبر المكاسب الاقتصادية، والسيطرة الكاملة على هذا "الكنز".

وفي ظل تلك الاكتشافات الكفيلة بتحقيق نهضة اقتصادية كبرى، يتوقّع محلّلون ومتابعون إعادة ترتيب محتمل لديناميكيات القوّة بين دول الساحل الشرقي والجنوبي للبحر المتوسّط من تركيا إلى ليبيا وإسرائيل.

تعاون أم صراع

في مقال بعنوان "آفاق للتعاون أم الصراع.. هل تقود اكتشافات غاز شرق المتوسّط إلى تحوّل إقليمي؟" نشرته منصة الطاقة مؤخراً، سلّط أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ليهاي "هنري باركي"، ومدير برنامج الأمن الدولي في كلّية شار للسياسات والحكومة بجامعة جورج ميسن الأميركية "إلين لايبسون"، الضوء على تلك القضية.

رأى الكاتبان في مقالهما بموقع "The Cairo Review of Global Affair"، أن ثمّة قيادة حكيمة، وحظًّا يتطلّبهما الأمر، لكي تتحوّل اكتشافات الطاقة إلى شكل جديد من التعاون بين دول شرق المتوسّط.

وأضافا أن ذلك ربّما يُفضي إلى علاقات مؤسّسية جديدة، من شأنها أن تعالج وتنهي المصادر الدائمة لعدم الاستقرار بالمنطقة.

فرنسا ومصر وإسرائيل في المعسكر اليوناني-القبرصي

وانطوت اكتشافات الغاز في شرق المتوسّط عام 2009 -وفق باركي ولايبسون- على إمكانية تنشيط التفاعلات الاقتصادية بين دول المنطقة.

بيد أن الاحتكاكات التاريخية المستمرّة بين تركيا واليونان وجمهورية قبرص -التي ترجع بشكل أساس لتقسيم قبرص عام 1974- قلّلت من فرص تحقيق مثل هذه النتيجة المفيدة.

وتشير المحاولات المستميتة من جانب تركيا -لفرض سيطرتها في كلٍّ من البحر المتوسّط والشرق الأوسط- إلى وجود تنافس بين نهجين متباينين فيما يتعلّق باكتشافات الطاقة.

ويتمثل أحد النهجين في توجّه تركي توسّعي، والآخر في شكل مجموعة أوسع من أصحاب المصلحة (مصر واليونان وإسرائيل وقبرص).

دفاع واستفزاز

منذ الإعلان عن اكتشافات الغاز وحتّى الآن، شهدت منطقة شرق المتوسّط سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادّة، بعضها دفاعي، والأخر استفزازي، من قبل اللاعبين الرئيسيّين -وفقًا لمقال "باركي" و"لايبسون"-.

فأنقرة -التي لا تربطها علاقات دبلوماسية بقبرص- تقول إن بعض المناطق البحريّة الواقعة ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لقبرص، إما أنها تقع ضمن الولاية القضائية لتركيا، أو للقبارصة الأتراك، الذين أعلنوا دولة انفصالية في شمال الجزيرة، لا تعترف بها سوى تركيا.

وفى إطار ذلك، حاولت أنقرة التدخّل عبر أنشطة تنقيب في المياه القبرصية المعترف بها دوليًا. ورداً على ذلك، أنشأت إسرائيل ومصر والأردن واليونان وإيطاليا والسلطة الفلسطينية "منتدى غاز شرق المتوسّط".

وفي تطوّر آخر، أصبحت الشركات الأوروبّية والأميركية شريكة مع دول المنطقة في أنشطة الاستكشاف؛ الأمر الذي زاد من عزلة تركيا.

وفي ضوء ذلك، ردّت أنقرة بإنشاء منطقة اقتصادية خالصة مع حكومة الوفاق في ليبيا، وهو اتّفاق يواجه مستقبلًا مجهولًا؛ بالنظر إلى الاضطرابات السياسية في ليبيا.

ويستهدف الاتّفاق بين حكومة الوفاق الليبية في طرابلس، وأنقرة، تعطيل عمليات تطوير الغاز في المستقبل، بما في ذلك خطّ أنابيب يمتدّ من شرق المتوسّط عبر اليونان، ليصل إلى إيطاليا، ويمكن أن يكون للاتّفاق آثار سلبية -بشكل خاصّ- على اليونان.

حقول الغاز

بدأت الاكتشافات الرئيسة الجديدة للغاز في شرق المتوسّط، بحقل تمار (عام 2009)، وليفياثان (عام 2010) قبالة السواحل الإسرائيلية.

أعقب ذلك اكتشاف حقول أفروديت القبرصي (عام 2011)، وظُهر المصري (عام 2015)، وكاليبسو القبرصي (عام 2018).

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي تُكتَشَف فيها حقول غاز بحري في المنطقة، لكن حجم الاكتشافات يمَثَّل تحوّلًا كبيرًا.

إيطاليا وإسبانيا ومالطا ترفض اتخاذ موقف يضر بمصالحها مع تركيا

يعد حقل ظُهر الأكبر بسعة تبلغ 30 تريليون قدم مكعّبة من الغاز، يليه ليفياثان بـ 22 تريليون، وتمار 11 تريليون، وأفروديت 8 تريليونات، وكاليبسو من 6 إلى 8 تريليونات.

ومع حقيقة أن هذه الحقول ليست ضخمة، مقارنةً بتلك الموجودة في روسيا أو قطر، إلّا أن احتمالات وجود مزيد من الاكتشافات في شرق المتوسّط كبيرة.

وبالفعل، في يوليو/تموز 2020، اكتشفت شركة النفط الإيطاليّة العملاقة إيني، حقل غاز آخر على بعد 11 كيلومترا من الساحل المصري.

يحتوي كلّ حقل من الحقول المكتشفة في دول شرق المتوسّط على كمّيات من الغاز الطبيعي من شأنها تلبية الطلب المحلّي، والأهمّ من ذلك أن تلك الاكتشافات مجتمعة تقدّم فرصًا تصديرية تجارية جديدة.

وتبشّر صادرات الغاز بجلب عائدات جيّدة من العملات الأجنبية إلى البلدان الـ 3: إسرائيل، ومصر، وقبرص، ويأتي ذلك مع احتمال تنامي الطلب العالمي على الطاقة، لاسيما الغاز الطبيعي، مرّة أخرى، بعد صدمة فيروس كورونا العالمية.

أمن الطاقة

بجانب الفوائد المادّية المباشرة، فإن لهذه الاكتشافات أيضًا نتائج أخرى، أوّلًا وقبل كل شيء، يقدّم حقلا “تمار” و”ليفياثان” لإسرائيل ما سعت إليه دائمًا، وهو تحقيق قدر من أمن الطاقة.

تساعد الحقول أيضًا في توطيد علاقات إسرائيل مع كلّ من الأردن ومصر، حيث شرعت تل أبيب في إرسال صادراتها إلى كلّ من القاهرة وعمان.

ويسمح ذلك لمصر بمضاعفة صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبّا، وهناك فائدة إضافية للحقول، تتمثّل في مساعدة أوروبّا في تقليل اعتمادها على الغاز الروسي.

وفي عام 2017، أكّدت المفوّضية الأوروبّية، أن “شرق المتوسّط” يعدّ مصدرًا واعدًا لإمدادات الغاز الطبيعي للاتّحاد الأوروبّي.

وأثارت حقول الغاز بشرق المتوسّط -أيضًا- اهتمام شركات نفط عالمية في العديد من البلدان، فبالإضافة إلى الشركات المحلّية، شملت الشركات الأخرى: نوبل إنرجي التى اشترتها شركة شيفرونالأميركية العملاقة لتوسيع أنشطتها في شرق المتوسطـ، وإكسون موبيل من الولايات المتّحدة، وإيني الإيطاليّة، وتوتال الفرنسية، وقطر للبترول.

خط أنابيب الغاز إيست ميد

تبحث الدول الثلاث المنتجة للغاز في شرق المتوسّط، عن طريقين رئيسين للتصدير، ويواجه كلّ منهما عقبات جسيمة، في ضوء اعتراضات تركيا.

توقيع اتفاق خط أنابيب إيست ميد بين قبرص واليونان وإسرائيل في يناير 2020
توقيع اتفاق خط أنابيب إيست ميد بين قبرص واليونان وإسرائيل في يناير 2020

ومن المقرّر أن يجمع خطّ أنابيب "إيست ميد" غاز قبرص وإسرائيل، ويصدّره إلى أوروبّا، عبر خطّ أنابيب في المياه العميقة، بطول 1600 كيلومتر، وسيمرّ -أوّلًا- على جزيرة كريت، ثمّ عبر بقيّة اليونان، حتى برينديزي في شبه الجزيرة الإيطاليّة.

ويعدّ هذا خيارًا طموحًا ومكلفًا، حيث تبلغ تكلفته ما يقرب من 6 إلى 7 مليارات دولار.

وبالرغم من أن مصر ليست طرفًا في هذه الاتّفاقية، فإن احتمال أن يصبح غاز حقل ظُهر المصري -في نهاية المطاف- جزءًا منها، يظلّ قائمًا.

نجاح منتدى شرق غاز المتوسط قد يخلق زخمًا لحل الأزمة القبرصية

لكن في ضوء النكسات الاقتصادية التي سبّبها فيروس كورونا، من غير الواضح ما إذا كانت أهداف الاستثمار، لعام 2022، قابلة للتحقيق.

وأثار مشروع "إيست ميد" أسئلة أخرى؛ إذ رأى البعض أن صادرات إسرائيل يجب أن توجَّه إلى دول المنطقة، وليس أوروبّا.

تهديد لخط الأنابيب التركي ترك ستريم

يأتي ذلك، بينما أكّد آخرون أن خطّ أنابيب إيست ميد يمثّل تحدّيًا خطيرًا لخطّ الأنابيب التركي الروسي، ترك ستريم.

وسيواجه خطّ الأنابيب الذي استُكمل مؤخّرًا من روسيا عبر البحر الأسود إلى شمال غرب تركيا، منافسة من إيست ميد، ويأتي طريق التصدير البديل أو التكميلي للمشروع من خلال منشأتين للغاز الطبيعي المسال، تعملان في مصر.

ويعدّ الغاز الطبيعي المسال المشحون في الناقلات، أكثر مرونة بكثير من الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب، الذي يكون عرضة للتعطيل، أو الخلافات السياسية، أو حتّى التخريب.

الاتفاق التركي-الليبي حجر عثرة

إذا تغيّرت ظروف السوق، يمكن إعادة توجيه شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى أسواق أخرى بسرعة نسبيّة، ومن ثمّ تجنّب الاستثمارات الكبيرة التي قد يستلزمها خطّ أنابيب يمتدّ تحت البحر، لكن كلا المسارين (خطّ الأنابيب أو الغاز المسال المشحون في الناقلات)، يواجهان تحدّيًا جديدًا، وهو الاتّفاقية البحريّة التي أبرمتها الحكومة التركيّة مع نظيرتها في طرابلس -حكومة الوفاق- في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

ومن خلال المطالبة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، يمكن للأتراك والليبيّين الوقوف حجر عثرة، وفصل البحر المتوسّط إلى منطقتين بحريّتين، في ظلّ وجود نوايا تركيّة صريحة لمنع بناء خطّ أنابيب إيست ميد، وكذلك عبور ناقلات الغاز الطبيعي المسال.

غاز شرق المتوسط يظهر انقسامات جيوسياسية

أظهرت اكتشافات الغاز الانقسامات الجيوسياسية القائمة في المنطقة، وبرزت في هذا الصدد تركيا.

تُصرّ تركيا على أنّه لا ينبغي لقبرص أن تطوّر حقولها حتّى تُحلّ مشكلة تقسيم الجزيرة، كما زعمت أن بعض اكتشافات الغاز لقبرص انتهكت جرفها القارّي وحقوق جمهورية شمال قبرص التركيّة.

وفي عام 2018، أدان وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، اتّفاق ترسيم الحدود بين مصر وقبرص لعام 2013، بشأن ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة؛ بذريعة أنّه يتعارض مع الجرف القارّي لتركيا.

وزعمت أنقرة أن أسطولها البحري منع فرقاطة يونانية من مضايقة إحدى سفن المسح الزلزالي، وهي تهمة نفاها اليونانيّون.

وفي مارس/آذار 2019 أجرت تركيا مناورات بحريّة كبيرة في وقت واحد في البحر الأسود وبحر إيجة والبحر المتوسّط.

وعلاوة على ذلك، نشرت أنقرة سفينتي تنقيب عن الغاز في المياه الواقعة غرب وجنوب غرب قبرص.

وهكذا استخدمت تركيا القوّة لمنع عمليات تطوير كامل لحقول شرق المتوسط، بينما تعكس محاولاتها لفرض سيطرتها -أو على الأقلّ إجهاض خطط جيرانها الأصغر- البيئة السياسية المضطربة.

تحالف رباعي ضد تركيا

في الوقت الحاضر، تتحرّك الأحداث المتعلّقة بموارد الطاقة الجديدة في شرق المتوسّط لصالح تحالف (مصر، اليونان، قبرص، إسرائيل).

وتناهض أنقرة أيّ مؤسّسة إقليمية جديدة متعدّدة الأطراف، إذا كان هيكلها لا يتوافق مع مزاعم تركيا عن أحقّيتها بالجرف القارّي.

وتسبّب ذلك في خلق بيئة من عدم اليقين والتوتّر بشأن شرق المتوسّط، بدلًا من الفرص التي كثر الحديث بأن تكون مصالح الطاقة بمثابة محرّك للسلام الإقليمي وحلّ النزاعات.

أنقرة توقع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا للخروج من عزلتها الإقليمية

وبالرغم من ذلك، يعدّ إنشاء منتدى غاز شرق المتوسّط وتحويله في سبتمبر/أيلول 2020 إلى منظمة إقليمية إنجازًا كبيرًا.

وبالرغم من أن المنظّمة المتعدّدة الأطراف الجديدة ماتزال في مراحلها الأولى، فإنها حفّزت بعض الروح السياسية الإيجابية بين أعضائها الأوائل.

تفسيرات تركية مثيرة للجدل

لم تجد تركيا طريقة للتصالح مع هذا الوضع الجديد، وبدلًا من ذلك تُواصل الدولة التركيّة الترويج للتفسيرات المثيرة للجدل للمعايير والقوانين الدولية بطرق تخدم مصالحها.

رفضت أنقرة الاعتراف بحقوق الجزر في الجرف القارّي الخاص بها، أو غيرها من الاتّفاقيات الموقّعة من قبل دول ذات سيادة، مثل الاتّفاقية بين مصر وقبرص.

وفي الوقت ذاته، تصرّ حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان بأن اتّفاقها الأخير مع ليبيا سليم وملزِم قانونًا.

وبين هذا وذاك، أعلن لاعبون دوليّون رئيسيّون -بما في ذلك الاتّحاد الأوروبّي والولايات المتّحدة- دعمهم لمنتدى غاز شرق المتوسّط ومشاريعه.

كما وافق الاتّحاد الأوروبّي بالإجماع على فرض عقوبات على تركيا، بسبب أنشطتها للتنقيب في شرق البحر المتوسّط.

إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي

ويمكن لتداعيات هذه الصورة الجديدة للطاقة أن تعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي على المدى القريب.

وتضمّ الشراكة الجديدة في منتدى غاز شرق المتوسّط: اليونان وقبرص -العضوين في الاتّحاد الأوروبّي-، وشريكين في الاتّفاقية هما: إسرائيل ومصر.

ويمدّ المنتدى جسورًا لقنوات مؤسّسية راسخة لإنشاء هيكل جديد عبر الأقاليم، يعمّق العلاقات التجارية والسياسية بين أعضائه المؤسّسين.

ومع ذلك، فسوف يعتمد المنتدى -كونه محرّكًا نحو منطقة أكثر سلامًا، أو مصدر آخر لعدم الاستقرار- على عدد من العوامل:

  • الابتعاد عن التفكير الصفري وإرث عدم الثقة.
  • أن يصبح منتدى غاز شرق المتوسّط مؤسّسة أكثر فاعلية من غيرها في المنطقة.
  • كيف ستؤثّر الانقسامات الحادّة في الشرق الأوسط على آفاق النجاح.

هناك احتمال ضعيف بأن يسمح منتدى غاز شرق المتوسّط بحدوث تحوّل دائم في السياسة الإقليمية، لكنّه مايزال يستحقّ أن يوضع في الاعتبار.

ويجب أن تُبنى شبكة عملية وواقعية ذات منافع متبادلة من المصالح العامّة والخاصّة، ونوايا سياسية حسنة، يمكن توجيهها إلى مكاسب أكبر، بمرور الوقت.

ويساعد التعاون المستمرّ بين عضوين -أو أكثر- من أعضاء الاتّحاد الأوروبّي، وإسرائيل ومصر، على إعادة تشكيل مفهوم شكل المتوسّط.

منتدى غاز شرق المتوسط - جانب من الإعلان الرسمي عن منظمة غاز شرق المتوسط اليوم
جانب من الإعلان الرسمي عن منظمة غاز شرق المتوسط

مثل هذا النهج سيجعل المصالح الجغرافية والاقتصادية أكثر أهمّية من التحالفات السياسية المجمّدة في الماضي.

النتيجة المتوقعة على المدى القريب

على المدى القريب، ستكون النتيجة الأكثر ترجيحًا هي استمرار التوتّرات، لكن يمكن السيطرة عليها دون صراع مباشر بين تركيا ودول منتدى غاز شرق المتوسّط.

تطوّرات الغاز تمضي قُدمًا، وقد ينضمّ المزيد من الدول إلى المنتدى، ويكون تحقيق هذه النتيجة -على المدي القريب- أكثر ترجيحًا، إذا تسبّب الركود الاقتصادي الناجم عن كورونا في وقف -أو إبطاء- أهداف استثمار المنتدى.

ولكن من المرجّح أن يدفع المنطق الذي يقوم عليه المشروع إلى الأمام، ربّما وفقًا لجدول زمني أبطأ.

قد تواصل تركيا وضع عقبات على الطريق، غير أنّها قد لا تكون قادرة على التغلّب على هذا المشروع متعدّد الأطراف، وسوف تحتاج أنقرة إلى تقييم التكاليف التراكمية؛ لكونها بعيدة عن الوضع الاقتصادي السياسي الناشئ في المنطقة.

أسوأ سيناريو للغاز في شرق المتوسط

السيناريو الأسوأ يتمثل في مزيد من التصلّب في الموقف التركي، وتصعيد أنقرة لتحرّكاتها القسريّة لعرقلة تطوير خطوط أنابيب جديدة.

ومن الأمثلة على ذلك: النيّة التركية المعلنة للتنقيب في المياه المجاورة لجزيرة كريت ورودس، والتي تدّعي أنقرة أنّه من حقّها القيام بذلك؛ بموجب اتّفاقها مع ليبيا.

حالياً، يبدو الصراع المسلح بين تركيا وجيرانها في شرق البحر المتوسّط احتمالاً بعيدًا، لكن لا يمكن استبعاده؛ فالحوادث تقع بالفعل، وخاصّةً في البحر.

ومع ذلك، فإن هذا الاحتمال يوفّر لليونان وقبرص وإسرائيل ومصر المزيد من الأسباب للعمل مع تركيا -إن أمكن- ونشر علاقات منتدى غاز شرق المتوسّط في أوروبّا وخارجها.

دوامة الصراع تتسارع

على المنوال نفسه، حذرت مجلة فورين بوليسي الأميركية من أن الصراع على موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط يضع المنطقة بأسرها أمام أكثر مواجهة بحرية قابلة للاشتعال منذ 20 عاماً.

وقالت المجلة الأميركية إن دوامة الصراع المتسارعة في شرق المتوسط، تنذر بتحويل المواجهة إلى صراع إقليمي ومتعدد الجنسيات؛ لا سيما أن هناك قوى تدعم الموقف اليوناني والقبرصي، كمصر وإسرائيل وفرنسا.

ولفتت المجلة إلى أن النزاعات البحرية ظلت لعقود من الزمان شأناً محلياً يقتصر على مطالبات بالسيادة من جانب تركيا واليونان وقبرص.

خريطة صراع الغاز في شرق المتوسط

بيْد أن السنوات الـ 5 الماضية -والكلام للمجلة الأميركية- كشفت عن ثروات طاقة هائلة في المنطقة.

ومن ثم، حولت موارد الغاز الطبيعي البحرية المنطقة ​​إلى "ساحة استراتيجية رئيسية تتلاقى من خلالها خطوط الصدع الجيوسياسية الأكبر التي تشمل الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا".

وأوضحت المجلة أن إيطاليا وفرنسا لعبتا دوراً رئيسياً في هذا التحول، مشيرة إلى أن شركة إيني الإيطالية غيّرت قواعد اللعبة باكتشاف حقل ظهر الضخم للغاز الطبيعي في المنطقة البحرية المصرية، وهو أكبر اكتشاف غاز في شرق المتوسط.

استبعاد تركيا من كعكة الغاز

في السياق ذاته، أكدت فورين بوليسي أن المشكلة الرئيسية التي أدت إلى تصاعد التوترات تكمن في استبعاد تركيا من كعكة الغاز في المنطقة.

وبالرغم من أن صراع الطاقة في شرق المتوسط مفتوح على جميع السيناريوهات، فإن المجلة الأميركية ترى أن هناك تحديات قد تدفع معظم الأطراف في المنطقة والاتحاد الأوروبي لاحتواء التصعيد الحالي وإيجاد مخرج للأزمة.

ورغم دعمهما اليونان، لا يمكن لمصر وإسرائيل تحمّل الانجرار إلى حرب مع تركيا في شرق البحر المتوسط.

وتواجه أوروبا تحدياً كبيراً؛ ففي الوقت الذي يعرب فيه الاتحاد الأوروبي عن دعمه المطلق لعضويه اليونان وقبرص، يواجه انقسامات حادة حول التعامل مع الأزمة.

انقسامات بين الدول الأوروبية المتوسطية

تنقسم دول الاتحاد الأوروبي المتوسطية الـ 6 بالتساوي حول القضية، فبينما تدعو اليونان وقبرص وفرنسا إلى اتخاذ إجراءات قوية ضد تركيا، ترفض إيطاليا ومالطا وإسبانيا -التي تشترك جميعها في مصالح تجارية مهمة مع تركيا في وسط وغرب البحر المتوسط– اتخاذ أي موقف صارم ضد أنقرة.

وبين الفريقين، يمكن لألمانيا -التي تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي منذ يوليو/تموز- كسر الجمود، وفي حين أنها تلتزم عادة بموقف باريس فيما يتعلق بسياسة البحر المتوسط​​، فإنها حريصة على إبقاء أنقرة قريبة من الاتحاد الأوروبي قدر الإمكان.

ومع ذلك، فإن تركيا تلعب على حافة الهاوية.. إذا توغلت كثيرًا؛ فإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سيميلان تماماً إلى جانب اليونان.

جزيرة كريت خط أحمر

الخط الأحمر الذي لا تستطيع تركيا تجاوزه هو جزيرة كريت، التي يعتقد أن مياهها الجنوبية تحتوي على كميات كبيرة من النفط أو الغاز الطبيعي.

وبالرغم من الاعتراف بها دوليًا كمياه إقليمية يونانية، فإن خريطة أنقرة وطرابلس تحدد كريت كمنطقة ليبية.

ومن ثم، إذا أرسلت تركيا سفينتها للتنقيب عن الطاقة بالقرب من الشواطئ الجنوبية لجزيرة كريت، فإن كل الرهانات ستتوقف.

أنقرة توقّع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا للخروج من عزلتها الإقليمية

وفي هذا الصدد، ربما يكون المؤشر الأكثر تفاؤلاً للمنطقة هو الجهود البناءة الأخيرة التي بذلتها واشنطن للتوصل إلى وقف إطلاق النار وإنشاء منطقة عازلة في ليبيا.

هل تنتهي كل خلافات شرق المتوسط بحل النزاع التركي-اليوناني؟

في هذا السياق، استطلعت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) آراء خبراء في الطاقة، أجمعوا على أن الصراع في شرق المتوسط يشهد أبعاداً متداخلة.

وخلصت (بي بي سي) -وفق آراء المحللين- إلى أن هناك 4 ملفات ساخنة إلى جانب الخلاف التركي مع اليونان وقبرص، هي:

  • يلعب الصراع العربي-الاسرائيلي دوراً في تعطيل الاستفادة من غاز المتوسط ونفطه؛ فقد اكتشفت شركة "بريتش غاز" في عام 2000 حقل "غزة مارين" في بحر غزة. يقدر احتياطي يقدر بنحو 1.4 تريليون قدم مكعبة من الغاز، وهى كمية تلبي حاجات قطاع غزة والضفة الغربية. ورغم مرور عقدين من الزمن، مايزال الحقل دون تطوير بسبب رفض إسرائيل؛ إذ تحتكر تزويد الضفة وغزة بالوقود مع إتاحة نافذة صغيرة لمصر للإسهام في ذلك.
  • النزاع على الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان؛ إذ تّدعي إسرائيل أحقيتها في التنقيب في المياه بالقرب من صور اللبنانية، بينما اتفق لبنان مع عدة شركات نفطية -إيطالية وفرنسية وروسية- للتنقيب في هذه المنطقة، على أن يبدأ الحفر قبل نهاية 2020.، وتحاول الولايات المتحدة الوساطة في هذا النزاع دون جدوى.
  • الخلاف بين تركيا ومصر، في ظل اتهام القاهرة لأنقرة بدعم جماعة الإخوان المسلمين -المصنفة إرهابية في مصر-.. اعتماد مصر على الغاز يدفع باتجاه الاستكشاف غرب البحر المتوسط قرب المياه الليبية، ومن ثم ستتأثر هذه المحاولات سلباً بالاتفاق التركي-الليبي، ويمكن أن تتسبب فى خلافات أوسع بين القاهرة وأنقرة خاصة في ظل رغبة أنقرة فى توسيع نفوذها في شرق المتوسط.
  • يعوق الصراع في سوريا عمليات التنقيب للاستفادة من الغاز القابع في مياهها.

ومما سبق يتتضح أن فك الارتباط بين مختلف الصراعات الإقليمية يخلق فرصة لحوار عملي حول الحدود البحرية للبحر المتوسط. ومن الواضح أن تدخّل العديد من الدول من خارج المنطقة قد ألهب هذا الصراع. وقد يتطلب ذلك دخول دول أكبر لحل الأزمة، أو لمنع الفتيل من الانفجار.

هناك فرصة للخروج من النفق المظلم، لكنها ستتطلب من الولايات المتحدة -وربما بالتنسيق مع ألمانيا- العمل بمهارة والتزام دبلوماسيين.

وبغض النظر عن أي من هذه التطورات، فإن قطاع الغاز المصري في جنوب شرق المتوسط سيستمر بالنمو، وسيكون له انعكاسات اقتصادية وسياسية في المنطقة ككل، وسيغيّر شكل قطاع الطاقة داخل مصر بشكل جذري.

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى